فهرس الكتاب

الصفحة 417 من 1942

وكيفما كان الأمر، فإن صقلية حظيت خلال هذين العهدين الأغلبي والفاطمي، بحكم إسلامي مزدهر، وانتشر المسلمون فيها، وانتشرت معهم الحضارة الإسلامية في مدنها المختلفة. وقد أشاد الرحالة والجغرافيون المسلمون بما كان في هذه المدن من مساجد وقصور وحمامات وبيمارستانات وأسواق وأسوار وقلاع ومراسي… الخ. إلى جانب الصناعات التي أدخلوها كصناعة الورق والحرير والسفن والفسيفساء ذات الرخام الملون. كما استخرجوا المعادن المختلفة كالكبريت والنفط والنشادر والرصاص والحديد… الخ وشاركوا في ضروب الزراعة والتجارة، ونشروا لغتهم العربية وعاد اتهم وثقافتهم بين الخاصة والعامة.

غير أن صقلية لم تنعم بالهدوء والاستقرار مدة طويلة خصوصًا بعد انقراض دولة الكلبيين (1052) ، إذ دبت فيها النزاعات الداخلية مما أدي إلى قيام فترة شبيهة بفترة ملوك الطوائف بالأندلس ومن ثم كان من السهل على أي فاتح أن بغزو الجزيرة من الشمال أو الجنوب.

وفشل بنوزيري أمراء أفريقيا في تحقيق ذلك من الجنوب، بينما نجح النور مانديون حكام جنوب إيطاليا في الاستيلاء على صقلية من الشمال لخلى يد الكونت"روجار"الأول حاكم قلورية (كلابريا) الذي انتهز فرصة النزاع الذي دب بين أمراء المسلمين في صقلية، وأخذ يتدخل في شئونهم مظهرًا تأييده للأمير القادر بالله بن الثمنة صاحب"طرابنش Trapni ( شمال غرب الجزيرة) ضد منافسه علي بن الحواس صاحب"اقطانية"، أ+ Catania (شرق الجزيرة) . وبعد حروب د امت تسع سنوات، تمكن روجار الأول من بسط نفوذه على الجزيرة كلها (485 هـ/1092 م) . ولقد ترتب على هذه الأوضاع السياسية السيئة في صقلية، أن غادرها عدد من كبار علمائها وأدبائها الذين ما لبثوا أن أثبتوا تفوقهم العلمي في البلاد التي استقروا فيها. ومثال ذلك الشاعر الصقلي المعروف"أبو محمد عبد الجبار بن حمديس" (ت 527 هـ / 1132 م ) الذي هاجر إلى بلاط الملك المعتمد بن عباد في"أشبيلية"بالأندلس، ورثى وطنه بأروع ما قيل من شعر في هذا الفن من المراثي."

كذلك نذكر الفقيه والعالم النحوي"أبا القاسم علي بن جعفر المعروف بابن القطاع الصقلي"الذي هاجر إلى مصر في خلافة الآمر الفاطمي واختاره الوزير"الأفضل بن بدر الجمالي"مؤدبًا لأولاده. و"لابن القطاع"مؤلفات عديدة في اللغة والنحو والعروض وفي تاريخ صقلية، بعضها مفقود والبعض الآخر موجود. ويذكر الوزير الغرناطي"ابن الخطيب"أن بعض المهاجرين من صقلية إلى المغرب، غيروا انتسابهم إلى صقلية بالقلب (أي بقلب الياء قبل الصاد) فصاروا يعرفون بالصياقلة.

على أن، الملك روجار الأول (1092- 1101 م) وإن كان قد قضى على الحكم الإسلامي في صقلية، إلا أنه لم يتعرض للمسلمين من أهلها بأذ ى، يل عمل على حمايتهم وأقرهم على ديانتهم وشريعتهم، وترك لهم قضاتهم يتحاكمون إليهم، وجند فرقة منهم في جيوشه، كما أباح لهم حرية الاحتفال بأعيادهم علنًا.

هذا فضلًا عن أنه امتنع عن الاشتراك في الحروب الصليبية رغم إلحاح البابا عليه في ذلك.

وهكذا كانت صقلية في أيامه مملكة نصف إسلامية في دينها وفي نظامها الإداري والعسكري.

وبعد وفاة روجار الأول خلفه ابنه روجار الثاني (1101- 1154 م) الذي أجمع المؤرخون على أنه قد بالغ في حماية رعاياه المسلمين بنفوذه وقوانينه، فأحبوه ومدحوه في شعرهم لدرجة أن بعضهم كان يعتقد خط أنه كان مسلمًا في السر. وقد بلغ من تسامح هذا الملك وحبه للعدل والمساواة أنه كان يضرب نقوده بكل اللغات التي يستعملها رعاياه. فكانت نقود صقلية في عهده منقوشة بالعربية واللاتينية واليونانية. كذلك يؤثر عنه أنه كان يحاكي ملوك المسلمين في أزيائهم الفضفاضة على قدر ما حاكى أزياء قياصرة الروم، وأباطرة الفرنج، كأنما أراد بذلك أن يبين للناس بأن سياسته غير مرتكزة على ترجيح عنصر على آخر. وامتلأ بلاطه في مدينة بلرمو"Palermo"بعدد من، شعراء المسلمين وعلمائهم نذكر على رأسهم الجغرافي المغربي الكبير الشريف"أبا عبد الله محمد السبتي"المعروف بـ"الشريف الإدريسي"لأنه من سلالة الأدارسة، ملوك المغرب، وأحفاد الرسول (( r) عن طريق"الحسن بن علي بن أبي طالب". وكان هذا الرحالة الإدريسي (493 هـ- 548 هـ/ 0 110- 1154 م) ولوعًا بالأسفار والاطلاع على أحوال البلاد وعادات أهلها. فلما زار بعض أقاربه في جزيرة صقلية، استدعاه الملك روجار الثاني إلى بلاطه في بلرمو وبالغ في إكرامه والاحتفال به لكونه من أبناء الملوك، ثم طلب منه وضع رسم جامع للأرض، فلبى الشريف طلبه ورسم له خريطة للعالم المعروف في عصره على دائرة فضية مسطحة planisphere طولها ثلاثة أمتار وعرضها متر ونصف. كذلك ألف له كتاب"نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"لوصف هذه الخريطة، ويعرف هذا الكتاب أيضًا بالكتاب الروجاري أو كتاب روجار لأنه هو الذي طلبه منه.

وقد اهتم العلماء والمستشرقين بهذا الكتاب العظيم وعملوا على نشر أجزائه وترجمتها إلى اللغات المختلفة. وحسبنا أن نشير إلى الطبعة العلمية الحديثة التي أخرجها المستشرقون الإيطاليون لهذا الكتاب في سبعة أجزاء.

وهكذا نري، أن الملك روجار الثاني كان، على حد قول العالم الإيطالي ميشيل أماري، سلطانًا عربيًا يحمل تاجًا كملوك الإفرنج،وأن تسامحه الديني أدى إلى امتزاج الثقافات العربية واليونانية واللاتينية، فصارت صقلية معبرًا من المعابر الأساسية التي عن طريقها انتقل تر1ث الحضارة الإسلامية إلى أوربا مما كان له أثره في قيام حركة النهضة المعروفة باسم حركة الرنيسانس"Renaissance"في أواخر العصور الوسطى.

تم خلف روجار الثاني ابنه وليام الأول (1154- 1166 م) الذي سار على سياسة أبيه وجده في حماية المسلمين وتشجيع الدراسات العربية الإسلامية، وكانت علامته مثل علامة أبيه"الحمد لله وشكرًا لنعمته".

ثم خلفه ابنه وليام الثا ني (1166 ـ 1189 م) الذي على الرغم من مساهمته في الحروب الصليبية حينما أرسل حملته البحرية الفاشلة على مدينة"الإسكندرية (569 هـ/1172 م) ، في أوائل عهد صلاح الدين الأيوبي، إلا أنه - كما يقول الرحالة الأندلسي المعاصر"ابن جبير"- تشبه بملوك المسلمين، وأتقن اللغة العربية قراءة وكتابة، واختار من رعاياه المسلمين وزراءه وحراسه وجواريه تاركًا لهم حريتهم الدينية، وكانت علامته"الحمد لله حق حمد ه"."

وبعد وفاة"وليام الثاني"بدون عقب له، حدثت منازعات داخلية حول العرش، أسفرت في النهاية عن تولية،"فردريك الثاني"ابن"هنري السادس"إمبراطور ألمانيا وكونستانسا بنت روجار الثاني. وبهذا صار"فردريك الثاني"إمبراطورًا"."

على ألمانيا وعلى مملكة الصقليتين التي تشمل بلاد نابولي وجزيرة صقلية. وبذلك انتقل الحكم في صقلية من الأسرة المالكة النورماندية إلى أسرة الهوهنشتاوفن الألمانية.

الإمبراطور فرد يك الثاني (1194- 255 ا م)

تولى الملك وهو صبي، وهذا أتاح له ترك الحكم في يد مستشاريه والتفرغ للدراسة والاستفادة من الثقافات السائدة في عصره وهي العربية واليونانية واللاتينية. ولا شك أن التراث الحضاري الضخم الذي تركه العرب والنورمان في صقلية وجنوب إيطاليا، كان أثر قوي في تكوين شخصية هذا الملك. وقد تجلى ذلك بوضوح في اهتمامه بالثقافة العربية، وترجمة مآثرها العلمية، وجنوحه إلى السلم في حل مشاكله السياسية، واقامة علاقات ودية مع ملوك مصر والشام من الأيوبيين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت