فهرس الكتاب

الصفحة 415 من 1942

وفى مجال الشعر الشعبي نذكر الشاعر الضرير"مقدم بن معافى القبري" (ت 399 هـ/912 م) نسبة إلى بلدة"قبرة"من أعمال"قرطبة". وهو الذي ابتكر فن الموشحات الذي يعتبر ثورة في الشعر العربي وحركة من حركات التجديد التي حررته من قواعد العروض. وبالمثل يقال بالنسبة للشاعر"أبي بكر محمد بن قزمان القرطبي" (ت 507 هـ/1114 م) الذي ابتكر فن الأزجال، وصار يتغنى به في الأسواق بمساعدة بعض الآلات وجوقة من المنشدين. ويلاحظ أن الموشحة والزجل فن شعري واحد مع فارق أساسي هو أن الموشحة عربية صميمه ما عدا الجزء الأخير منها وهو الخرجة باللغة الأسبانية أو العامية الأندلسية. أما لغة الأزجال فهي كلها باللغة العامية الدارجة الجارية على ألسنة عامة الناس تتخللها كلمات وعبارات من عجمية أهل الأندلس. ويلاحظ أن هذه الأغنية الشعبية الأذدلسية ذات الخرجة الأوروبية وما تطور عنها من زجل بعد ذلك، لم تؤثر في الشعر العربي فحسب بل أثرت أيضًا في الشعر الأوربي الذي أخذ في الظهور في جنوب أوروبا في أواخر القرن الخامس الهجري (11م) ، وكان ينشده المغنون الجوالون المعروفون باسم التروبادور TROUBADURES في جنوب فرنسا، والخوجلارس JUGLARESفي شمال أسبانيا. كذلك يقال أن الأغاني التي كان ينشدها الأسبان في أعياد الميلاد باسم ( VILLANCICO) هي زجل أندلسي.

ونختم هذه النخبة القليلة من العلماء الأندلسيين باسم الوزير العالم الغرناطي"لسان الدين بن الخطيب" (ت 776 هـ/1374 م) الذي امتدت كتاباته ومواعظه ونصائحه إلى ملوك عصره من المسلمين والمسيحيين فكان لها تأثير كبير عليهم، وكثيرًا ما استجابوا لها، فنجحت بذلك معظم أهدافه السياسية. وحسبنا أن نشير إلى النصائح التي أرسلها إلى ملك"قشتالة"بدرو الأول، والتي أوردها باللغة الإسبانية المؤرخ الإسباني المعاصر،"لويت دي أيالا"في مدونته عن تاريخ ملوك"قشتالة".

ويضيف المؤرخ الإسباني القديم"استبان جاريباي)، في مدونته مختصر تاريخ ممالك أسبانيا"أن القيم الأخلاقية التي اتسمت بها مواعظ هذا المسلم ابن الخطيب تفوق في قيمتها ما كتبه سينكا وغيره من فلاسفة الرواقيين الأقدمين"."

حركة النقل والترجمة في أسبانيا بين الأخذ والعطاء

إن التاريخ الأندلسي تاريخ عربي إسلامي يعتد بعروبته وعقيدته، وله شخصيته التي لم تلبث أن فرضت نفسها على المدونات والحوليات و. الملاحم الأسبانية المسيحية المعاصرة، وأثرت فيه بشكل واضح. على أن هذا العطاء الثقافي الأندلسي، كان يقابله أخذ أيضًا من الثقافة المسيحية اللاتينية واليونانية.

وقدت عرف عن الأندلسيين ولعهم الشديد بعلم التاريخ، إلى درجة أنهم كانوا يعتبرونه أنبل علم عندهم على حد قول"ابن سعيد المغربي". لهذا أقبلوا بدافع الحاسة التاريخية إلى تلمس الأخبار وتقصي الحقائق من مختلف مظانها اللاتينية واليونانية القديمة، لمعرفة تاريخ وحضارة بلدهم الأندلس والأمم المجاورة لهم منذ أقدم العصور. ولهذا يلاحظ بشكل واضح أن الأخبار الدقيقة المفصلة التي أوردها المؤرخون والجغرافيون الأندلسيون عن الممالك المسيحية في شمال أسبانيا وما ورائها، تدل على أنهم أطلعوا على مدونات لاتينية مسيحية قديمة فقد معظمها اليوم، أو أنهم استمدوا هذه الأخبار من أهل الذمة من النصارى واليهود المقيمين في الأندلس، والعارفين بأخبار هذه الممالك المسيحية، وهو في كلتا الحالتين أمر يدل على تأثر مؤرخينا بالثقافة اللاتينية المسيحية، فضلا عن إمكانية معرفتهم باللغة الإسبانية التي كانت شائعة بين معاصريهم من مسلمي الأندلس، كما نص على ذلك صراحة الفقيه"ابن حزم القرطبي".

ولعل المصدر اللاتيني الأساسي الذي استمد منه المؤرخون والجغرافيون الأندلسيون معلوماتهم عن تاريخ الرومان والأمم التي حكمت أسبانيا قبل الإسلام وعن صفة شبه جزيرة ليبيريا، هو كتاب"التواريخ السبعة في الرد على الوثنيين"للراهب الروماني الأسباني"المولد والنشأة"بولس هروشيش PAULS HOROSIUS الذي عاش في أواخر القرن الرابع وأوائل الخامس الميلادي. ونظرًا لأهمية تاريخ"هروشيش"، فقد قام بترجمته إلى العربية في عهد الخليفة،"عبد الرحمن الناصر" (300- 350 هـ) ، الفقيه الأندلسي قاسم بهن إصبع البياني "، ـ نسبة إلى بيانه من أعمال"قرطبة"- بالاشتراك مع قاضي النصارى ومترجمهم "الوليد بن الخيزران"، المعروف"بابن مغيث". وقد استفاد المؤرخون والجغرافيون الأندلسيون من هذه الترجمة العربية."

أما عن أخبار الممالك المسيحية الأسبانية والأوروبية التي عاصرت الحكم الإسلامي في الأندلس، فهي كثيرة ومتعددة في كتابات المؤرخين والجغرافيين الأندلسيين، والتأثير الأسباني واللاتيني واضح فيها، ونجد ذلك بوضوح في روايات"العذري"و"البكري و"الأدريسي"و،"ابن حزم"و"ابن القوطية،"و"ابن حبان"و"ابن الخطيب"وغيرهم. وكل هذا يعبر عن التأثير والتأثر بين هاتين الثقافتين المتجاورتين."

ولم يقتصر الأمر على الثقافة اللاتينية، بل تأثر الأندلسيون أيضًا بالثقافة اليونانية التي كانت معروفة ومألوفة لديهم، فالشاعر الزجال"سعد بن عبد ربه" (ت 341 هـ) ، ابن عم صاحب العقد الفريد، كان معنيًا بكتابات الإغريق وعلوم الأوائل ويشير"ابن الخطيب"إلى أن حكم اليونان كانت تدرس في الأندلس ولاسيما لأبناء الطبقة الراقية من الملوك والأمراء، وضرب أمثلة على ذلك ببعض أمراء بني الأحمر في مملكة"غرناطة". على أن أهم إنجاز علمي قامت به الأندلس في هذا المجال، هو ترجمة الكتاب اليوناني المشهور"الأدوية المفردة"الملقب بكتاب الحشائش للطبيب اليوناني"ديوسقوريدس DIOSCORIDES الذي عاش في القرن الأول الميلادي. فيروي المؤرخون أن الخليفة الأندلسي"عبد الرحمن الناصر"، عندما تسلم نسخة من هذا الكتاب كهدية من الإمبراطور البيزنطي"قسطنطين السابع"، سنة 337هـ ، شكل لجنة علمية لترجمته إلى العربية. وقد أثار ظهور هذه الترجمة العربية موجة من الحماس بين الأندلسيين الذين أقبلوا على دراسة الطب والنباتات الطبية، متخذين من كتاب"ديوسقوريدس"مصدرًا رئيسيًا لهم، وكل هذا يدل على تأثير الثقافة الإغريقية في حضارة الأندلس."

على أن الأندلس وإن كانت قد استفادت من الثقافة اللاتينية والإغريقية، إلا أنها في نفس الوقت، أعطت وأثرت في المدونات والحوليات والملاحم الإسبانية منذ وقت مبكر عقب الفتح الإسلامي، مما يدل على أن مؤلفيها أخذوا مادتهم العلمية من مصادر عربية ولا سيما من ص دينة"طليطلة"الإسلامية المجاورة لحدودهم في شمال أسبانيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت