مرحلة الربط الأولى ، كانت حاسمة في حياة الدعوة بأكملها ، كانت حاسمة في حياة الدعوة بأكملها ، لدقتها وخطورتها ، لأنها كانت تواجه الجاهلية في أعز ما تملك .. تواجهها في أصنامها وفي دنياها المطلقة . وهذه المواجهة باللغة الاجتماعية ، تعني استقطاب عالم الأشخاص الذي كان ينتمي إلى المجتمع الجاهلي ، وربطه بالمجتمع الإسلامي الوليد ، وهذا الذي ظهر من خلال حركة النبي عليه الصلاة والسلام ، من أجل بناء قاعدة بشرية ، ترتبط بأهداف الإسلام الحضارية ، وتقتنع برسالة ومشروع هذه العقيدة الجديدة . فهذا العمل هو مخاطبة للعقول ، ومحاورة للأذهان ، والثقافات ، والتقاليد ، والعادات ، كيما تنتقل من طورها الجاهلي إلى طورها الإسلامي ، وذلك عن طريق عمليات الربط الحضاري . وهذا فعلًا ما أنجز في فترة قصيرة حيث وجدنا جماعة ، تشتمل ضمن صفوفها على مختلف شرائح المجتمع ، وطبقاتها ، بما فيها: السيد والعبد ، والعالم والأمي ، الغني والفقير ، الصبي والشيخ ، التاجر والفلاح ، الراعي والصانع ، الطبيب والعسكري .. فكل هؤلاء - ( نساءًا ورجالًا ) - أصبحوا موضوعات للدعوة ، والربط الحضاري، فهم الذين كانوا بمثابة الزاد الذي غذى جنين الحضارة الإسلامية ، وصنع تاريخها.
من هنا نستطيع أن نؤكد بأن الغاية الأساسية لعمليات الربط الحضاري ، هي: بناء شبكة علاقات رسالية ، يتواجد فيها: العالم ، والمعلِّم ، والمتعلم .. والداعي ، والمفكر ، والمثقف .. والصناعي ، والزراعي ، والحرفي .. والجمهور المسلم الواعي ، ويتحرك هؤلاء في تناسق ، وتناغم ، وانسجام من أجل تحقيق رسالتهم الحضارية ، ذلك لأن (أول عمل يؤديه مجتمع معين في طريق تغيير نفسه ، مشروط باكتمال هذه الشبكة من العلاقات ، وعلى هذا الأساس نستطيع أن نقرر: أن شبكة العلاقات ، هي العمل التاريخي الأول ، الذي يقوم به المجتمع ساعة ميلاده) .
عمليات الربط وشبكة العلاقات النفسية
أما عندما ننظر إلى عمليات الربط من الوجهة النفسية ، فإننا نجدها عبارة عن جهود من أجل تحقيق غايتين في ذات الإنسان ، هما:
-عملية إفراغ للعقول من المواريث الجامدة ، والمعطلة ، وإخلاء للقلوب من مس الشياطين ، وهوس الملاعين !!
-عملية بناء للعقول بالقيم الحية ، والأفكار السليمة ، وتعمير للقلوب بالمبررات الدافعة ، والشحنات الإيمانية القوية..
وبعبارة أخرى: إفراغ الإنسان من كل المعطلات ، والمثبطات الفكرية ، والنفسية ، والسلوكية ، التي تعيق حركته الفاعلة في التاريخ ، وتكبل نظم الطاقة الحيوية لديه ، وتبددها خارج دوائر البناء الحضاري المستقيم على الطريقة وتزويده بالقيم، والمبررات الفاعلة التي تسلك بطاقته على طريق الخير ، والعمل الصالح وبعبارة أخرى عمليات الربط على الصعيد النفسي ، هي التي تخلق في ذات الإنسان جوًا: (يجد الفرد نفسه فيه متخليًا عن عدد من الانعكاسات المنافية للنزعة الاجتماعية ، ليكسب مكانها أخرى أكثر توافقًا مع الحياة الاجتماعية ، وذلك هو تكييف الفرد .. فهو عملية تنحية ، تجعل الفرد لا يعبأ ببعض المثيرات ذات الطابع البدائي - كتلك الحمية التي كانت تعتري عرب الجاهلية ، وتدفعهم إلى الأخذ بالثأر - وهو عملية انتقاء ، وإحساس ، تجعل الفرد قابلًا لمثيرات ذات طابع أكثر سموًا .. طابع أخلاقي ، جمالي مثلًا) .
مثال من السيرة النبوية
لنتتبع هذا المثال التوضيحي .. فجعفر بن أبي طالب ، لما أجاب النجاشي ، قال له:
- ( كنا قومًا أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار .. ) فهذه هي مجموعة المواريث ، المعطلة للطاقة البشرية .. ثم واصل كلمته قائلًا:
- ( فدعانا إلى الله لنوحده ، ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه .. ) وهذه هي مجموعة الأهداف ، والمبررات الجديدة ، التي تمثل مصدر الطاقة الجديدة . ثم يضيف مؤكدًا:
- ( فصدقناه وآمنا به ، واتبعناه على ما جاء به من الله ، فعبدنا الله وحده ، فلم نشرك به ، وحرمنا ما حرم الله علينا ، وأحللنا ما أحل ..) .. فالدلالة واضحة هنا على تمام عمليات الربط الحضاري ، بشكل مستوف للشروط ، وذلك على صعيد العينات الفردية ، التي ستتحول فيما بعد إلى مجتمع حضاري هو ( مجتمع المدينة) .
قال تعالى: ( وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم ) (الأنفال:63) .
إن التحول الذي أحدثه الرسول صلى الله عليه و سلم في نفسية صحابته الكرام ، هو الذي يفسر لنا فيما بعد ، قدرة هذا المجتمع على (المرابطة الحضارية) ، والعطاء الإنساني الكبير ، في مختلف حقول المعرفة البشرية..
لقد مارس الرسول صلى الله عليه و سلم عمليات الربط الحضاري ، على مستوييها: النفسي ، والاجتماعي ، وحقق فيها أعلى مستويات الإتقان المنهجي والثقافي ، وترك لنا نموذجًا لبناء حضاري عالمي شامخ ، بمقدوره أن يقدم لنا ( الهداية الحضارية ) كلما استدعيناه بوعي ، وفهمناه بعمق .
العصر العالمي والربط الحضاري
إننا نريد اليوم ، ونحن على مشارف القرن الواحد والعشرين ، أن ننجز عملية تغييرية حضارية في مستوى القرآن الكريم ، والسنة النبوية . ففي ظل قرن الحضارة العالمية ، يطرح سؤال مهم هو:
كيف نربط الناس بالإسلام ، وبمشروعه الحضاري من جديد؟
وأمام هذا التساؤل ، فإننا مضطرين إلى تحديد صورة عامة ، عن طبيعة عمليات الربط الحضاري ، ومتطلباتها الأساسية ، مرجئين منهجية الربط ، وكيفياته ، إلى حينه . فلكي تتم عمليات الربط الحضاري ، بشكل مستوف للشروط ، نحن بحاجة إلى:
-السعي إلى بناء شبكة علاقات اجتماعية في كل مجتمع من المجتمعات الإسلامية القائمة ، كمرحلة ضرورية على طريق بناء شبكة العلاقات الحضارية للأمة من جديد ، وذلك من خلال التحرك على مستوى: الإنسان ، والمجتمع ، والإنسانية .. والاستفادة من التعاطف العالمي مع الإسلام ، من قبل من لم تمسخ الحضارة الغربية فطرتهم الخيرة.
-بناء وعي مستوعب على الواقع الاجتماعي الفردي ، والجماعي المحلي ، والعالمي ، على اعتبار أن هذا الواقع سوف يخاطب بالأهداف الحضارية الكبرى للإسلام.
-تشكيل وعي عميق على الرؤية التوحيدية ، ومشروعها الحضاري البديل وضوابطها الشرعية ، ونواظمها الثقافية ، والمعرفية ، والأخلاقية ، وضماناتها ووعودها.
-امتلاك منهج للعمل التغييري الذي سوف يجدد الوسائل ، والأولويات ، والمراحل ، والأوقات التي ينفذ فيها الفعل التغييري ، كما تعرف فيه أساليب التغيير في مرحة الربط الحضاري ، ومنهجياته النظرية والعملية ، وإجراءاته التربوية ، والاستثنائية . فبدون منهج واضح المعالم ، والخطوات ، والأهداف ، والسياسات ، قد لا تصمد الحركة التغييرية أمام ابتلاءات الواقع العالمي الداهمة!؟
وفي نفس المفصل التغييري سوف تكون الحركة التغييرية مطالبة بوضع مخططات ، وبرامج للربط الحضاري على المستوى الفردي ، والجماعي ، والإنساني ، وعلى الصعيدين المحلي والعالمي ، والانطلاق الفعلي في طرح الرؤية الإسلامية ، وعرضها على المجتمعات ، وهنا تنشأ ضرورة التخصص في الفعل التغييري من خلال إنشاء المؤسسات التغييرية لعالم الربط الحضاري والتي منها: