فهرس الكتاب

الصفحة 1775 من 1942

ففي الآيات الأربع الأولى ، جاءت معبرة عن وضع ديناميكي حركي ، أي في صيغة الفعل الذي يؤدي إلى نتائج مثل: الثبيت على الحق ، والإيمان ، والإقرار بالربوبية ، والدعوة إلى الله الواحد القهار ، والحركة المستديمة في سبيل الحق تبارك وتعالى ، حيث اشارت الآيات الثلاث الأولى من الأربع ، إلى قضايا متعلقة بعالم القلوب ، والنفوس (ظاهرة نفسية) ، متعلقة بعلوم النفس ، أما الآية الرابعة فقد أشارت إلى قضية متصلة بالظاهرة الاجتماعية ، والتحرك في الواقع ، ومسك الثغور ، والساحات الجهادية المتنوعة

(المرابطة) .. وبعبارة أخرى ، الآية تشير إلى (عالم الحركة الاجتماعية) ، حيث علوم الاجتماع البشري.

أما الآية الخامسة ، فقد أشارت إلى وسيلة من وسائل المرابطة ، أي توجهت نحو (عالم الوسائل) (رباط) . ثم تحدثنا الآيات في مجموعها عن مقاصد ، وغايات ، ينشدها الإنسان ، وعن كيفية الوصول إليها ، وفي الإطار الكلي للآيات يقف المنهج التغييري ، الذي ترجعه إلى عالم النفوس ، وعالم المجتمع ، فهو منهج الربط الحضاري الذي يحتاج إلى البنيان البشري المرصوص ، الذي يرابط في سبيل إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى.

إننا لا نقصد هنا ، البحث عن المعنى اللغوي لكلمة ربط ، وإنما عن المضمون المنهجي ، والنفسي ، والاجتماعي ، والغائي لها . فلو أخذنا مثلًا وجهة نظر مفسر كابن كثير ، فإننا نعثر لديه عن فكرة مهمة في هذا المجال ، وهذه فقرة من تفسيره: (..وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا: ربنا رب السموات والأرض ) يقول تعالى: وثبتناهم على مخالفة قومهم ، ومدينتهم ، ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد والسعادة والنعمة ).

فالربط الذي نعنيه هنا هو الذي يتعامل مع القناعات الخالصة للبشر ، بدون ضغط ولا إكراه .. فهو الاقتناع الراسخ ، والارتباط الوثيق بفكرة معينة ، وهو كذلك دافع ذاتي في أعماق النفس الإنسانية ، بحيث يعطيها طاقة الالتزام الكامل بضرورات العيش ، تحت توجيه فكرة معينة .

فالارتباط بالشيء هو السلوك الناتج عن عمليات الربط للإنسان بعقيدة معينة ، وفق منهجيات تتطابق مع سنن الله في الربط الحضاري ، فهو من الوجهة النفسية ، حرارة ذاتية غلابة على طريق الفكرة ، وإيمان داخلي يخلق في الإنسان طاقة الإخلاص لها .. وهو من الوجهة الاجتماعية ، الموقف التاريخي الذي تأخذه جماعة تغييرية ما ، وبه تستجيب لمقتضيات الكفاح ، من أجل رسالة معينة ، وتنشط من أجل تحقيق مشروعها الاجتماعي .. وهو كذلك جو إنساني يتيح للجماعة بأن تتعلم قوانين العيش في جماعة حضارية.

الربط الحضاري في الجهد النبوي:

والنموذج النبوي في التغيير ، يعطينا صورة عميقة لظاهرة الربط الحضاري ، وخير دليل على صحة هذا الاعتقاد ، هو تتبع بعض العينات العملية من حياة الرسول صلى الله عليه و سلم وصحابته الكرام:

المثال الأول:

تأمل جيدًا جواب النبي عليه الصلاة والسلام لكفار قريش ، وهم يحاورونه في بعض قضايا الدين ، وذلك باستعمال وسائلهم الخاصة التي تنتمي إلى الثقافة التقليدية: (وما جئت بما جئت به أطلب أموالكم ، ولا الشرف فيكم ، ولا أملك عليكم ، ولكن بعثني الله إليكم ، وأنزل علي كتابًا ، وأمرني أن أكون بشيرًا ونذيرًا فبلغتكم رسالات ربي ، ونصحت لكم ، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه على أصبر لأمر الله ، حتى يحكم بيني وبينكم ) .

المثال الثاني:

تأمل كذلك مقالة جعفر بن أبي طالب للنجاشي ، وهو يشرح مباديء الإسلام حيث قال: ( فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا ، نعرف نسبه ، وصدقه ، وأمانته ، وعفافه ، فدعانا إلى الله ، لنوحده ، ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه ، من الحجارة ، والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم ، والدماء ، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة ..) .

إن أول ملاحظة يمكن تسجيلها على المثالين ، هي بداية ظهور منظومة جديدة من الأهداف ، وبوادر ثقافة، مازالت في حيز القوة ، ومعالم مشروع اجتماعي وليد ، بدأ يسجل حضوره التاريخي ، في عالم الآخرين، عن طريق نموذجه الكوني ، الذي انطلق في تلك اللحظات في صراع واسع النطاق مع الجاهلية القائمة بكل ألويتها القديمة.

فكلام النبي عليه الصلاة والسلام من جهة ، يبرز لنا معالم النموذج التوحيدي ، ويحدد مضامينه العامة ، على الأقل في المرحلة الدعوية الأولى ، ومن جهة أخرى يوضح لنا مهمته صلى الله عليه و سلم في هذه المرحلة التاريخية ، ثم يوضح لنا نتائج الاحتمالين الواردين: احتمال الرفض ، واحتمال القبول ، وجزاء كل واحد منهما.

أما كلام واحد من أصحابه الأوائل (مرتبط بالفكرة) فقد بين لنا العلامات البارزة على طريق المشروع الإسلامي الجديد ، وحدد بعض أبعاده الاجتماعية ، والتربوية ، والسلوكية . كما قدم لنا تقريرًا موجزًا ، ووافيًا عن شخصية الرسول صلى الله عليه و سلم فيها بعض جوانب أخلاقه ، وتاريخه.

إن هذه العينة مأخوذة عمدًا من الفترة المكية ، لكي تبرز لنا بعض القضايا المتعلقة بالتغيير من مراحله الانطلاقية.

فالمرتبطون الجدد بالإسلام سيخضعون لعملية تربوية منهجية ، من قبل النبي عليه الصلاة والسلام ، وهذا هو في الحقيقة العمل التاريخي الأول ، الذي أنجزه صلى الله عليه و سلم ، حيث عمل على ربط الناس بالرؤية التوحيدية ، وبالتالي (بالأهداف الحضارية الكبرى) للإسلام كبديل عن الأهداف الصغرى والبسيطة للجاهلية القديمة ، بكل ما يحتاجه هذا العمل الحضاري الضخم من وسائل ، ومناهج ، وأساليب ، تتماشى وطبيعة الدين الجديد ، حيث فكرة المشروع وغير المشروع من الأدوات ، والسلوكات ، والمواقف ، واجبة المراعاة . وحيث ضرورة الانتقال بالدعوة من مرحلة إلى التي تليها ، ومن مستوى البيت ، والأسرة ، والعشيرة ، والقوم ، والمجتمع الجاهلي القديم ، إلى مستوى العالم أجمع ، حيث كانت المنهجية الأخيرة في دعوة النبي صلى الله عليه و سلم للحضارات القديمة جميعًا ، وإعلان عالمية الحضارة الإسلامية واقعيًا.

لقد سعى صلى الله عليه و سلم عن طريق عمليات (الربط الحضاري) الأولى إلى بناء جماعة إسلامية قاعدية - (الصحابة) - على أساس النموذج الحضاري التوحيدي ، تلك الجماعة التي ستكون قائدة البناء الحضاري الإسلامي الأول ، والذائدة عن حمى الإسلام ، ورسالته ، ومشروعه . لقد كان جهد الرسول صلى الله عليه و سلم منظمًا ، ومخططًا بواقعية ، وعلمية ، وتوازن .. يعمل بلا كلل ولا ملل ، يحذوه الأمل المشرق ، ويرافقه العزم والتصميم ، والإرادة ، والرغبة المتنامية ، وتوجهه الإرادة الإلهية عن طريق رسالة الوحي الأعلى ، الذي كان يتابع عن كثب أحداث الدعوة ، ومراحل نموها لحظة لحظة ، وموقفًا موقفًا ، يتابعها في تفاصيلها الظاهرة والباطنة..

عمليات الربط وشبكة العلاقات الاجتماعية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت