وآتت تلك الجهود ثمارها، ولو بعد فترة طويلة نسبيا، حيث تمكن دعاة الانفصال في الجنوب من إجبار الحكومة السودانية على توقيع اتفاق"ماشاكوس"في نيروبي عاصمة كينيا، يقضي بإعطاء بعض الحقوق لأبناء الجنوب، مثل وجوب تعيين نائب لرئيس السودان منهم، بل والأخطر من ذلك هو النص على عقد استفتاء بين سكان الجنوب وذلك بعد ست سنوات من إبرام هذا الاتفاق، يتم بمقتضاه تقرير مصير الجنوب: إما الانفصال والاستقلال بذاته، وإنشاء دولة مستقلة له تبعا لذلك، وإما بقائه في ظل الاتحاد مع الشمال.
وهذا الأسلوب، وإن نجح في مخططه مع عدم تدخل القوات الصهيونية والصليبية في النزاع مطلقا وعدم تعرضها لأي مخاطر من أي نوع، سواء في الأرواح أو في السلاح، إلا أن مدته الزمنية كانت طويلة للغاية، ولا تتناسب مع السرعة التي يريدون إتمام عملياتهم بها.
حقيقة الإصلاح الذي يريدونه:
واكب تبني التحالف الصهيوني الصليبي للعمل باستراتيجيات التدخل العسكري التي ناقشناها أعلاه، إعداد استراتيجية أخرى لفرض السياسات الإصلاحية على بقية الدول الإسلامية التي تبدو"مسالمة"من وجهة نظر هذا التحالف، ولكن بشرط تطبيق أجندتها بالكامل من جانب تلك الدول. وإذا ما حاولت تلك الدول التملص من أحد بنود هذه الأجندة الإصلاحية، يتم التلويح لها باستخدام أحد الخيارات العسكرية السابقة ضدها. لذا قد يكون من المناسب الحديث الآن عن أجندة الإصلاح التي يحاول هذا التحالف فرضها على بقية دول العالم الإسلامي:
قال نيكولا ساركوزي، وزير الداخلية الفرنسي:"الإسلام الذي تريده فرنسا هو إسلام فرنسي وليس إسلاما في فرنسا". [3] أي أن فرنسا تريد تطويع الإسلام وفقا لما يتناسب مع مجتمعها بحيث يصطبغ بالصبغة الفرنسية ( العلمانية بالطبع ) ، ولا تريد الإسلام الذي يفرض نصوصا يحكم بها المجتمع.
هذا هو الإسلام الذي يريدون تطبيقه في دولهم، ومن ثم فرض أجندته على الدول الإسلامية. وهم يقولون بضرورة تشجيع الديمقراطية في الدول الإسلامية، على خلفية أن الممارسات الاستبدادية هي التي تقف وراء العمليات"الإرهابية"المزعومة! وبالطبع فلا يخلو هذا الطرح من الخطأ. فالعمليات"الإرهابية"المشار إليها تعود في معظمها إلى ضياع حقوق المسلمين واغتصابه بأيدي دول التحالف الصهيوني الصليبي.
فالعمليات الاستشهادية التي يقوم بها الفلسطينيون - على سبيل المثال - تعبر عن حق مشروع لهم تجاه مستعمر احتل الأرض وتملص من أداء الحقوق لأصحابه، ويسانده في غيه وطغيانه كل قوى التحالف الصهيوني الصليبي، مما أدى بأبناء هذا الوطن لليأس من أي طرح باتجاه إنهاء معاناتهم أو حتى تسويتها. والعمليات الشهيرة التي تمت في قلب الولايات المتحدة - إن كانت فعلا على أيدي مسلمين - فهذا يرجع ليأسهم من الانحياز الأمريكي المطلق ضد الثقافة الإسلامية والعمل بكل السبل على إنهائها وإزالتها من الوجود.
وهكذا تدعو أجندات الإصلاح التي يتبناها التحالف الصهيوني الصليبي للعمل بمقتضاها في محيط الدول الإسلامية، تدعو إلى إجراء إصلاح شكلي، فارغ الجوهر أو المضمون. في حين أن الإصلاح الحقيقي الذي يركز على الضرورات، قد يؤدي إلى نتائج تتعارض مع المصالح الأمريكية وقد تهددها، خصوصا في ظل استمرار الشعور المعادي للسياسة الأمريكية في المنطقة، الأمر الذي يوفر جوا مواتيا لانتخاب قوى معبرة عن ذلك الشعور، إذا ما كانت الانتخابات حرة ونزيهة.
وقد نبّه إلى ذلك بعض الكتّاب الأمريكيين، أحدهم توني كارون، أحد كتّاب مجلة تايم، الذي نشرت له صحيفة"ها آرتس"- عدد 18/3/2005 - مقالة حذر فيها من التفاؤل بإمكانية حلول الديمقراطية في العالم العربي، فيما وصفه بالسقوط الثاني لحائط برلين. وذكر أن 53% من مقاعد المجلس الوطني العراقي ذهبت للشيعة الموالين لإيران، الأمر الذي ينبغي ألا يكون مصدر فرح للولايات المتحدة وحلفائها. وخلص إلى أن العالم العربي بغير ديمقراطية حقيقية هو أفضل كثيرا للولايات المتحدة والعالم الغربي بعامة. ألا تشم من الكلام أن الإصلاح السياسي الذي تدعو إليه واشنطن له"سقف"ينبغي عدم تجاوزه، وأن ذلك السقف إلى عمليات التحسين والتجمل أقرب؟! [4]
زد على ذلك ما صرح به الرئيس الأمريكي جورج بوش مؤخرا، في أعقاب نجاح حركة حماس في الانتخابات الفلسطينية وقيامها بتشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة، من عزمه عدم إجراء اتصالات مع تلك الحكومة الجديدة. وأعلن جورج بوش أن واشنطن تدعم الديمقراطية وإجراء الانتخابات، لكن هذا لا يعني أنه يتعين عليها دعم كل الحكومات المنتخبة نتيجة الديمقراطية!!!
طبيعة العداء الأمريكي للعالم الإسلامي:
يعمل التحالف الصهيوني الصليبي بحرية كاملة في دول العالم الإسلامي، وذلك وفق استراتيجيات معدة ومجهزة للتعامل مع كل كبيرة وصغيرة قد تحدث في هذا الشأن. ويقوم هذا التحالف بإنفاق الأموال الطائلة والوقت والجهد في سبيل تحقيق أهدافه. ومن بين دول هذا التحالف، تبرز الولايات المتحدة كقوة عظمى مهيمنة على إدارة هذا الصراع وتوجيهه وفقا لرؤاها الخاصة.
فوفقا لما جاء بصحيفة الإندبندنت [5] ، كشف البنتاجون عن قيام قوات التحالف بإنفاق الملايين من الدولارات لإنشاء ست قواعد"دائمة"على الأقل في العراق، لتزيد بذلك من التوقعات بإمكانية استمرار نشر القوات الأمريكية والبريطانية لقواتها لفترة طويلة الأمد في العراق. ومن المعلوم أن حجم القوات الأمريكية في العراق الآن يصل إلى 130 ألف جندي، وبالنسبة للقوات البريطانية نحو ثمانية آلاف جندي.
ويعتقد بعض المحللين أن الرغبة في إقامة تواجد عسكري أمريكي طويل الأمد في العراق كان دائما أحد الأسباب وراء غزوها للعراق في عام 2003. ويقول أحد مؤرخي القواعد العسكرية الأمريكية، ويدعى جوزيف جيرسون:"إن نية إدارة الرئيس بوش هي إقامة تواجد عسكري بعيد المدى في هذه المنطقة ... ولقد كان استخدام الولايات المتحدة لعدد من الخيارات التي تمكنها من فرض هيمنتها على الشرق الأوسط مثار بحث دؤوب لعدة سنوات مضت ... وقد انتهت إلى اعتبار العراق بمثابة أفضل الأماكن المتاحة لقواتها ولقواعدها خلال السنوات القليلة القادمة".
أما زولتان جروسمان، أحد الباحثين في علم الجغرافيا بجامعة Evergreen State، فقد قال:"بعد كل تدخل عسكري للولايات المتحدة منذ عام 1990، يترك البنتاجون وراءه مجموعات من القواعد في المناطق التي لم يكن له فيها موطأ قدم من قبل فيها. ولذلك فيمتد طابور القواعد الجديدة من كوسوفو ودول البلقان المجاورة، إلى العراق وغيره من دول الخليج العربي، وحتى أفغانستان وغيره من دول وسط آسيا ... والعقبتان الوحيدتان اللتان تقفان في وجه مجال التدخل الأمريكي في هذه المنطقة هما إيران وسوريا".
وهذا يفسر سر العداء الأمريكي حاليا تجاه النظامين السوري والإيراني. كما أن هذه الخلفية تفسر لنا أيضا السر وراء إحالة الملف الإيراني لمجلس الأمن. أما السر في عدم تسارع الخطوات بشأن هذين الملفين، على نحو ما حدث في أفغانستان والعراق، فهو بالطبع ما تكبدته القوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها من خسائر باهظة، دفعت بها إلى التأني وعدم التعجل مرة أخرى. وغالب الظن أن الأمور لو كانت قد استقرت بالعراق، كما تحقق بأفغانستان - حتى وإن كان استقرارا شكليا - لما كانت انتظرت الولايات المتحدة كثيرا للقيام بغزو هاتين الدولتين والانقضاض عليهما.