ومن العدالة في الإسلام المساواة أمام القانون فلا يكون هناك قانون للأشراف وآخر لغيرهم أو يكون قانون للبيض وآخر للملونين، فعندما اهتمت قريش بأمر المرأة المخزومية التي سرقت وقد اعتزم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقطع يدها لتكرار السرقة منها، ولأن حد الله يجب أن يقام ولا يحابي أحد لجاهه فوسطوا أسامة بن زيد يشفع في ذلك لمكانته عند الرسول - عليه السلام - قال لائمًا: (أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة) ثم وقف خطيبًا وقال: (ما بال قوم يشفعون في حد من حدود الله، إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) ، هذا هو العدل في الإسلام الذي حض الله وأمر به، جل شأنه، من ذلك قوله - تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ) .
ومن العدالة في الإسلام العدالة الاجتماعية التي تراعي المواهب وتهيأ لها الفرص بغض النظر عن فقرها أو غناها؛ ولذا برزت في الإسلام مواهب وقدرات وطاقات أذهلت الجميع، فالمهم في الإسلام أن يفسح المجال للمواهب، ويوضع كل في مكانه الصحيح حتى إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - اعتبر من لم يفسح المجال لذوي المواهب مضيعًا لنعمة الله وخائنًا للإنسانية، إذ يقول - عليه أفضل الصلاة والسلام: (ومن استعمل رجلًا من عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين) .
ومن العدالة الاجتماعية إعانة الضعيف بقوله جل شأنه: (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ {19} ، (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ {9} وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ {10} ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:(المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة) .
3-الحرية:
تتجلى الحرية في المجتمع الإسلامي في أجل معانيها وأسمى مقاصدها وأروع مظاهرها، ومن هذه الحريات:
حرية الاعتقاد:
لقد قرر الإسلام حرية الاعتقاد وجعل لكل إنسان الحق في أن يعتنق من العقائد ما يشاء، وليس لأحد أن يجبره على ترك دينه واعتناق آخر ولو كان الإسلام، يوضح هذا قوله - تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) وقوله جل شأنه: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) .
أي بدون إكراه، ولا يخفى على كل منصف أن ما يقرره الإسلام في هذا المبدأ الذي يتجلى فيه تكريم الإنسان واحترام إراداته ومشاعره، وترك حريته لنفسه فيما يختص بالهدى والضلال في الاعتقاد وتحميله تبعية عمله وحساب نفسه، وهذا هو أخص خصائص التحرر الإنساني.
حرية التفكير:
كما يقرر الإسلام حرية الفكر والتفكير ويحض الناس على التأمل والبحث واستجلاء الحقائق والنظر إلى ما وراء الأشياء إلى غايتها. ولهذا نرى دعوة القرآن إلى التفكر في خلق السموات والأرض وفي خلق أنفسهم وفيما حولهم مما تقع عليه أبصارهم، أو تسمعه آذانهم، ليصلوا من رواء ذلك كله إلى معرفة الخالق وليستطيعوا التمييز بين الحق والباطل والهدى والضلال، والأدلة في القرآن الكريم كثيرة التي تحث على التأمل والتدبر والتفكر، من ذلك قوله جل شأنه (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ {20} وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ {21} ، وقوله - تعالى:(قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا) .
حرية القول:
لقد جعل الإسلام حرية القول حقًا لكل إنسان على أن يستعمل الإنسان حرية القول في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {104} ) ، كما يحتم الإسلام على المسلم أن ينطق بالحق إذا سكت الناس ويجهر به إذا توارت الأصوات وخفتت الألفاظ وكممت الأفواه، ويبين هذا قوله - صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطيع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) .
كما نهى الإسلام المسلم عن تحقير نفسه بأسره لرأيه وكتمه لفكره، فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (لا يحقرن أحدكم نفسه) قالوا: يا رسول الله وكيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال (يرى أن لله عليه فعالًا ثم لا يقول فيه: فيقول الله - عز وجل - يوم القيامة:(ما منعك أن تقول فيّ كذا وكذا؟) فيقول: (خشية الناس) فيقول: (فإياي كنت أحق أن تخشى) .
فهاهي شرائع الإسلام تحض على إبداء رأيه وإظهار فكره ولا يخشى في قول الحق لومة لائم.
هذا وقد وضع الإسلام ضوابط للحرية حتى لا تخرج عن إطار القيم والفضائل والأخلاق وحقوق الآخرين والصالح العام، فالإنسان حر في أن يمارس حريته بشرط أن يكون سيد نفسه فلا تستبد به آراؤه أو تستعبد شهواته، وهو حر أيضًا في أن يمارس حريته على ألا تتعارض هذه الحرية مع الصالح العام أي لا تعارض حرية الفرد مع حق المجتمع كله، فالإنسان حر ولكنه في الوقت ذاته مسؤول عن خير المجتمع والصالح العام.
وعلى هذا ترتكز الحرية الإسلامية على قاعدتين أساسيتين هما: شخصيته فلا يخضع الفرد لأهوائه ولا يكون عبدًا لشهواته، والقاعدة الثانية: اجتماعية: وهي تقوم على مراعاة حقوق ومصالح المجتمع.
وهكذا نجد أن الإسلام في تصوره للحرية فاق جميع المذاهب والأديان والفلسفات فلم يطلقها كالوجودية الملحدة والشيوعية، ولم يكبتها وإنما أطلقها في حدود لا تتعارض مع خير الفرد والمجتمع، وكان من ثمار هذه الحرية اعتقادًا وفكرًا وقولًا الإنجازات العلمية الكبرى في جميع ميادين المعرفة التي تحققت على أيدي المسلمين منذ بزوغ فجر الإسلام.
4-الأخوة:
أن يقوم المجتمع الإسلامي على أساس متين من الأخوة الإنسانية المتمثلة في قوله - تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) {1} .
وكذلك من الأخوة الإيمانية المتمثلة في قوله جل شأنه: (إنما المؤمنون إخوة) ، ولقد ـقام الإسلام الأخوة على أساس التعاون والالتفاف حول راية القرآن (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) ، (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) ، (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا {59} .
5-الأخلاق والفضائل:
إن الأخلاق في التصور الإسلامي هي أصل الحياة الإسلامية وشعبها التي تكون صرح المجتمع الإسلامي.