فهرس الكتاب

الصفحة 352 من 1942

وتعطيه كذلك كرامة يجالد بها عبودية الإنسان للإنسان وتسلط الطواغيت على حياته ودنياه فلا يتخذ ربًا إلا الله (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ {64} .

كما تعطيه سموًا في التفكير فلا يكون أسيرًا لرواسب ماضية ونحل متحرفة، وقد كان هذا دأب الجاهلين قبل (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ {170} .

2-النمو الحقيقي للأشياء:

أن تبعث العقيدة الإسلامية في نفوس أصحابها التصور الحقيقي لقيم الأشياء فلا ينطلي عليها غبش الدعايات وبهرج الشبهات، فمن يعرف ربه يعرف شيمة نفسه ويعرف قيمة إيمانه ويعلم تسخير العوالم له، ويعلم كذلك أن الناس كلهم عبيد لله وكلهم من خيره يرزقون، فلا تزلف لأحد إذًا، لأن الكل مخلوق، والكل محتاج إلى عطف الله ورضاه، وإذا استعان صاحب العقيدة فإنما يستعين بالله، وإذا طلب فليطلب من الله.

ويعلم كذلك أن الضر والنفع من الله، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تعليم ذلك لابن عباس: (إذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لا ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك) .

3-الرجاء وطمأنينة القلب:

أن تبعث هذه العقيدة في نفوس أصحابها الرجاء في الله وطمأنينة القلب؛ إذ يربي الإيمان القلب على نفسية قائمة على الثقة بالله والرجاء فيه، فهو في كل حال يتغلب على اليأس والقنوط والجلد والثقة حتى يأتيه نصر الله وهو مطلع عليه: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ {186} .

4-الجراءة والشجاعة في مواجهة الشدائد:

فهذه العقيدة تعطي صاحبها صفات نفسية عامرة كريمة بغير حدود من هذه الصفات الجراءة والشجاعة والبسالة النادرة، الشجاعة في كل ميدان من ميادين الحياة، الشجاعة في مواجهة النفس والتغلب على ثقل الحيوانية، ولهذا ترى كثيرين من أصحاب العقائد ضربوا أروع الأمثلة في الاستقامة والقدوة بعد تاريخ طويل في الجهالة وحب العرض وأتباع الشهوات، واستطاعوا أن يفرضوا الاستقامة وأن يعلموا الشعوب الهداية والرجولة ونبذ الانحراف ومداواة النفوس (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا {46} .

5-الإحاطة والشمول:

مما تتميز به العقيدة الإسلامية الإحاطة والشمول حيث تعترف بالكتب السماوية كلها، حيث يأمر الإسلام الإيمان بكل كتاب أنزله الله على أحد من رسله (والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ {4} أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {5} .

ومن مظاهر الإحاطة والشمول: الدعوة العامة لجميع البشر وعدم التمييز بين جنس وجنس، ولون ولون، وفقير وغني، بل الكل أمام الله سواء، والدين لهؤلاء جميعًا. والرسول - صلى الله عليه وسلم - بعض الناس جميعًا (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ {28} .

ومن إحاطة الإسلام وشموله: بيانه لجوانب الحياة صغيرها وكبيرها، ما صلح منها وما فسد من طعام وشراب فأحل الطيب وحرم الخبيث (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) .

وقد بين الإسلام أن الأعمال هي قوام المسلم وهي ميزان بها يصعد وبها يهوي، وبها يسود في الأرض، وبها يضيع من قدمه الطريق (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا {124} .

ثانيًا: النظام الاجتماعي:

الأساس الثاني للحضارة الإسلامية هو النظام الاجتماعي المتكامل الذي جاء به الإسلام، وصبغ به الحياة الإسلامية، وهو نظام رباني اختاره الله للبشرية لينظموا حياتهم عليه، ويحييهم به حياة طيبة، ويسعدهم به في الدنيا والآخرة، ولا تتداخل معه أهواء البشر الشاردة أو أنظارهم القاصرة وإنما هو وعي إلهي رائق ينظم حياة الناس وينسقها، كما ينظم حركة العوالم ويهذبها ويسعد حياة البشر ويهنيها، ومن أهم أسس النظام.

1-المساواة بين البشر:

يقيم الإسلام المجتمعات الإسلامية على قاعدة مهمة مستقيمة هي المساواة التامة بين البشر، ويقرر المساواة على إطلاقها فلا قيود ولا استثناء، وإنما مساواة تامة بين الأفراد ومساواة تامة بين الجماعات، ومساواة تامة بين الأجناس، ومساواة كاملة بين الحاكمين والمحكومين لا فضل لرجل على رجل ولا لأبيض على أسود، ولا لعربي على أعجمي، وذلك لقوله - تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) .

فهذه قومية عالمية ووحدة إنسانية متكاملة تكون جماعة دولية، تحمي فيها الامتيازات القائمة على الاختلاف في الألوان والأجناس واللغات والحدود الجغرافية، ومن المحال أن تكون حضارة إنسانية عالمية إلا بتحقيق ذلك لأنها من جانب تحافظ على فردية الفرد، ومن جانب آخر تطهرها من كل ما قد يكون فيها من الميول المتناقضة، والنظام الإسلامي بهذا يقطع الطريق على النظام الطبقي وما يصاحبه من نظام اجتماعي، وقد أحدثت، هذه المبادئ ثورة اجتماعية هائلة بدلت الأوضاع الاجتماعية فالكل أمام الله سواء، ومن هذا المنطلق سار الناس بطاقاتهم إلى المجد لا يعترضهم جهل أو غرور أو تسلط، ويسعى الكل يعليه عمله ويرفعه جهده أو يوبقه كسله ويقصره ضرره، ولهذا نرى أن المجتمع الإسلامي برزت فيه طاقات جبارة ولولاه بعد الله، ما كان لها في الحياة شأن أو ذكر.

2-العدالة المطلقة:

لقد جاء الإسلام بالعدل الذي يكفل لكل فرد ولكل جماعة ولكل قوم قاعدة ثابتة للتعامل لا تميل مع الهوى ولا تتأثر بالوأد أو البغض ولا تتبدل مجاراة للصهر أو النسب، والغني والفقر، والقوة والضعف (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا {58} .

وعن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت صدقت، وإذا حكمت عدلت، وإذا استرحمت رحمت) .

وقد ربى الإسلام الإنسان المسلم على العدالة بحيث تكون نابعة من ذاته، لذا قال - صلى الله عليه وسلم: (أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه) وقوله - عليه السلام: (عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت