يقول جل شأنه: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) ، وقال جل شأنه: (غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ {159} .
ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا) ، وقد جعل حسن الخلق أكثر مما يدخل الجنة، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: (سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟، قال:(تقوى الله وحسن الخلق) ، وحَسَن الخلق يكون من أحب الناس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأكثرهم قربًا منه يوم القيامة، فعن جابر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن من أحبّكم إلى الله وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن من أبغضكم إليّ وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون، قالوا: يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون، قال المتكبرون) .
وهكذا نجد أن الحضارة الإسلامية وصلت إلى ما وصلت إليه من إعجاز فاق جميع الحضارات لأنها قامت على أسس متينة إذ نظر الإسلام إلى الإنسان نظرتين:
-نظرة تكريم أعطاه فيها كل ما حفظ به كرامته، حفظه من كل ظلم وبغي وعنت، وتولى رزقه وعطاء توجيهه وإرشاده، وأطلق حريته واحترم إرادته وأجاب دعوته.
-نظرة تقييم: إن نظر إليه بمعيار خلقه ونفعه وعطائه وإيمانه.
أما المجتمعات فقد نظر إليها
بمنظار ما فيها من قيم، من مساواة وعدالة وحرية وأخوة واتحاد وتعاون وفضائل، فإذا كملت هذه الأوصاف ووجدت هذه النماذج كان الإنسان متحضرًا وكان المجتمع كذلك، وإذا فقدت كان المجتمع غير متحضر وكان الإنسان فيه غير حضاري وإن رفل في النعيم ووصل إلى الفضاء لأن الإسلام يبحث عن حضارة الإنسان ورقيه، لا عن زخرفة البناء وعلوه، يبحث أولًا سعادة المكرم لا زخرفة المسخر، لأنه منطقي في نظرته، واقعي في حكمه.
فالحضارة التي تقوم على هذه الأسس هي بلا ريب سيدة الحضارات.
دور المسجد في بناء الحضارة
د.وليد فتيحي*
إننا في أمس الحاجة إلى أن نعيد استقراء تاريخنا، وأن ندرس عوامل نجاح أمتنا في قيادة الإنسانية قرابة ألف عام، وبناء حضارة يشهد لها أعداؤها قبل أبنائها.
أي مدرسة وجامعة فكرية وعلمية واجتماعية تلك التي استمرت في إخراج أساتذة للإنسانية في العلوم النقلية والعقلية على حد سواء قرابة ألف عام، من فقهاء ومحدثين، وعلماء في الطب والهندسة، والرياضيات والفلسفة، والفلك والأدب وغيرها من علوم الدين والدنيا، قلما يجتمع مثل هذا الرقم الهائل منهم في حضارة واحدة، دع عنك أن يكونوا جميعًا نتاج مدرسة واحدة.
أما المدرسة التي أقصدها فهي المسجد بمفهومه الشامل المتعمق، وهو مفهوم غائب عن كثير من أبناء أمتنا، المسجد الذي يمثل نقطة التقاء الأمة وتوحيدها، والمظهر العملي لوحدتها، ولذلك كان أول أعمال أستاذ الإنسانية سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - هو بناء مسجد للمسلمين في قباء في أيامه الأولى التي أمضاها في المدينة، وبعد انتقاله من قباء إلى المدينة كان أول أعماله كذلك بناء مسجده - صلى الله عليه وسلم -، وحمل أحجاره بيديه الكريمتين فكان المسجد النبوي مدرسة الدعوة الإسلامية الأولى، ودار الدولة الإسلامية الكبرى، وكان المدرسة والجامعة، ومقر مجلس الشورى، وعقد الرايات، وتجهيز الجيوش، وإدارة شؤون الأمة صغيرها وكبيرها.
إن المسجد في المفهوم الإسلامي الخالص هو مقر إعلان العبودية الخالصة لخالقنا (( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا ) )، وبما أن العبادة في المفهوم الإسلامي شاملة جامعة لحياة الإنسان العابد لله - تعالى-: (( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) ) (الأنعام 162-163) ، وبما أن العلم في الإسلام شرط أساسي في أداء العبادة الصحيحة بمفهومها الشامل؛ فلابد إذن من أن يقوم المسجد بدور نشر العلوم، بل وأن يصبح منارة ومقصدًا علميًا.
وقد قام المسجد بدوره التعليمي منذ أيامه الأولى، وحث رسول الله على هذا الدور العلمي بقوله - صلى الله عليه وسلم: (من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرًا أو يعلمه كان كأجر حاج تامًا حجه) أخرجه الطبراني، وهذا المقصد التعليمي أوضحه وبينه - صلى الله عليه وسلم - في حديثه ليفرق بينه وبين البعد الشعائري من إقامة الصلوات في المساجد.
ولم يقتصر الدور التعليمي للمسجد على الرجال بل نافست عليه النساء لما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قالت النساء للنبي: (غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يومًا من نفسك، فوعدهن يومًا لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن) ، وفتح المسجد صدره للمرأة تشهد دروس العلم ليتأكد حق المرأة في تحصيل العلم، ومشاركة الرجل في الحياة، وقد أعجبت السيدة عائشة أم المؤمنين بإقبال الانصاريات على العلم فقالت: (نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء من أن يتفقهن في الدين) .
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشرف على حلقات العلم التي كانت تنتشر في أرجاء المسجد النبوي الشريف خاصة في بواكير الصباح، حيث حدث عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بمجلسين أحدهما فيه دعاء وإقبال على الله، والآخر فيه علم، فأقرهما وقعد في مجلس العلم، وشجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استخدام الوسائل المتاحة آنذاك لتوضيح المعاني والدروس سواء كانت بصرية أو سمعية، ومن أمثلة ذلك ما رواه ابن مسعود بقوله: خط لنا رسول الله خطا بيده ثم قال: (هذا سبيل الله مستقيمًا) ، وخط عن يمينه وشماله ثم قال: (هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه) ثم قرأ: (( وإن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) ) (الأنعام 153) .
ولو أن الوسائل التعليمية المتاحة لنا في عصرنا هذا وجدت في عصر رسول الله - صلوات الله وسلامه عليه - لحثَّ على استعمالها، وكان أول من يستعملها - صلى الله عليه وسلم -.
واستمر المسجد في التطور والنمو جيلًا بعد جيل، ليؤدي مهامه في صناعة الحياة، ليصبح جامعات ومنارات علمية وفكرية رائدة، والأمثلة كثيرة نذكر بعضها مثل: جوامع الألف - وسميت كذلك لأنه مضى على تأسيسها أكثر من ألف عام - مثل: جامع عمرو بن العاص قلب الفسطاط الفكري، ومهد الحركة العلمية في مصر، والذي كان يشهد مئات الزوايا العلمية، والجامع الأموي في دمشق، وجامع المنصور ببغداد، وجامع القرويين في فاس بالمغرب الذي امتاز بالنظام التعليمي الجامعي، وطرق التدريس فيه، فكان له شروط دقيقة للتعيين، ووظائف التدريس، وتخصيص كراسي الأستاذية، والإجازات الفخرية، وكان له مساكن جامعية خاصة للطلبة والأساتذة، ومكتبات متخصصة للدارسين الجامعيين، فقصدها المسلمون وغير المسلمين من شتى أرجاء العالم، أما جامع الزيتونة بتونس فقد أبدع في شتى مجالات العلوم النقلية والعقلية، وضمت مكتبته العامرة ما يزيد عن مائتي ألف مجلد، وكذلك كان حال الجامع الأزهر الذي بدأ كغيره كمسجد لإقامة الشعائر التعبدية وسرعان ما أصبح جامعة يدرس فيها العلوم المختلفة، وتخرج فيها علماء عمالقة في كل مجالات الحياة.