فهرس الكتاب

الصفحة 648 من 1942

إن الراصد لاستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الخليج العربي منذ عقد الخمسينات وحتى يومنا هذا، يلاحظ بوضوح أن الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة لم يطرأ عليها أي تغيير في المضمون، وإنما التغير كان دائمًا يدخل في مجال المنهج. وإن أسس هذه الاستراتيجية قائمة على استمرارية تدفق النفط لأمريكا وحلفائها الغربيين والشرقيين وبالكمية التي يريدونها، وبالأسعار التي لا تهدد اقتصادهم. كما أن من ركائز هذه الاستراتيجية أيضا اعتبار الاتحاد السوفيتي الخطر الأول الذي يتهدد المنطقة، وإن هذه المنطقة لا تستطيع تأمين دفاعها الذاتي، ومن هنا نصّبت الولايات المتحدة نفسها مسئولة عن أمن هذه المنطقة. [6]

أما بخصوص التطورات على صعيد الاستراتيجية الأمريكية بشأن حروبها القادمة، فقد أدار الرئيس الأمريكي ظهره للسياسة أحادية الجانب، مشددًا على أهمية السياسة متعددة الأطراف فيما يتعلق بالشؤون الخارجية ( أو الحروب التي ينتويها مستقبلا ) . وبطبيعة الحال، جدد الرئيس بوش التزامه بما سمّاه بالحرب ضد الإرهاب وحماية أمن الشعب الأمريكي. جاء ذلك في الوثيقة التي صدرت مؤخرا بعنوان:"استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة". [7]

إن طبيعة الصراع بين العالم الإسلامي والتحالف الصليبي الصهيوني له أبعاد مختلفة وجذور عميقة. وفي ذلك يقول"يوجين روستو"مستشار الرئيس الأمريكي الأسبق جونسون:"يجب أن ندرك أن الخلافات القائمة بيننا وبين الشعوب العربية ليست خلافات بين دول أو شعوب، بل هي خلافات بين الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية. لقد كان الصراع محتدما بين المسيحية والإسلام منذ القرون الوسطى، وهو مستمر حتى هذه اللحظة، بصور مختلفة. ومنذ قرن ونصف خضع الإسلام لسيطرة الغرب، وخضع التراث الإسلامي للتراث المسيحي. إن الظروف التاريخية تؤكد أن أمريكا إنما هي جزء مكمل للعالم الغربي: فلسفته، وعقيدته، ونظامه. وذلك يجعلها تقف معادية للعالم الشرقي الإسلامي بفلسفته وعقيدته المتمثلة في الدين الإسلامي. ولا تستطيع أمريكا إلا أن تقف هذا الموقف في الصف المعادي للإسلام وإلى جانب العالم الغربي والدولة الصهيونية، لأنها إن فعلت عكس ذلك فإنها تتنكر للغتها وفلسفتها وثقافتها ومؤسساتها".

إن روستو يحدد أن هدف الاستعمار في الشرق الأوسط هو تدمير الحضارة الإسلامية، وأن قيام إسرائيل هو جزء من هذا المخطط، وأن ذلك ليس إلا استمرارا للحرب الصليبية. [8]

5 من ربيع الأول عام 1427 من الهجرة ( الموافق في تقويم النصارى 3 من أبريل عام 2006 ) .

[1] راجع في ذلك تفصيلا: أزمة دارفور ... بين حقيقة الأوضاع وآفاق المستقبل، د/ رضا الطيب، مجلة التبيان،عدد: 5، ص: 25-26.

[2] الأمريكان يعترفون: سقطنا في وحل الرافدين، بهاء حبيب، جريدة الأسبوع، العدد 470، 27/3/2006، ص: 12.

[3] مجلة البيان، العدد 188، ربيع الآخر 1424، نقلا عن: السبيل، 29/4/2003.

[4] عن الديمقراطية: تغيير الطلاء ليس حلا، فهمي هويدي، جريدة الأسبوع، العدد (418) ، 28/3/2005.

[5] راجع المقال الذي كتبه Andrew Buncombe، بعنوان: US and UK forces establish"enduring bases"in Iraq، جريدة The Independent، يوم 2/4/2006.

[6] تطور الاستراتيجية الأمريكية في الخليج العربي، د/ فؤاد شهاب.

[7] مستقبل الأزمة العراقية إذا تراجعت أمريكا عن الأحادية، جون هيوز، صحيفة الإتحاد الإماراتية ( بترتيب خاص مع خدمة"كريستيان ساينس مونيتور) ، 26/3/2006."

[8] الإسلام والغرب، عبد الودود شلبي، ص: 55-56.

الأوقاف وأثرها في دعم الأعمال الخيرية في المجتمع

الأستاذ/ عبد الله بن ناصر السدحان

مقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد:

لقد فتح الإسلام منابع عديدة لنفع الآخرين، فمنها ما هو واجب كالزكاة والكفارات والنذور. وهذه لا حديث عنها باعتبارها واجبا لازما على المسلم ومن المنابع ما هو ذو طابع تطوعي بحت مثل الصدقات التطوعية والوقف، فالمسلم حين يتنازل عن حر ماله طواعية فهو يتمثل الرحمة المهداة في الإسلام للبشر أجمع و يتحرر به من ضيق الفردية و الأنانية متجاوزا الأنا إلى الكل شاملًا المجتمع بخيرية الفرد وبانيًا الجسد الواحد بكرم العضو، وهذا التفاعل تحقيقًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا أشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى) (رواه البخاري) .

ويعد الوقف بمفهومه الواسع أصدق تعبيرًا وأوضح صورة للصدقة التطوعية الدائمة، بل له من الخصائص والمواصفات ما يميزه عن غيره، وذلك بعدم محدوديته واتساع آفاق مجالاته، والقدرة على تطوير أساليب التعامل معه، وكل هذا كفل للمجتمع المسلم التراحم والتواد بين أفراده على مر العصور بمختلف مستوياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي مرت بها الأمة الإسلامية خلال الأربعة عشر قرنًا الماضية، فنظام الوقف مصدر مهم لحيوية المجتمع وفاعليته وتجسيد حي لقيم التكافل الاجتماعي التي تنتقل من جيل إلى آخر حاملة مضموناتها العميقة في إطار عملي يجسده وعي الفرد بمسؤولياته الاجتماعية ويزيد إحساسه بقضايا إخوانه المسلمين ويجعله في حركة تفاعلية مستمرة مع همومهم الجزئية والكلية.

وينظر كثير من الباحثين إلى نظام الوقف باعتباره أحد الأسس المهمة للنهضة الإسلامية الشاملة بأبعادها المختلفة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعلمية، لذا فقد اتجهت الأنظار إليه مرة أخرى بعد تغيب دوره العظيم لعقود طويلة باعتباره البذرة الصحيحة لبداية النهضة الشاملة لجميع مجالات الحياة في الأمة المسلمة ولعل من المبشرات في ذلك أن الندوات عن الوقف أخذت تترى على امتداد العالم الإسلامي فما أن تختم ندوة إلا وتبدأ أخرى، ولاشك أن البداية الصحيحة لعودة الوقف إلى مكانه الفاعل في دولاب العجلة التنموية الشاملة هو إثارة الشعور واستنهاض الهمم نحو تجلية حقيقته والدور الذي قام به سابقًا.

وستحاول هذه الورقة الإشارة إلى شئ من ذلك وتوضيح الأثر الاجتماعي للوقوف والدور الذي أداه في حياة المجتمعات الإسلامية على مر العصور السابقة وإبراز سمات التكاتف والتعاضد التي تفرد المجتمع المسلم وتميزه بها عن غيره من المجتمعات، كما تحاول هذه الورقة طرح تصور عملي لكيفية إعادة الأثر الفعال للوقف في التنمية الاجتماعية الشاملة، والله أسأل إعانته وهو المأمول فيها والمسؤول لها هو على كل شئ قدير.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

أولًا: الوقف في الإسلام

يعرف الوقف في اللغة بأنه: الحبس والمنع، ويقال: وقفت الدابة إذا حبستها على مكانها ، وفي تعريف الفقهاء الوقف هو: تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة.

والأصل في مشروعية الوقف في الإسلام السنة والإجماع في الجملة، ولقد اتفق جمهور علماء السلف على جواز الوقف وصحته بناء على أدلة ومنها حث القرآن الكريم في آيات عدة علي فعل الخير والبر والإحسان وهو ما يرمي إليه الوقف ومن ذلك قوله تعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم) (آل عمران آية: 92) وقوله تعالى: (وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون) (البقرة آية: 272) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت