فهرس الكتاب

الصفحة 1762 من 1942

فالتلازم بين البناء الحضاري ، والسنة النبوية المطهرة ، على جميع المستويات تلازم ابتدائي ، بمعنى أنه لا يمكن الحديث عن البناء الحضاري ، وإحداث تغيير اجتماعي ، في واقع الناس النفسي ، والاجتماعي ، بمعزل عن السنة النبوية المطهرة ، فهي الأساس الذي لا يمكن أن تقوم بدونه عملية تغييرية ، تنتمي إلى الثقافة التوحيدية . كما أن الحديث عن السنة النبوية سيبقى نظريًا ، وجذبيًا فرديًا ما لم يتحول إلى قوة داينامية ، تحرك طاقات المجتمع ، وتوجهها لممارسة عمليات البناء الحضاري ، من أجل تحقيق مقاصد حددها المولى تبارك وتعالى في كتابه العزيز الحكيم ، ووضحتها السنة النبوية المطهرة ، في ثنايا توجيهاتها ، وسننها المضطردة.

من سنن البناء الحضاري

فالاقتضاء الابتدائي في التركيب الإلهي للدعوة العالمية الإسلامية ، وللرسالة النبوية الخاتمة ، استدعى التلازم المطلق ، بين السنة النبوية المطهرة ، والقرآن الكريم، من جهة ، واستوجب التلازم المطلق ، كذلك بين السنة النبوية ، والبناء الحضاري ، الذي غايته القصوى هي تحقيق مقاصد الشارع في الخلق من جهة أخرى ، (الاستخلاف والمحافظة على الكون) . ومن هنا كانت رسالة الرسول صلي الله عليه و سلم (السنة) مؤلفة بين بنائية القرآن الكريم ، وغاية الخلق الكلية (كل البشر) ، على المستوى النظري ، ومُفاعلة بين وظيفة القرآن ورسالته ، وبين البناء الاجتماعي للحياة الإنسانية ، وواقعات الوجود البشري على المستوى العملي .. أعني أن السنة تؤدي دورين:

الأول: على الصعيد المفاهيمي الذي يساهم في توضيح ، وكشف المرجعية الكبرى للناس ، من خلال رؤية الوحي: للكون والحياة والإنسان.

والثاني: عملي توجيهي ، يتمثل في ربط الحياة الإنسانية ، والوقائع البشرية ، بالأصل المرجعي ، الذي هو (النظام التوحيدي) الكامل الشامل ، الذي ختم على يد سيدنا محمد صلي الله عليه و سلم .

فالسنة هي (الموحد) الواقعي بين خطاب الشارع الحكيم ، ومقاصده ، وبين حاجات الخلق ، ورغباتهم في الهدى ، وتحقيق مصالحهم (البناء الحضاري) ، ومظهر هذا التوحيد والمفاعلة بين (الوحي) و (الخلق) في إطار العلاقة الموجودة بينهما (الاستخلاف) هو الحضارة الإسلامية ، التي بناها الرسول صلي الله عليه و سلم ، وواصلتها أمته إلى ما شاء الله من الزمن ، قبل أن تتطلب الظروف حديثًا جديدا عن بناء حضاري جديد . ولهذا فالحديث عن البناء الجديد ، يقتضي بالضرورة المطلقة الحديث عن الموحد الأول ، والمنشيء الأول للتجربة الحضارية الإسلامية ، أعني (السنة النبوية المطهرة) كناظم ، وضابط لحركة البناء الحضاري ، من أجل تحقيق مقاصد الشريعة في الخلق ، وإحداث التوازن الاجتماعي من جديد في الواقع الإنساني المعضل..

المنهج النبوي والعصر العالمي

فإذا كانت هذه هي رسالة السنة النبوية المطهرة ، فكيف تقوم بهذه الوظيفة في ظل العصر العالمي المعيش؟

فعندما نطرح فكرة العصر العالمي ، فإنما نعني بها مجمل التطورات العقلية ، والنمهجية ، والروحية ، والسلوكية ، التي ساهمت في نقل البشر من مرحلة تاريخية حضارية سابقة ، إلى مرحلة حضارية جديدة ، والتي فرضت على البشر الدخول إلى العصر العالمي ، بكل ما فيه من تطور صناعي ، وتكنولوجي ، وثقافي ، وأخلاقي ، ومنهجي ، وبكل ما فيه من مشكلات خطيرة على الصعيد المفاهيمي ، والمناهجي ، والمعرفي ، والتي ستؤثر في صيرورة البشرية فوق الكوكب الأرضي . ولهذا تظهر حتمية ، وإلزامية التفكير في احتمالات الاستحالة على الصعيد الاجتماعي ، والحضاري ، وما سينجم عن ذلك من مواقف إنسانية ، قد تضع البشر جميعًا في لحظة حرجة من تطورهم في (نقطة الاختيار الكلي) الذي لا يحتمل إلا وجهتين: إما سلامة البشرية ، ونموها باتجاه الحق تبارك وتعالى ، أو انهيارها ، وتماديها على طريق الغي ، والظلم ، والصلف الذي سيؤدي إلى انتقام السنن الإلهية حتمًا

خصائص الواقع العالمي الراهن

من اللازم منهجيًا في هذا العمل أن نقوم بمحاولة لتحديد خصائص الواقع العالمي الراهن ، الذي يفترض أن تقوم فيه السنة النبوية بعملية توجيه كبرى ، بهدف تحقيق تغيير حضاري أصيل ، يساهم في إنجاز البناء الحضاري المنشود للبشرية كافة.

فمن الضروري أن نقوم بتحديد خصائص (الواقع العالمي المعاصر) في شقيه الإسلامي ، وغير الإسلامي ، لأن العجز عن القيام بهذا العمل سوف يؤثر في طبيعة الأفكار التي نريد إيصالها من خلال هذا الجهد المتواضع . فالربط المنهجي بين الرؤية التغييرية الإسلامية ، ومنهجيتها في التوجيه ، وبين الوعي على الواقع العالمي الراهن ، أمر أساس وحاسم في نجاح الجهود الراهنة في حقل البناء الحضاري ، بمعنى أنه سوف يكون من العسير علينا فهم (السنة النبوية ، كمركب حضاري) والوصول إلى كشف نظامها الفكري ، والتوجيهي لحركة المجتمع ، دون إدراك موضوعي ، لطبيعة العصر ، وخصائصه . فهذا الوعي على الواقع هو الذي سنؤسس عليه منهجنا الأدائي المتصل بحياة الناس ، التي يراد تنزيل الشرع الإلهي عليها . وأخذها بالخطاب الرباني ، الذي جاء ليحقق مصالح البشر في الدارين.

فوعي الواقع القائم شرط من شروط توجيهه ، والتأثير في حركته ، بما يتوافق وعقيدة المجتمع.

إننا لا نهدف هنا إلى بحث مفهوم الواقع المعاصر من الوجهة اللغوية ، ولا المصطلحية ، التي تشتغل بالمعنى الساكن للمفاهيم ، ولكن سنحاول تحديد مضمون هذا الواقع ، وخصائصه الملازمة له من وجهة نظر من يريد أن ينجز مشروعًا حضاريًا في حقل اجتماعي ، وثقافي مترامي الأطراف ( كالأمة الإسلامية مثلًا) .

ملاحظة عن فهم الواقع:

عندما يعاني الإنسان مأزق تنزيل الأفكار إلى أرض الواقع في ظل وسط بشري معضل ، يحس ساعتها بقيمة وعي الواقع ، كشرط من شروط التنزيل الأساسية . فمراعاة واقع الناس لازمة من لوازم التطبيق الأحسن للشريعة الإسلامية ، وقانون من قوانين البناء الحضاري المستقيم ، وسنة من سنن الله في خلقه ، من أخل بها فقد أخل بمصالح العباد ، التي جاءت الشريعة لتثبتها ، وتوضحها ، وتحافظ عليها ، مع مراعاة ظاهرة تغير الواقع في الزمان والمكان ، وهذا ما يتطلب الوعي المستمرعليه.

ففي دراسة أي واقع ، يجب أن نؤكد على أن هناك أمورًا إيجابية ، يمكن الاستفادة منها في واقعها الأصلي ، ومنها ما هو سلبي ، يجب التخلص منه ، وتغييره بما يتناسب والعيش في ظل النموذج الحياتي الإسلامي. والأمور السلبية والإيجابية، قد تختلط على الناس ، فيصبح الزبد في مقام ما ينفع الناس ، ويتحول في أذهانهم ما ينفعهم إلى زبد ، يجب استئصاله ، وتكثر اضراب هذه المشكلات عندما يصاب المجتمع بفقر الفهم ، والوعي ، والإبداع . وفي هذه المراحل التاريخية ، تختل موازين العمل ، ومقاييس الجهد النافع ، ويصبح التزييف والعبث ، واللهو من التجارات الرابحة في حياة الخلق . فكم من خير عميم توارى تحت نظارة سياسي جاهل ، أو صاحب عمامة متمشيخ ، أو دكتور صنعته الشهادة ، أو داعية مصاب بالشذوذ الفكري ، أو رجل يسعى إلى بناء مجده على حساب المستضعفين في الأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت