لقد خسر الجاهليون الجدد معركة أخرى حاسمة على ساحة العلم التي اختاروها بأنفسهم، لتكون مقبرة للدين الحنيف، فإذا بهم يحفرون فيها قبور أوهامهم، وضلالاتهم وضياعاتهم. رفعوا شعار العلم واشتقوا منه العلمانية، واتخذوا كلام الله ودعاته هزوًا، حتى خسف الله بدعاويهم الأرض، وجعل سبحانه من كل خلقه آيات جلية مطهرة، تنطق بعظمته وتسبح لذاته العلية وتذكره بالعشي والإبكار.
ومن هذه الملاحظات العامة، نخلص للقول: إن المشروع الحضاري الإسلامي يملك هذا التميز الأساس في صراعه القادم مع الحضارات الأخرى ، ألا وهو خضوع العلم لديه، للدين. فالعلم الإسلامي منذ نشأته كان ملتحمًا بالدين، متفرعًا عنه، ملتصقًا بالوحي، أمرنا الله تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ) (العنكبوت:20) ، (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) (فصلت:53) .
وأطلق الحق سبحانه وتعالى على ظواهر الطبيعة، وبيئة الإنسان، وأجزاء الفضاء الرحب، عبارة: (الآيات) ، التي لا ترجمة لها في أية لغة على الإطلاق، ولا شبيه، فهي كلمة تجمع المحسوس والمجرد في آن واحد، وتوحي بأن مخلوقات الله لا تقتصر على الشكل المادي الملموس والمرئي، بل هي آيات أوجدها الله حتى يتدبرها قوم يعقلون، أي يعملون عقولهم إزاءها. وكان العلم بهذا المعنى في حضارة الإسلام، لا تفسيرًا لظواهر الطبيعة، أو جسم الإنسان فحسب، بل عملية مستمرة، غايتها إدماج الإنسان في الطبيعة، وفي الكون: (إنّ في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماءٍ فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ) (البقرة:146) .
ويمكن أن نؤيد الرأي الكريم السائد، وهو أن الحضارة الإسلامية، هي التي سلمت مشعل العلوم إلى أوروبا، لتقوم هذه بنهضتها العلمية، فما من علم - كالطب والفلك والكيمياء الرياضيات والفيزياء والصيدلة - إلا وترك أبرز المصطلحات الأساسية متداولة بأصلها العربي في أوروبا إلى اليوم، وحتى الصناعات الأوروبية القائمة اليوم، احتفظت بمصطلحاتها عربية، يجهلها علماء أوروبا، وأغلب علماء المسلمين.. من ذلك كلمة ARSENAL أي مصنع بناء السفن، وهي تحريف بسيط لكلمة دار الصناعة، جلبها الصليبيون العائدون من الشام، بعد أن لمسوا مستوى بناء السفن العربية في الموانئ المسلمة. والمصطلحات أكثر من أن تحصى، وهي معروفة، من الصفر، إلى الجبر، إلى الخوارزميات، إلى مواقع المجرات والكواكب، إلى أسماء الأدوية، ومسميات الأمراض… إلخ.
أما السر المكنون في أن أوروبا، رغم أنها أخذت مشعل العلوم عن الإسلام لم توفق إلى اليوم إلى إنجاز مجتمعات آمنة سعيدة، فذلك راجع إلى أن أوروبا ورثت عن المسلمين الوسائل، ولم ترث الغايات. أوروبا أخذت عن المسلمين الجانب المادي من العلوم، ولم تأخذ الجانب الروحي. ونحن حينما نقول اليوم: إن أوروبا - أو الغرب عامة - بلغت درجات عليا من التقدم، فإنما نقصد درجات عليا من التحكم في وسائل الإنتاج، والصناعة، ولا نقصد درجات عليا من الحضارة، فالحضارة هي الإنسان قبل كل شيء، والإنسان في المجتمعات الأوروبية، إنسان شقي، مستعبد.
إن بلوغ أوروبا قدرًا متقدمًا من التكنولوجيا والتصنيع وعلوم الاتصال والإنتاج، وفّر للمجتمع الأوروبي قدرة على الاستهلاك والإنتاج، فتحول الفرد هناك من مواطن حر إلى مجرد أداة إنتاج واستهلاك، أي إلى (برغي) مجهول في ماكينة جبارة، عمياء، صماء، لا ترحم.
وإذا أردت الاقتناع بهذه الحقيقة، فعليك استجلاء الأرقام، لتجد أن السويد، وفرنسا، وألمانيا، تأتي في مقدمة بلدان العالم، من حيث عدد المنتحرين (في فرنسا وحدها إحدى عشر ألف حالة وفاة عقب انتحار عام 1992م، بعدد ضحايا حوادث الطرقات نفسها في هذه البلاد) .
وخذ أرقام تعاطي المخدرات، وأرقام جرائم العنف والاغتصاب، والسفاح، لتكتشف أن هذه المجتمعات رغم امتلاكها للوسائل، فإن الغايات مفقودة، بل لا تجتمع الوسائل بالغايات إلا في الإسلام ، وفي الإسلام وحده.
المواطن الأوروبي تعلق بحاكمية السوق، ففقد كل مقومات الإنسانية فيه، ليخرج من رق الإقطاع أو رق الكنيسة، ويدخل في رق المؤسسة المالية أو المؤسسة السياسية. المطلوب منه هو أن يفكر بحرية بل يفكر كيف يكون منتجًا، وكيف يكون ناخبًا، وكيف يكون مدينًا للبنوك، وكيف يكون مستهلكًا !
خرجت العبودية لديه من الباب لتعود من الشباك.. ثم هل تعلمون أن إحدى معارك المجتمعات الأوروبية اليوم، وأكبرها، هي معركته ضد الربا، الذي حرمه الإسلام؟! صدرت كتب لا تحصى، وخصصت مقالات ودراسات كثيرة في فرنسا وحدها، لتؤكد أن العائلة الفرنسية أصبحت رهينة قروض المصارف، أي ضحية الربا. كل مواطن فرنسي مدين للمصارف بما يجعله يشتغل خمسة أعوام بدون أجر، لتسديد ديونه ذات الفوائد المتصاعدة.
هو الربا، ولكنهم لا يسمونه هكذا، وصفوة المجتمع الفرنسي تقاومه وتطالب بتحريمه قانونًا لا شرعًا، بينما القرآن حسم هذه المظلمة منذ أربعة عشر قرنًا.
فماذا فعل العلم المحض لدرء هذه الأخطار عن المجتمعات الأوروبية؟ نعم العلم وفر السيارة وجهاز"السكانير"، وخلاط المطبخ، والكمبيوتر، لكنه لم يوفر السعادة، لا للفرد الذي استعبد، وصودر رزقه، ولا للأسرة التي تفجرت وانفطرت كالحب والنوى، ولا للمجتمع الذي سار بدون هدى نحو حتفه.
الفرد عبد للمصارف، وللمؤسسة السياسية، والإعلامية، وهو ضحيتها ووقود نارها، ولا يساوي فلسًا. تحدد له المصارف دخله الضئيل لكي يظل حيًا، لا لكي يصبح سعيدًا، بعد أن تقتطع سبعين بالمائة من مرتبه، وترهن بيته وأثاثه، وسيارته، فهو لا يملك شيئًا في الحقيقة، ثم تقتطع الدولة مما بقي من مرتبه نسبة النصف (ضرائب مباشرة، وضرائب غير مباشرة، تتمثل في ألعاب الحظ وغلاء المعيشة…) ثم يفرض عليه الإعلام الإقطاعي بواسطة الإشهار، ما يجب عليه أن يستهلكه ( أي أن يقتنيه بقروض إضافية) ثم توهمه المؤسسة السياسية (أحزاب، نقابات) ، أنه مواطن حر في اختيار من يمثله في المجالس المحلية والتشريعية.
ثم إن هذه التنينات الثلاثة:
-تنين المؤسسة المصرفية،
-تنين المؤسسة السياسية،
-تنين المؤسسة الإعلامية،
اجتمعت في تحالفات عتيدة مريبة (لعل أحسن مثل لها المافيا الإيطالية، التي تجمع رئيس المصرف ورئيس الحكومة ورئيس تحرير الصحيفة) ، تحالفت هذه المؤسسات لتسد طريق النجاة في وجه المواطن الأوروبي، حيث أعلنت أن المجتمع لائكي ولا ديني، فعزلت الكنيسة في دور عبادة، وإقامة طقوس لا تأثير لها في المجتمع، وهذا هو ما يريد الجاهليون المعاصرون في أمتنا المسلمة أن ينفذوه، حتى"نلتحق بركب التقدم الغربي…!"وهم يعلنون حاكمية التنوير أو يزينون لنا"بحبوحة العيش"لدى أهل أوروبا، وهم في الحقيقة يصدون عن سبيل الله، ويقاتلون في سبيل الطاغوت، ويضلون البلاد والعباد، وإنهم إذا ما رفعوا شعار العلمانية - المشتق زورًا وبهتانًا من العلم - إنما هم يخرجون للأمة الإسلامية عجلًا له خوار، مثلما أخرج السامري لبني إسرائيل، لكي يزيغ بهم عن عبادة الله عز وجل، ولعل أبلغ رد على هؤلاء - أصحاب العجل المحدثين - ما جاء في سورة طه: (إنما ألهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كلّ شيء علما ً) (طه:98) .