وعلى هذا الأساس ، تضطر الحركة التغييرية ، وقيادتها ، إلى الانتقال إلى المفصل الثالث من مفاصل التغيير في إطار الاطراد العام للعملية التغييرية بأكملها ، وهو مفصل (البناء الحضاري) . وفيه تنزع الحركة إلى الواقع ، وساحاته المتنوعة ، لتطبق مضامينها ، وتنظر لحركة المجتمع اليومية ، وتقدم الأفكار العملية .. فهي مرحلة إرساء مؤسسات الميدان المتعلقة بـ:
-توفير شروط العبادة ،
-وشروط الإعمار ، والانتشار في الأرض ،
-وشروط الإنقاذ للناس ، من الظلمات إلى النور ،
-والتعارف بين الثقافات والمجتمعات ، على أساس نظرية (التقوى) .
ففي هذه المرحلة ، تبنى قدرة الحركة الأدائية ، والعملية . فبعد أن كانت في عالمي الربط ، والتثقيف ، قدره نظرية ، تصبح في هذا المفصل ، قدرة عملية ، فهي مرحلة (الوعي الواقعي البناء) ، والتفاعل مع سنن الله في الذكر ، والأنفس ، والكون ، واقعيًا ، استجابة للرؤية التوحيدية ، بغرض تحقيق مقاصد الشارع في الخلق ، وتثبيت ، وحفظ حقوق الدين ، والنفس ، والعقل ، والمال ، والنسل ، والكون.
فهو نقل للنظرية الحضارية ، ومشروعها ، إلى أرض الواقع ، وتحويل الوعي إلى قيم سلوكية ، ومواقف ميدانية منظمة ، تدخل في اطراد تسيير المجتمع.
جهد النبي والبناء الحضاري:
ففي سياق تتبع النموذج التغييري النبوي ، نجده قد مر بمفاصل التغيير الثلاثة:
-مفصل الربط الحضاري.
-مفصل التثقيف الحضاري.
-مفصل البناء الحضاري.
فمن الوجهة التاريخية ، نجد أن مفصل الربط الحضاري، قد امتد خلال الفترة المكية، مع التنبيه إلى ذلك التلازم الرائع ، بينه وبين مفصل التثقيف الحضاري ، كما أشرنا سابقًا .. أما مفصل البناء الحضاري ، فقد أعقب هاتين المرحلتين مباشرة ، حيث انطلق واقعيًا من هجرة الرسول صلى الله عليه و سلم إلى المدينة المنورة ، مهد الحضارة الإسلامية الأولى ، وفيها بدأ في الترتيبات العملية لبناء المجتمع الإسلامي، وترسيم معالمه ، وحدوده السياسية والجغرافية ، وتشكيل مؤسساته الدينية والاقتصادية ، والدعوية ، والجهادية.
ثم تحرك النبي بعد عملية الترسيم الأولى ، إلى إكمال عمليات الربط والثقيف والبناء ، في مستويات أخرى من العملية التغييرية ، وفي ساحات جغرافية ، وثقافية أخرى ، حيث الدوائر المحلية ، والدولية ، والعالمية . وفي هذه المراحل بالذات انخرط الصحابة الكرام في عملية بناء واسعة النطاق ، طالت كل العالم الإسلامي القديم ، الذي وصله الدين الحق ، عن طريق الدعاة الفاتحين .
البناء الحضاري والعصر العالمي:
إن طبيعة البناء الحضاري أصبحت اليوم ، ونحن على مشارف العصر العالمي ، معقدة للغاية . ولذا فحاجتها ماسة جدًا إلى الفعل المنهجي المنظم ، وإلى الوسيلة الكفأة ، والمناسبة ، والمشروعة ، وإلى الأسلوب الأمثل والفعال.
فلهذه المرحلة التغييرية موجباتها ، وشروطها ، ووسائلها ، ومنهجياتها .. ومن بين وظائفها الأساسية:
-استقبال منتجات مفصلي الربط والتثقيف من أشخاص ، وأشياء ، وأفكار ثم تزويد هذه المفاصل بما تحتاجه من متطلبات ، ولوازم،
-بناء مؤسسات توجيه طاقات الأفراد ، والجماعات ، ومساعدتها على ممارسة أدوارها الاجتماعية .
-بناء مؤسسات لحماية المنجزات ، والمحافظة على الحركة التغييرية ، وخطها الفكري الأصيل .
-بناء مؤسسات الربط بين أجيال المجتمع ، وتوريث الرسالة والمشروع ، من خلال إرساء مناهج الاستمرار الحضاري
المنهج النبوي وبناء إنسان الاستخلاف
إننا عندما نتأمل الجهد النبوي ، نجده فعلًا انصب حول بناء هذا الإنسان النموذجي بمختلف صوره .. حيث وجدنا الرسول صلى الله عليه و سلم وفر الجو الملائم لبناء الإنسان الخليفة ، والداعية ، والعالم ، والمبّلغ ، والعسكري والسياسي ، والمجاهد ، والقاضي ، والتاجر ، والفيلسوف ، والمترجم ، والطبيب ، والمالي ، والجمهور المسلم الواعي ، الذي يدافع عن الإسلام ، ويذود عنه في ساعات الخطر الداهم ، كما كان الحال في حروب الردة ، وفي الهجمة التتارية على العالم الإسلامي . وهذا الإنسان المنسجم مع الخطاب الإلهي ، هو الذي بنى المجتمع الإسلامي العادل .. وشيد ثقافته الحضارية التوحيدية..
إن إنسان الاستخلاف هو الإنسان ، الذي يتطابق مع الخطاب الإلهي ، ويستجيب لنداء الإسلام ، ويمارس وظائفه الأساسية في: العبادة ، والإعمار ، والإنقاذ ، والتعارف ، ويسعى دومًا إلى إيجاد الشروط التي تأهله لتقديم الإسلام للناس ، وتوفير الوسط الذي تعيش فيه تعاليمه ، وتشريعاته ، وتسمو فيه ذات الإنسان ، وتتكرم ، وتتصارع فيه الحسنة مع السيئة ، فتغلبها الحسنة.
إن إنسان الاستخلاف الذي شاده النبي عليه الصلاة والسلام ، هو من هذاا لطراز الذي دفع بمشروع الإسلام إلى عالم الحضارة ، حيث رابط هذا المجتمع في التاريخ أكثر من عشرة قرون كاملة .. ساهم خلالها في إثراء مسيرة الإنسانية بالعلم ، والمنجزات الحضارية المتنوعة ، التي ساعدت في وقت لاحق ، الكثير من الأمم لتعيد بناء ذاتها الحضارية ، مثل الأمة المسيحية.
فإنسان الاستخلاف هو الذي دفع بالمجتمع الإسلامي الوليد إلى عالم (الابتغاء الحضاري) ، وعندما توقفت رسالة هذا الإنسان ، ولم تستطع الأجيال المتعاقبة تجديد العهد بهذه النوعية من البشرية الراقية ، نزل المجتمع إلى مستوى دون المستوى الأول .. وتغير الإنسان غير الإنسان الأول ، وجاء (إنسان التولي الحضاري) الذي فتح عهد (التخلف الحضاري) في المجتمع الإسلامي.
إنسان المنهج النبوي
إن المنهج النبوي وهو يتحرك لبناء المشروع القرآني ، انطلاقًا من بناء الإنسان ، يضع في اعتباره نموذج هذا الإنسان ، الذي يفترض فيه التأهل لحمل أعباء الاستخلاف في الأرض .
فإنسان السنة النبوية ، مسؤول في كل ساحة يتواجد فيها (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) ومجد في النهي عن المنكر ، والأمر بالمعروف ، طبقًا لسنن الدعوات ، وقوانين البلاغ المبين: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ) ومتق لله سبحانه وتعالى في كل موقع ، ومخالق للناس بخلق حسن: (أتق الله حيثما كنت ، واتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن ) .
فهو الساعي في الأرض ، والضارب في مناكبها باحثًا عن رزقه ، وقوته . تجده هناك في ساحات الحضارة ، يحتطب من قيمها ، وأخلاقها ، وعلومها ومدنيتها ، ومعاشها: (لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها ، فيكف الله بها وجهه ، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أم منعوه ) .. ( أطيب ما أكل الرجل ، من كسبه ) .
وهو الكيس، الفطن، الذكي، والمتحرز الحذر ، المنتبه: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ) وليس بماكر ، خداع ، وغشاش، غير مؤتمن: (من غشنا فليس منا ) . نزاع إلى الأدب ، والخلق الحسن ، والجمال: ( إن الله جميل يحب الجمال ) .