ونتيجة لهذه السياسة السلمية تعرض فردريك لغضب البابا جريجوري التاسع الذي اعتبره عاصيًا ومحرومًا من رحمة الكنيسة. واضطر الإمبراطور فردريك- لعلاج هذه المشكلة- أن يخرج بتلك الحملة الصليبية العجيبة- المعروفة بالسادسة- التي كان قوامها ستمائة، جندي، ولم ترق فيها قطرة دماء واحدة، وذلك لأن الإمبراطور فردريك توصل إلى عقد معاهدة مع ملك مصر الأيوبي"محمد الكامل بن العادل"سنة 626 هـ (1229م) استولى بمقتضاها على بيت المقدس بدون قتال.
وفي خلال هذه الزيارة توطدت أواصر الصداقة بين الإمبراطور فردريك وبين الملك الكامل وعدد من الأمراء وكبار رجال الدولة وعلمائها مثل الملك الأشراف موسى أخي الملك الكامل، والأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ قائد الجيش الأيوبي، والقاضي شمس الدين قاضي العسكر الذي صاحب الإمبراطور أثناء إقامته قي الشام.
وبعد عودة الإمبراطور إلى بلاده، أهدى إلى الملك الأشراف موسى (دبا أبيض) ، فأرسل له السلطان الكامل جملة من الحيوانات الغريبة من بينها فيل أثار إعجاب الناس. أما الأمير"فخر الدين بن شيخ الشيوخ"، فقد سافر إلى الإمبراطور كرسول للملك الكامل وتوطدت بينهما صداقة متينة. وقد حفظ لنا المؤرخ الحموي"محمد بن نظيف"في كتابه"التاريخ المنصوري" (نشر في موسكو سنة( 1960 ) عددًا من الرسائل التي تتضمن معلومات هامة عن أخبار الإمبراطور وأخبار دولته.
وكان فردريك الثاني شغوفًا بالعلوم الطبيعية والرياضية والفلسفية، وكثيرا ما كانت تعترضه فيها مشكلات علمية ولايجد من العلماء المحيطين به من يقدم له حلًا شافيًا لها. فكان يرسلها إلى أصدقائه من ملوك المسلمين لعرضها على علماء بلادهم والإجابة عنها. من ذلك مثلًا، المسائل الرياضية والفلكية التي أرسلها إلى الملك الكامل والتي أجاب عنها العالم الرياضي المصري علم الدين قيصر الأسفونى (نسبة إلى قرية أسفون بالصعيد) فبعث بها الملك الكامل إليه مع كتاب في علم الفلك على سبيل الهدية. كذلك أرسل فردريك مجموعة من الأسئلة الفلسفية إلى الفيلسوف الصوفي الأندلسي"ابن سبعين"، وهي مسائل عن الكون والنفس والعلم الإلهي.. الخ، أجاب عنها"ابن سبعين"، وقد عرفت باسم"المسائل الصقلية".
ولما ولي الملك الصالح نجم الدين أيوب عرش مصر، سار على سياسة الود والصداقة التي اتبعها والده الكامل نحو صقلية. وتبادل مع الإمبراطور فردريك الثاني السفارات والهدايا، نذكر منها السفارة المصرية التي رأسها الشيخ"سراج الدين الأرموي"، الذي أقام مدة في صقلية، وألف كتابًا في المنطق للإمبراطور فردريك. ويقال أن هذا الإمبراطور أرسل إلى الملك الصالح أيوب رسولًا متنكرًا في زي تاجر لينذره بحملة لويس التاسع على مصر.
ثم خلف الإمبراطور فردريك ولده مانفرد"Manfred"الذي لم يكن أقل عناية من أبيه بالثقافة العربية ولا سيما العلوم الرياضية والطبيعية.وقد عاصر هذا الإمبراطور دولة المماليك الأولى في مصر والشام على عهد السلطان الظاهر بيبرس، وتوطدت بينهما أواصر الصداقة والمودة كما كان الحال في عصر الأيوبيين. فيروي المؤرخ"جمال الدين بن واصل"أن السلطان"بيبرس"اختاره على رأس سفارة إلى الإمبراطور مانفرد سنة 659 هـ (1261 م) ، وأرسل معه هدية من جملتها عدد من الزراف، وجماعة من أسرى عين جالوت من التتار بخيولهم وعدتهم، فأعجب الإمبراطور بالهدية وأحسن إلى الرسل وأكرمهم. ويصف"ابن واصل"مقابلته للإمبراطور بقوله"فأقمت عنده مكرمًا بمدينة من مدائن أبوليا (جنوب إيطاليا) يقال لها برلت"Barletta"واجتمعت ، به، فوجدته متميزًا، محبًا للعلوم العقلية، يحفظ من عشر مقالات من كتاب اقليدس في الهندسة."
وبالقرب من البلد التي كنت نازلًا بها مدينة تسمى لو جارة Lucera، أهلها كلهم مسلمون من أصل جزيرة صقلية، وتقام الجمعة فيها، ويعلن فيها بشعائر الإسلام، وهي على هذه الصفة من عهد أبيه الأنبرور (أي الإمبراطور) . وكان قد شرع في بناء دار علم بها ليشغل فيها بجميع أنواع العلوم النظرية. وأكثر أصحابه الذين يتولون أموره الخاصة مسلمون، ويعلن في معسكره بالأذان والصلاة". ويضيف الصفدي في ترجمته"لابن واصل"، أن ما نفرد قال"لجمال الدين بن واصل"في مجلسه:"يا قاضي، أنا ما عندي ما أسألك عنه في الفقه والعربية. ثم سأله ثلاثين سؤالا في علم المناظر، فبات تلك الليلة وصبحه بالجواب عنها، فصلب الأنبرور على وجهه وقال"هكذا يكون قسيس المسلمين". لأن القاضي لم يكن معه كتب في تلك السفرة، وإنما أجابه عن ظهر قلب". كذلك ألف"ابن واصل"أثناء إقامته في إيطاليا رسالة في المنطق أسماها"الرسالة الأنبرورية"وأهداها إلى مانفرد."
مدرسة بالرمو للترجمة
كانت، مدينة بلرمو عاصمة صقلية وقاعدة ملوكها أيام حكام المسلمين والنورمان والجرمان وتقع على ساحل الجزيرة الشمالي.
ويفهم من كلام الإدريسي أنه كان يوجد بوسط بلرمو مدينة إسلامية قديمة تعرف بالخالصة، كانت مقر السلطان وجنوده أبان الحكم الإسلامي،وكان المسلمون يعرفونها باسم المدينة، والنصارى يعرفونها باسم بلرمو، ثم غلب الاسم القديم بلرمو على المدينة كلها بعد ذلك.
ولقد زارها ووصفها الرحالة والجغرافيون المسلمون أمثال"ابن حوقل البغدادي" (ت 380 هـ) ، و"الشريف الإدريس السبتي" (ت حوالي 548 هـ) ، ولابن جبير البلنسي الأندلسي" (ت 614 هـ) ."
وهكذا كانت بلرمو حاضرة صقلية في العصر الوسيط، وقد قامت فيها في القرن الثالث عشر الميلادي (7 هـ) مدرسة للترجمة عن العربية عر، غرار مدرسة طليطلة في شمال أسبانيا. وتوطدت بين المدرستين علاقات ثقافية تبودل فيها الكتب والترجمات فضلًا عن العلماء.
وممن تردد على مدرسة بلرمو العالم الاسكتلندي"مايكل سكوت"M . Scott"أحد تلاميذ مدرسة طليطلة الذي ترجم أعمال أرسطو وشروح ابن رشد عليها. ومن المحتمل أنه تعرف على الإمبراطور فردريك الثاني الذي ازدهرت مدرسة بلرمو في عهده."
هذا، ومن المعروف أن معاني القرآن الكريم ترجمت إلى اللاتينية في النصف الأول من القرن الثاني عشر الميلادي أو السادس الهجري. كذلك، ترجمت قصة الإسراء والمعراج، بأمر من الملك الإسباني الفونسو العالم، إلى اللغات القشتالية والفرنسية واللاتينية، وانتشرت في أسبانيا وإيطاليا منذ القرن الثالث عشر الميلادي (7 هـ) واستفاد منها الشاعر الإيطالي دانتي كما سبق أن أسلفنا، ولم تلبث هذه الترجمات أن انتقلت إلى جامعات باريس ونابولي وبولونيا.
على أنه يلاحظ أن حركة الترجمة في مدرسة بلرمو، اتجهت في معظمها- على غرار مدرسة طليطلة- إلى العلوم الرياضية والفلسفية والطبيعية. وكان من أهم ما ترجم فيها على سبيل المثال كتب ابن سيناء"Avicenne" (ت1037م) (مثل كتاب القانون في الطب، وكتاب الشفاء في الفلسفة، وكتب أبي بكر محمد الرازي"Razes"(ت 932 م) مثل كتاب الحاوي في الطب... الخ.
وكان من، أعلام المترجمين فيها أوجين البلرمي"Eugeniusوليوناردو البيزاني"Leonardo pisano". ولعل من مظاهر هذه النهضة العلمية ، آلاف المخطوطات العربية المحفوظة في مكتبة الفاتيكان بروما إلى الآن."