ولما سقطت"طليطلة"TOLEDO في يد الأسبان سنة 478 هـ/1085م لم تفقد طابعها العربي قرونًا طويلة، إذ استمر العلماء المسلمون، والمستعربون المسيحيون، واليهود يجتمعون في بلاط ملوكها المسيحيين، ويعكفون على ترجمة الكتب العربية إلى اللاتينية. وكانت هذه الكتب إما ترجمات عربية لأصول يونانية وفارسية وهندية، وإما من تأليف علماء المسلمين أنفسهم بما تضمنته من إضافات جديدة إلى الفكر الإنساني. وكلا النوعين كان جديدًا بالنسبة لأوروبا التي كان التعليم فيها قاصرًا على الأناشيد الكنسية. ولهذا صارت مدرسة المترجمين في"طليطلة"مركزًا ثقافيًا كبيرًا جذب إليه العلماء والدارسين من مختلف أنحاء أوروبا ولقد برز من كبار العلماء الذين أشرفوا على هذه الحركة العلمية، أسقف مدينة طليطلة"خيمينث دي رادا"، DE RADA"الذي يعرف أيضًا بالطليطلي ( 1170 ـ 1247 م) . وكان يتقن عدة لغات من بينها العربية التي ساعدته كثيرًا على الإفادة من المصادر العربية، وكتابة القسم الإسلامي من مدونته الكبيرة التي شملت تاريخ الرومان والقوط والعرب، وتسمى بحولية الطليطلي CRONICA DEL TOLEDANO"ولما ولي عرش أسبانيا الملك"ألفونسو العاشر"الملقب بالعالم أو الحكيم EL SABIO في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي (7 هـ) ، دفع بمدرسة"طليطلة"إلى الأمام، وعمل على حمايتها ورعاية علمائها، وتشجيعهم على الاستمرار في أعمال النقل والترجمة. بل إنه شارك بنفسه في وضع الخطط التي يسيرون عليها ولقد اتسمت هذه النهضة بظاهرة جديدة تقوم على استخدام اللغة القشتالية (الأسبانية) مكان اللغة اللاتينية في تدوين المصنفات الأدبية والتاريخية والفلسفية. وبهذا الأسلوب استطاعت هذه المدرسة أن تصب كل هذه الأصول العربية واللاتينية واليونانية في قالب قشتالي. ولم يقتصر اهتمام هذا الملك العالم على مدينة"طليطلة"كمركز ثقافي، بل أنشأ إلى جانبها مراكز أخرى في مدينة"مرسية"وفي مدينة"اشبيلية"التي اتخذها قاعدة لملكه.
وتحدثنا كتب التاريخ والتراجم أن عددًا كبيرًا من علماء المسلمين كانوا يجيدون اللغة الإسبانية، ويناقشون علماء المسيحية في مختلف المسائل الدينية والدنيوية. ومثال ذلك العالم الغرناطي،"محمد الرقوطي"الذي عهد إليه الملك"الفونسو العالم"تعليم المسيحيين واليهود في مدرسة"مرسية". وهناك العالم الغرناطي"عبد الله بن سهل"، في القرن السابع الهجري أيضًا، الذي كانت له شهرة كبيرة في، العلوم الرياضية لدرجة أن المسيحيين في شتى نواحي أسبانيا، كانوا يرحلون إلى داره في مدينة"بياسة"-BAEZE لمجادلته والاستفادة من علمه. ولا يتسع المجال لحصر الأعمال العلمية التي ترجمت تحت إشراف الملك"ألفونسو العالم"، ولكن يكفي أن نشير إلى شروح أعلام الفكر الإسلامي وآرائهم الفلسفية مثل شروح"ابن رشد"على مؤلفات"أرسطو"ويثروح"ابن باجة"وآراء"محيي الدين بن عربي"الصوفي المرسى، ورسالة"حي بن يقظان"لابن طفيل " والمقامات العربية الأدبية التي خلفت نوعًا من القصص الأسباني المعروف بالقصة البيكارسكية، NOVELA PICARESCA أو أنشودة الجوع EPOPEYA DEL HAMBRE. كذلك ثبت تاريخيًا أن إحدى صور المعراج النبوي قد ترجمت من العربية إلى القشتالية والفرنسية واللاتينية بأمر من الملك"ألفونسو العالم"سنة 1264 م . لهذا كانت الفرصة سانحة أمام الشاعر الفلورنسي الإيطالي دانتي اليجييري (1265- 1321 م) لكي يصل إلى إحدى هذه الترجمات للمعراج الإسلامي. وهناك احتمال أن يكون أستاذه برونيتو لاتيني أو غيره ممن كانوا يترددون بين فلورنسا وبلاط ملك قشتالة، قد ساعد دانتي على ذلك بأن حمل له مسودة من الترجمة."
على أن العمل العلمي الكبير الذي أنجز تحت أشراف هذا الملك العالم، هو في الواقع مدونته التاريخية الكبرى المعروفة باسم التاريخ الأول لأسبانيا، primera cronica generalde espana .فهذه المدونة اعتمدت على العديد من المصادر العربية المفقودة مثل تاريخ"أحمد الرازي غازي القرطبي" (ت 344 هـ) ، وتاريخ (ابن علقمة البلنسي"(ت 509 هـ) ، فحفظت لنا معلومات هامة من هذا التراث الضائع. كذلك تضمنت هذه المدونة عددا من الملاحم الإسبانية التي تتصل أحداثها بتاريخ المسلمين في الأندلس ومن أهمها: ملحمة أبناء لارا السبعه ، Los Infantes de Lara التي تتصل أحداثها بعصر الحاجب"المنصور بن أبي عامر"، وملحمة زايدة المسلمة، Lamora zaidaزوجة المأمون بن المعتمد بن عباد"الذي قتله المرابطون في"قرطبة"، وملحمة الفارس الأسباني المغامر السيد"القمبيطور"أي المبارز El cid campeador الذي أستولي على"بلنسية"في أواخر القرن الخامس الهجري (11 م) . وقد لاحظ المؤرخون أن هذه الملاحم Epicas،"تنبض بالعناصر العربية، وأن أحداثها، وإن كانت تتسم بطابع قصصي، إلا أنها تتصل اتصالا وثيقا بحياة المسلمين في الأندلس، كذلك لاحظوا أنها كانت في الأصل تتردد على ألسنة الناس على شكل أشعار باللغة الرومانية أو اللاتينية العامية، فجاء الملك"ألفونسو العالم"ودونها في حوليته في قالب نثري باللغة القنتشالية."
وهكذا نري مما تقدم أن الحولية التاريخية الكبرى للملك"ألفونسو العالم"هي مثل رائع لذلك الدور الذي قامت به الأندلس، كجسر حضاري، امتزجت فيه حضارتا الشرق والغرب.
جزيرة صقلية
تعتبر جزيرة صقلية نقطة لقاء ثانية بين الشرق والغرب، ومعبرًا آخر امتزجت فيه الحضارة الإسلامية بالحضارة الأوروبية، وذلك بفضل موقعها الجغرافي بين ساحل إيطاليا الجنوبي الذي لا يفصلها عنه سوى مضيق مسيني شمالًا، وبين الساحل التونسي القريب منها جنوبًا. لهذا كانت صقلية حلقة اتصال سياسي وحضاري بين أفريقيا وأوروبا.
وتشاء الأقدار أن يتم فتح هذا المركز الحضاري الهام في عهد خليفة عالم وهو"عبد الله المأمون"حكيم بني العباس، وعلى يد قائد عالم وهو قاضي القيروان"أسد بن الفرات بن سنان"الذي أسند إليه الأمير زيادة الله الأول الأغلبي ، حاكم أفريقيا، قيادة الحملة إلى صقلية.
أبحرت (حملة من ميناء سوسة التونسية في أسطول من مائة مركب(سنة 212 هـ/827 م) ، واتجهت نحو الساحل الغربي لجزيرة صقلية حيث استولت على مدينة"مازرة"Mazara وغيرها من النواحي المواجهة للساحل التونسي جنوبًاَ، ثم اتجه أسد بن الفرات نحو شرق الجزيرة حيث قاتل البيزنطيين قتالًا شديدًا حتى هزمهم، واستشهد هناك عند أسوار مدينة"سرقوسة"Syra cuse (213 هـ / 828 م) ، بعد أن وطد الحكم الإسلامي في بعض نواحي الجزيرة.
ولقد واصل الأغالبة جهودهم في فتح صقلية بجميع مدنها وقلاعها، واستغرق منهم ذلك وقتًا طويلًا يقرب من ثمانين سنة (293 هـ/3. لم) وهي مدة طويلة إذا قورنت بفتح الأندلس الذي لم يستغرق أكثر من ثلاث سنوات. والسبب في ذلك يرجع إلى أن المسلمين لم يجدوا في أسبانيا سوى جيش محلي مفر، بينما كان وراء صقلية الإمبراطورية البيزنطية، تمدها بالمال والرجال. فضلًا عن قوة حصون الجزيرة ومناعتها. ولما قضى الفاطميون على دولة الأغالبة في المغرب (297 هـ/ 909 م) ، ورثوا أسطولها وممتلكاتها. ومن ثم دخلت صقلية في فلك الدولة الفاطمية، وصار يحكمها ولاة من قبل الخلفاء الفاطميين سواء في المهدية أو في القاهرة بعد ذلك. إلا أن هذه التبعية كانت اسمية في غالب الأحيان خصوصًا في عهد أسرة الكلبيين (948- 1052 م) التي تمتعت باستقلال ذاتي في حكم الجزيرة.