-مؤسسات إعداد ، وانتاج مناهج عرض الرؤية ، والضمانات ، بالأسلوب الأمثل ، الذي أثر عن النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة الكرام (الجدل الأحسن) و (التيسير المخفف) .. وهنا تعد المشاريع التربوية بالمفهوم الشمولي حتى تصبح تربية اجتماعية ، تطول كل شرائح المجتمع ، وفي كل مؤسساته المتنوعة ، مع مراعاة توزيع الخريطة الثقافية ، والجغرافية للناس ، وقدراتهم ، واستعداداتهم ، كما أشرنا في البداية ، فالعامة موضوع ، والجماهير موضوع ، والمثقفون موضوع ، والمفكرون موضوع ، والمهنيون موضوع ، والسياسيون موضوع ، والتجار والأغنياء موضوع .. إلخ ، وكل موضوع من هذه الموضوعات يحتاج إلى فهم معادلته ، والأسلوب الأمثل في التعامل مع قضاياه ، ومتطلباته.
-مؤسسات ممارسة الدعوة ، وتخريج الدعاة الربانيين ، وإنتاج منهجيات البلاغ المبين.
-مؤسسات توزيع ، ونشر الأفكار ، وتبادل الخبرات .
-مؤسسات المتابعة ، والمراقبة ، والتقويم المتنامي للأشخاص ، والأشياء ، والأفكار .
-مؤسسات تنمية الإمكان المادي ، والوسائلي ، والخبرات الاستخدامية للأدوات .
كما أن كل مؤسسة من هذه المؤسسات وغيرها ، تقتضي تفريعات ، وتخصصات ، فمثلًا في مؤسسات إعداد ، وإنتاج مناهج عرض الرؤية ، والرسالة نحتاج إلى:
-قسم التوجيه وإنتاج المنهجيات الدعوية .
-قسم التوجيه المعرفي للعلوم الاجتماعية ، والسلوكية ، والكونية عمومًا .
-قسم تصنيف احتياجات الدعوة على صعيد الأفراد ، والأسر ، والجماعات ، والدول ، والمجتمعات ، والأمم ، والإنسانية..
-قسم هندسة عالم الأشخاص ، وتسيير الجهاز البشري للحركة التغييرية ، بعيدًا عن منطق الإدارات ، والبيروقراطيات المريضة ، بل في إدارات أخرى هي إدارات الجرح والتعديل ، وعلم الرجال .. إلخ .
-قسم متابعة الحركة التربوية ، والتكوينية للمرتبطين بالرسالة ، والإجابة عن تساؤلاتهم ، وتنمية صلاتهم بالفكرة.
هكذا إذن تتعقد العملية التغييرية ، وتتعقد العمليات في مفصل الربط الحضاري ، كلما تطور العقل البشري ، ونما نضجه الفكري ، والنفسي ، وكلما تحسن النمو العقلي والنفسي للناس ، كلما حقق الإسلام مقاصده المنشودة ، لأن الإسلام يحب العمل تحت سيادة منطق الحوار ، والإقناع ، والجدل الحسن ، ويمج منطق التزييف ، والغموض ، والقهر.
فالتغيير الحضاري لم يعد مجرد تكديس للأعمال والبشر ، بل أصبح هندسة حضارية عالية للمجتمع ، وطاقاته ، تتطلب المزيد من الوعي والفهم والخبرة .
ثانيًا: النبوي وعالم التثقيف الحضاري
إن الحركة التغييرية وهي تتفاعل مع مشكلات الواقع ، وهمومه ، سوف تضطر إلى استيعاب متطلبات المجتمع ، والسماع لخطابه ، وحاجاته التي يرفع صوتها الناس من كل توجه ، وتيار ، وحزب . فمن الناس ، من مشكلاتهم عقلية ، ومنهم من مشكلاتهم نفسية ، أو أخلاقية ، أو تربوية ، ومنهم من مشكلاتهم معاشية أو مادية ، ومنهم من مشكلاتهم عصبية أو قبلية .. ومنهم من يطالب بسيادة منطق الفوضى ، ومنهم الحاقدون ، والمغرضون .. ومنهم من يجادل على صعيد الفكر والعلم، ومنهم المجادل على صعيد المنهج ، والمشروع .. ومنهم من يطالب بالبدائل ، ومنهم من يطالب بالمعجزات الخارقة ، ومنهم من يريد الخير للإسلام ، ولكن أسلوبه يسيء إلى الإسلام ، ومنهم من يريد الشر للإسلام ولكن يخدمه من حيث لا يعلم .. والخلاصة هي: أن في المجتمع حياة ، وديناميكية ، وخير ، وشر . والحركة التغييرية الحية ، هي التي تفهم حركية المجتمع ، وتسعى إلى معرفة همومه ، واحتياجاته في كل لحظة ، وآن ، كيما تتمكن من استيعابه ، وتقديم الخير له بدون إكراه ، ولا تكليف بما لا يطاق.
كما أن الحركة التغييرية سوف تواجه من قبل عالم أشخاصها ، وما يطرحه من تناقضات ، وأمراض ، وظروف متعلقة بثقافات الناس القديمة ، تلك التي ستدخل إلى الحركة التغييرية ، عن طريق العمليات الجارية في مفصل الربط الحضاري . ولكي تستجيب الحركة التغييرية بوعي ، لكل هذه المتطلبات وغيرها ، مما يعرفه أصحاب القضية ، فهي مضطرة منهجيًا إلى فتح المفصل الثاني ، من مفاصل التغيير ، وهو مفصل ( التثقيف الحضاري) .
مفهوم التثقيف الحضاري
إنه بمثابة المرحلة الوسيطة التي تتخصب فيها المشاريع ، وتنمو فيها الخبرة باستمرار ، وتتوجه نحو الواقع رويدًا رويدًا ، وذلك بعد أن تتم عملية بناء المشروع التغييري ، على الصعيد النظري ، أي مستوى النفوس ، والعقول ، التي تمارس عليها عمليات التثقيف ، التي ستؤهلها للعيش في ظل ظروف الواقع المعيش ، وفيها كذلك تعد مناهج تطبيق مشروع الإصلاح الاجتماعي.
إنها مرحلة حاسمة حقًا ، لأنها هي التي تصل الوعي النظري بالوعي الواقعي ، وتربط بين المباديء النظرية ، والمؤسسات الميدانية ، وتؤلف بين الرؤية الكونية ومشروعها العملي ، وبين إنسان النظرية الذي يكون في مؤسسات الربط الحضاري ، وبين إنسان التطبيق الميداني ، الذي يباشر عمليات الإنجاز . فهي مرحلة لازمة لاكتمال نمو الأفكار ، ونضج الطروحات ، وترسيخ القيم والمباديء ، وتجذر الاقتناع بالرسالة وبمشروعها.
فهي الجسر الذي يربط بين عالم ظهور الفكرة ، وبداية ارتباط الناس بها ، وعالم تجسيدها ، وبنائها الموضوعي ، وبين أزمة ما قبل الربط الحضاري ، التي يعيشها الإنسان والمجتمع ، وعالم ما بعد التثقيف الحضاري ، الذي يصير فيه الإنسان والمجتمع على استعداد تام ، ليعيشا في ظل الواقع الذي قاما لإنجازه .
وبعبارة أخرى: إنها مرحلة تعمير العقول ، وتنوير القلوب ، وتزكية النفوس ، واكتساب القدرة على البناء ، والعلاج لمشكلات المجتمع ، وصياغة المناهج الكفيلة بتقديم البدائل العملية للواقع المتأزم . والتثقيف الحضاري للإنسان ، وعملية تكوين الخبرات ، تحتاج إلى شروط ، وموجبات ، ومنهجيات ، ومؤسسات ، تمامًا كما كان الحال في مفصل الربط الحضاري.
المنهج النبوي والتثقيف الحضاري
النموذج النبوي يعطينا صورة حية عن هذا المفصل ، من مفاصل التغيير ، وهذا ما تدل عليه توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام ، المتعلقة بحثه على العلم ، والتجربة الواقعية ، والتفقه في دين الله ، وكذلك في عملياته التربوية التي ثقف بها المجتمع الإسلامي الأول ، وساعد الإنسان ليفهم بعمق رسالته ، ومشروعه ، والبدائل التي يجب تقديمها ، لحل أزمات مجتمعه . ومن الأهمية بمكان أن نثبت هنا بعض النماذج من حياته صلى الله عليه و سلم وحياة صحابته الكرام ، كمنتوج لعمليات التثقيف التي مارسها في مراحل الدعوة الأولى.
النموذج الأول:
تأمل جيدًا جواب النبي عليه الصلاة والسلام لعمه أبي طالب ، عندما قدم له مقترحات قريش لإغرائه ، وصرفه عن دعوته حيث قال: (ياعم ، والله لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في يساري ، على أن أترك هذا الأمر ، حتى يظهره الله ، أو أهلك فيه ، ما تركته ) .