ثم نأتي إلى الخلاف السادس ، الأخطر والأكثر تأثيرًا في مجرى الحضارة الإسلامية ، على مدى قرون ، وهو تأسيس الدولة الأموية ، وتعويض الأساليب التي ذكرناها ، بأسلوب التوريث ، ورغم ما قيل في التوريث من اعتماد مناهج الساسانيين والبيزنطيين ، فإن له أصولًا في التنظيم الجاهلي العربي لا يمكن نكرانها ، بفضل الارتباط الوثيق بين صلات الدم وصلات القوة لدى القبائل العربية الكبرى ، وهو ما عبر عنه فيما بعد عبد الرحمن بن خلدون ، بالعصبية . ونحن نميل للاعتقاد بأن التوريث ليس هو الخطر الذي هدد الحضارة الإسلامية بل إن الخطر الفادح جاء من أن صاحب الأمر ، أصبح هو صاحب الرأي ، وتمت ازدواجية كاملة بين من بيده السيف ، ومن بيده الفكر.
ثم نخلص للخلاف السابع: انقسام المسلمين الأوائل ، قبيل وأثناء وعلى إثر انتصار معاوية ، إلى ثلاث فرق كبرى ، دون الجماعات الصغرى التي لا تحصى:
(1) فرقة المنتصرين لمعاوية ، والذين بدأوا - فيما ذهبت إليه بعض الروايات - برفع المصاحف على الرماح ، في موقعة صفين ، مطالبين بالتحكيم ، وانتهوا بعد مقتل على رضي الله عنه ، إلى بناة الدولة الإسلامية الجديدة ، فانتقلت الخلافة ، على أيديهم إلى ملك .
(2) فرقة شيعة علي وآل البيت ، التي تأسس معها المذهب الشيعي ، فرافق كل تقلبات التاريخ الإسلامي ومنعرجاته ، وتضاريسه ، من سنة 40 هـ (661م) سنة مقتل علي رضي الله عنه ، بيد عبد الرحمن بن ملجم الخارجي ، إلى يوم الناس هذا ، بدون انقطاع.
(3) فرقة الخوارج ، التي تأسست على رفض التحكيم ، ثم استحلت قتال علي ، لقبوله بالتحكيم .
وهكذا فإن الخلاف السابع ، كان هو الخلاف الأكبر ، ومنه انبثق شيء جديد كان مجهولًا في عهد الرسول الأعظم صلى الله عليه و سلم، وفي عهد خلفائه الراشدين رضي الله عنهم ، وهذا الأمر الجديد هو (السياسة) بالمعنى الذي أقره فلاسفة الإغريق القدامى ، وخصوصًا أفلاطون وأرسطو وسقراط ، وبالمعنى الذي نعرفه اليوم ، أي أن الحضارة الإسلامية دخلت مرحلة بناء مؤسسة الدولة ، بما فيها من خير وشر ، فأما الخير العميم فكان بالطبع سرعة استشراء الإسلام في العالم الذي ما كان لينجز لولا قوة السلطان الرافعة لواء القرآن ، وأما الشر الوخيم فكان الانشطار بين المؤسسة الرسمية ، والصفوة الفكرية ، وما نتج عنه من ضياع الحق بالقمع والتدجين ، وشراء الضمائر ، بالرغم من أن منارات فكرية عديدة سلمت من الغرق ، واستقلت بحريتها ، ونالها الاضطهاد ، فلم يطفيء لها نورًا. (والله متم نوره ولو كره الكافرون ) (الصف:8) .
هل أعدت حضارتنا ما استطاعت من قوة؟
يتسم عصرنا الراهن بأنه عصر تحولات سريعة ومدوخة ومثيرة. اكتسحت الثورة التكنولوجية والاتصالية، كل قطاعات حياتنا.
تغلغل العلم في اتجاهين كبيرين: اتجاه الفضاء الكوني الواسع اللامتناهي، واتجاه جزئيات الخلايا الدقيقة. إنهما مغامرتان نقرأ يوميًا عن مداهما. (كولومبيا) المكوك الفضائي رحل في يوليو 1994م إلى مداره حول الأرض يحمل سبعة باحثين من أمريكا، ومن اليابان، لدراسة الحياة البيولوجية، في حالة انعدام الجاذبية.. وأحدث اكتشاف طبي جاء من ماساشوستس، يتعلق بالتغلب على أسباب العقم، وزيادة نسبة الأمل في الإنجاب. وتتواصل ضمن هاتين المغامرتين كذلك اكتشافات أجرام سماوية جديدة، ورصد التحولات المناخية من علو شاهق، والتعمق في برامج الجينات الوراثية DNA لدى الإنسان. وتوصل العلماء في مغامرة البيولوجيا إلى أن الإنسان يجد نفسه بإزاء عالمين متشابهين منسجمين: عالم الملكوت السماوي الشاسع، وعالم الخلايا الدقيقة غير المنظورة.
في هذا وذاك نظام عجيب، وميزان غريب. في الفضاء تدور الأفلاك وتتوالد، وتنتظم حركتها بمفعول الجاذبية المدهش، وفي جسم الإنسان خلايا ونوى الخلايا، تدور أيضًا كما الأفلاك، وتنتظم حركتها بمفعول عوامل الوراثة والتغذية والبيئة، ونوعية ردود الفعل إزاء الصدمات والتحولات الاجتماعية اليومية.
ولكن الذي وقع خلال هذه العشرية، هو أن العلم المحض وجد نفسه عاجزًا عن فهم لغز الكون والحياة بمفرده ، بل وأكثر من ذلك أحس بخطر انفراد العلم بإدارة الكون، لأن العلم يكتشف ولا يفسر، يحلل ولا يبرّر، فاستنجد العلم بالدين. وكان أحدث مثال على ذلك هو قصور العلم عن الإحاطة بالهندسة الوراثية، والاحتياط لمجابهة هذا العالم الجديد، عالم البرمجة الجينية.
اكتشف العلماء أن حياة كل منا وحتى قبل أن نولد، تشبه (ديسكات) جاهزة في بعض خطوطها، توضع مع ميلادنا في جهاز كمبيوتر - أي الحياة - لتبوح بأسرارها وتسلك طريقها، وتعاني أمراضها وبلواها، وتنال رغباتها، وتحقق أمنياتها. واندهش العلماء لعظمة ما اكتشفوا. أليسوا بذلك يدركون مفهوم القضاء، والقدر، المنصوص عليه في القرآن، ويتجلى معنى خلق الله للنفس البشرية، وإلهامها الخير والشر قبل أن توهب الحياة:
(ونفسٍ وما سوّاها * فألهما فجورها وتقواها * قد أفلح من زكّاها * وقد خاب من دسّاها ) (الشمس:7-10) .
(إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا ) (الطلاق:3) .
(الذي خلق فسوّى * والذي قدّر فهدى ) (الأعلى:2-3) .
(الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) (الرعد:26) .
ثم إن الله تعالى يسبغ الأقدار نفسها على الكواكب، أي ذلك الفضاء الكوني الذي نحن منه ولسنا مركزه: (هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نورًا وقدّره منازل ) (يونس:5) .
إن الذي نراه في اكتشافات المراصد، والمخابر، ونتأمل صورًا له في المجلات العلمية الحديثة، ليعطينا أبعادًا جديدة لقراءة القرآن، ويفتح في وجوهنا بعض مغاليق الكتاب المكنون. وإنك ستحار إذا ما شاهدت إحدى هذه الصور الضوئية، فهل هي الكواكب في الفضاء تسبح، أم هي لخلية واحدة من خلايا الجسم بما لها من قلب وذرات تسبح هي الأخرى ! إنك ستحار بين صورة أضخم ما وصلت إليه مراصد الإنسان، أي الفضاء الرحب اللامتناهي، وبين صورة أصغر مالتقطته عدسة الميكروسكوب ! لقاء غريب مدهش بين الأضخم والأصغر، بين ما لا نستطيع أن نراه بعيوننا لأنه كبير بعيد، وبين ما لا نستطيع أن نراه بعيوننا لأنه صغير دقيق! ألسنا محكومين بأن نتأمل فقط هذا العالم، الذي نعيش فيه! مع أن الله أراد لنا أن نتطلع إلى ما وراء عالم الشهادة: (إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان ٍ) (الرحمن:33) .
وللقارئ أن يسألني: ما الذي أردت إثارته بقولي هذا؟
إن غايتي هي إثارة علمائنا وفقهائنا حتى يتعمقوا في دراسة هذه الاكتشافات الخارقة الكثيرة، ويبحثوا فيها عما يدعم الفكر القرآني، ويرسخ البعد الإسلامي ، ويؤيد الرؤية الإيمانية.. فالقرآن نقرأه اليوم بعيون هذا العصر الذي تكثفت فيه الاكتشافات، بما يطابق القرآن، لا بما يشكك فيه، وكثرت حقائق العلم في الآفاق وفي أنفسنا، مما يجعلنا نفهم أكثر، تلك الإشارات الإلهية التي بثها سبحانه في كتابه الكريم.
إننا في قرننا الخامس عشر من الهجرة، نشهد على انتصار كاسح للإسلام في ساحة لم نكن نتوقعها، وهي ساحة العلم المجرد، فكلما فتح العلم بابًا بفضل اختراع أو اكتشاف، إلا وانبهرنا بالنور الإلهي يغمرنا، ونزداد إيمانًا، ويقوى تمسكنا بالإسلام.