في هذا النموذج الرائع ، لم يترك النبي عليه الصلاة والسلام ، أي مجال للشك في ارتباطه الوثيق ، وإيمانه الجازم ، بالأهداف الحضارية الكبرى للإسلام ، فقد وضع عليه الصلاة والسلام وعيه ، بين حدي العمل المنتج ، وهما أن يظهر الله هذا الدين ، أو يهلك دونه ، وهذا فهم عميق لرسالة الإسلام ، وقدرة كبيرة على توجيه المشكلات ، وحل المعضلات ، لصالح مسار الدعوة الأصيل ، فهو هنا لم يقدم فقط موقفًا رافضًا لما هو مطروح عليه من استفسارات ، بل وضح منهجهًا في التعامل مع المشكلات ، التي تتصل بقضية الاعتقاد ، والإيمان بالأفكار ، والتعامل مع أعدائها المغرضين.
فالنبي عليه الصلاة والسلام ، قد نفذ بوعيه ، وإدراكه للفكرة التوحيدية ، من مجال الوعي البشري العادي ، إلى مجال الوعي المتسامي ، والمتجه نحو المولى تبارك وتعالى ، وليتحرك في الواقع بنور الله ، وهدايته .
النموذج الثاني:
أنظر إلى موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم الذين لحقهم أذى المجتمع الجاهلي ، عندما قال له والده أبو قحافة: ( يا بني إني أراك ، تعتق رقابًا ضعافًا ، فلو أنك ما فعلت ، أعتقت رجالًا جلدًا يمنعونك ، ويقومون دونك؟ فقال أبو بكر: يا أبت إني ، إنما أريد ما أريد لله عز وجل ) .
إن هذا الموقف من الخليفة الإسلامي الأول ، فيما بعد ، يعبر عن وعي بصير على الأهداف الحضارية الكبرى للأمة , ولنموذجها التوحيدي ، رغم أن هذا الموقف كان في المرحلة الأولى للدعوة .. فعلى الرغم من معقولية كلام والده وخاصة من المنطق القديم لكن جوابه كان واضحًا وحاسمًا ، لأنه يعرف بأن هؤلاء الضعفاء هم إسمنت البناء الحضاري .. وهذا الموقف هو الذي صدقه التاريخ الإسلامي فيما بعد .
النموذج الثالث:
ويعبر عن الوعي التثقيفي ، والتربوي العميق لدى النبي عليه الصلاة والسلام ، وتحكمه الجيد في حركة التوعية على منهجية العمل الإسلامي ، وفهمه لمراحلها ، ومتطلباتها . ففي إطار التدريب التربوي لأصحابه ، رأي ( رسول الله صلى الله عليه و سلم ما يصيب أصحابه من البلاء ، وما هو فيه من العافية ، بمكانة من الله ثم من عمه أبي طالب ، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء ، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة ، فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد ، وهي أرض صدق ، حتى يجعل الله لكم مخرجًا مما أنتم فيه ) .
النموذج الرابع:
في هذا النموذج يرسم لنا النبي عليه الصلاة والسلام منهجًا أصيلًا من مناهج الدعوات ، وذلك باستخدامه منهج السير في الأرض ، والنظر في سنن الذين خلوا ، من أجل تثقيف أصحابه على منهج البناء الحضاري . فعن خباب بن الأرت رضي الله تعالى عنه ، أنه قال: ( شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال صلى الله عليه و سلم: قد كان من قبلكم ، يؤخذ الرجل ، فيحفر له في الأرض ، فيجعل فيها ، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه ، فيجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه ، وعظمه ، ما يصده ذلك عن دينه .. والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون ) .
إن هذا الوعي البصير ، هو الذي حافظ على حركة التغيير الإسلامي ، ومكنها من المواجهة ، والمراجعة الناجحة ، والنمو الإيجابي ، الخاضع لسنن الله في الخلق .. ومن المهم هنا أن نعرف أمرين أساسيين:
الأول: ( أن الرسول صلوات الله عليه لما أخذ المسلمون عنه دينهم ، كان وازعهم فيه من أنفسهم ، لما تلي عليهم من الترغيب والترهيب ، ولم يكن بتعليم صناعي ، ولا تأديب تعليمي ، وإنما هي أحكام الدين ، وآدابه المتلقاة نقلًا ، يأخذون أنفسهم بها ، بما رسخ فيهم من عقائد الإيمان والتصديق) .
ثانيًا: ومن هنا ، فإن عمليات الربط الحضاري ، والتثقيف الحضاري ، كأنتا متلازمتين في النموذج التغييري النبوي ، وهذا ما انتبه إليه مالك بن نبي رحمه الله بذكاء حيث قال: (إلا أن الحضارة الإسلامية قد جاءت بالتحديدين مرة واحدة ، وصدرت فيهما عن القرآن الكريم الذي نفى الأفكار الجاهلية البالية ، ثم رسم طريق الفكرة الإسلامية الصافية التي تخطط للمستقبل بطريقة إيجابية) .
التثقيف الحضاري والعصر العالمي
فكما أشرنا في موضوع الربط الحضاري ، أنه يقتضي وعيًا على التطورات الراهنة للبشرية ، فإن نفس الشيء يستدعيه فهم مفصل التثقيف الحضاري .. ولكي نفهم النموذج التغييري الإسلامي ، في:
-رؤيته ، ورسالته ، ومشروعه ،
-ومنهج تطبيقه ،
-ومنهج المحافظة عليه ،
-ومنهج توريثه للاجيال،
-وفي منهج استمراره وتواصله ،
علينا أن نعي بأن هذا المفصل بحاجة إلى شروط ، ومنهجيات ، ووسائل ، وأدوات ، نذكر منها ضرورات قيام مؤسسات ، من أجل:
-استقبال منتجات عالم الربط ، من أفكار ، وأشياء ، وأشخاص ، وتساؤلات ، ومشكلات تحتاج إلى حلول.
-تأهيل الأفراد في مجال الوعي بالمشروع الاجتماعي ، والبديل الإسلامي .
-تكوين الإنسان منهجيًا ، ومعرفيًا ، وروحيًا ، وسلوكيًا ، وتأهيله ليتطابق مع نموذجه .
-تشكيل القدرات الإنجازية لدى الأفراد ، والجماعات .
-الصياغة المشروعية ، والتنفيذية لنظم النموذج الإسلامي ، القانونية ، والتشريعية ، والاجتماعية ، والاقتصادية ، والسياسية .. إلخ .
ولكي تقوم مؤسسات التثقيف بهذه الوظائف وغيرها ، فهي بحاجة إلى ما يلي:
-إنشاء مؤسسات للفكر ، والمعرفة ، تقوم بإعداد مشاريع ، ومنهجيات التثقيف .
-إنشاء مؤسسات للاتصال بين عالم الربط الحضاري ، وعالم التثقيف الحضاري ، بغرض مفصلة العمل التغييري ، وربطه ببعضه بعضًا ، في وحدة عضوية متكاملة .
-مؤسسات التوجيه ، والتقويم ،
-مؤسسات توزيع ونشر المشاريع ، والمخططات ، وتطبيقها على الأفراد والجماعات .
-مؤسسات استثمار الأفكار ، والأشخاص ، وتوليد الطاقة الحيوية ، والبدائل الضرورية.
من هنا تظهر لنا أهمية هذا المفصل التغييري ، كمرحلة وسيطة لازمة ، تعود إليها الكلمة في نجاح المشاريع أو فشلها ، وفي تزويد حركة التغيير بالأفكار ، والمناهج في كل أطوارها السابقة واللاحقة ، كما سنلاحظ بعد قليل ، إن شاء الله.
ثالثًا: المنهج النبوي وعالم البناء الحضاري
هل يمكننا القول: بأن العملية التغييرية قد اكتملت ، إذا توفر الشرطان السابقان ، وهما:
-طرح المذهبية التوحيدية على المجتمع ، ومحاولة ربط الناس بها،
-تثقيف الناس على مشروعها الاجتماعي؟
في الحقيقة ، يعتبر الشرطان السابقان ، من الركائز الأساسية في أي عملية تغييرية ، مهما كانت طبيعتها (مادية أو أخلاقية) ، ولكنهما غير كافيين ما لم ينزلا إلى أرض الواقع ، كتشريعات ، وسلوكيات ، ومواقف يومية ، تجسد المضمون الاجتماعي ، للرسالة المتبناة . إذ يعتبر الواقع ، في هذه الحالة بماثبة التحدي الحقيقي الذي يواجه عمليات الربط ، والتثقيف .ففيه تتأكد المصداقية الاجتماعية للفكرة ، ولمشروعها ، وتتأكد فيه الاستقامة ، والصواب ، والعاقبة.