فكل إنسان من الناس له نظارة يتصور بها الأشياء ، ويقوم بها الأمور ، فالعلماء والرعاة ، والرعية من أصحاب النظارات ، ولكن النظارات في أوساط العلماء كثيرة ، ومتنوعة .. ونفس الشيء في أوساط الرعاة ، وكذا في أوساط الجماهير . فقد تجد في المستويات الثلاثة من يمتلكون نظارات صافية نقية خالصة لوجه الله ، ومنهم من يمتلك نظارة مزيفة مشوبة مشوشة ، ولأن كل نظارة من هذه النظارات تتصل في تشكيلها ، وبنائها ، ووظيفتها بما يدور في العقول من وعي وفهم ، وقدرة ، وما يعشش في القلوب من إيمان ، وأشواق ، ومبررات ، وما تشع به الجوارح من خير ، وعمل ، وسلوك .. وكذلك لأن الأمر متصل بما تفرزه حركة المجتمع من ثقافة ، وتاريخ ، ومناهج ، فإننا في هذه الحالة مضطرين من الوجهة المنهجهية الصارمة إلى البحث في الأصول التكوينية للأشياء ، والأفكار .. وعليه في فهم الواقع ، من العودة إلى الجذر التكويني للسلوك البشري ، وبالتالي الدخول إلى (مخابر صناعة الحضارة) حيث كهوف المنهج وشعابه المعقدة.
إن دراسة الواقع الإنساني ، لم تصبح بعد علمًا قائمًا بذاته في عالمنا الإسلامي الحديث .. وأعني بدراسة الواقع ، اكتساب رؤية منهجية في دراسة الأحداث والمشكلات ، أي دراسة حركة الخلق ، ووجهتها الحضارية ، ومعرفة مواقفهم من القضايا التي تواجههم ، وإمكاناتهم الفكرية ، والعقلية ، والروحية ، والسلوكية ، والجسدية ، ومعرفة أوضاعهم السياسية ، والاقتصادية ، والاجتماعية ، والتربوية ، والعسكرية . وإدراك كل ما يتعلق بحياتهم الفردية ، والجماعية ، بشروط قيامها وبعوامل انهيارها ، وكذلك ما يتصل بعلاقاتهم مع الخالق سبحانه وتعالى ، ومع بعضهم بعضًا ، ومع الكون المحيط بهم.
ونحن هنا لا تهمنا الكثير من هذه العناصر ، فغرضنا هو تحديد الخصائص الواقعية العامة ، التي تتصف بها حياة أمتنا الإسلامية ، وأمتنا الإنسانية ، وبعبارة أخرى التعرف على طبيعة المرحلة الحضارية التي تجتازها البشرية ، ومدى تأثير هذه الطبيعة في أي حركة تغييرية ، تقوم اليوم في العالم ، ونحن على مشارف القرن الواحد والعشرين.
من خصائص الواقع العالمي القائم:
إن المتأمل المتعمق في واقعنا الإسلامي الراهن ، سوف يلاحظ كل أصناف الفوضى ، والتسيب ، والانهيار . فالتجزئة المشينة للأمة ، والتشتيت المخطط لطاقاتها ، والقهر السياسي ، والفقر ، والحرمان ، والجهل ، والأمية ، والتخلف ، والبطالة ، والتبطل ، والتبعية ، والعلمانية ، والعصبيات القبلية ، والنعرات الثقافية ، وحب الدنيا وكراهية الموت ، والصراعات الداخلية ، والإقليمية ، والصراع الثقافي ، والفكري ، والمديونية ، والهزيمة النفسية ، والضعف الفكري . كل هذه الأمراض التي تطبع حياتنا ، تؤثر بشكل مباشر في أي جهد تغييري ، نريد أن نقوم به لصالح حفظ مصالح العباد ، وحمايتهم من الظلم والخوف ، والاستبداد .
إن ما نصبوا إليه هنا ليس هو تشريح هذه الأمراض ، ودراستها بشكل مخبري علمي ، فهذا مجال آخر ، وإنما نسعى إلى تحديد الخصائص العامة للواقع البشري بمقدار ما يجلي الأفكار التي نعرضها ، ولهذا فسوف نذكر بعض هذه الميزات الأساسية في هذه العناصر:
خاصية العالمية
هذه هي إحدى الخصائص الأساسية والمهمة ، التي تطبع الواقع الإنساني القائم ، ويبدو أن كل تغيير حضاري يتجاوزها سوف يبقى مراوحًا في مكانه مهما بدت لياقته في بعض مراحل السير ، ونحن كأمة بحاجة إلى وعي هذه الفكرة بشكل عميق . لأن أصلها التكويني يمتد إلى طبيعة المذهبية الإسلامية في تشكيلها النهائي ( القرآنية ) . فختم النبوة معناه عالمية الحضارة الإسلامية ، وثقافتها التوحيدية ، ومعناه كذلك ( الظهور الحضاري ) للدين الحق ، ولكن ما يلاحظ اليوم هو أن المسلم غافل عن هذه الحقائق الكونية الكبرى ، وأن غيره من الأمم ، والحضارات تطرح أفكارها في سوق الحضارة ، وتروج لها بشكل فعال جدًا ، حتى أصبح ادعاء ( عالمية الحضارة الغربية ) ، من حقائق التاريخ البشري المعاصر التي يروج لها حتى بعض أبناء الأمة . فالطرح الذي تقدمه الحضارة الغربية لفكرة عالمية الحضارة ، لا يخدم بأي حال من الأحوال فكرة عالمية الحضارة ، كما يريد الإسلام تقديمها للبشرية ، بل تعاديها وتحاربها دون هوادة .
فنحن كأمة ، نؤمن بفكرة العالمية للحضارة ، من منظور الظهور الكلي للدين الحق ، الذي سيحقق مصالح العباد في الدارين ، كما أننا نعلم يقينًا بأن طرح فكرة العالمية - إسلاميًا - هو البديل الحضاري الذي بمقدوره حل الأزمة الإنسانية الراهنة ، على جميع الأصعدة .
لقد رفعت الحضارة الغربية طاقة الإنسان إلى مستوى غير مألوف ، وعندما وصلت هذه الطاقة إلى درجتها تلك ، قلبت كل حقائق التاريخ ، وأدخلت فيه عنصر قوة ، بطابع الشمول ، وبذا وجدت الشعوب جميعًا نفسها وكأنما تقلها سفينة واحدة إلى مصير واحد . فهي شيئًا فشيئًا بفضل التطورات الصناعية الحديثة ، وبخاصة في الميدان الذري ، بات عليها أن تجتاز مجتمعة بعض المراحل الحاسمة وأن تعالج مشتركة بعض المراحل الجوهرية . وهكذا نرى أن تحلل المادة يتفق مع التجمع الإنساني ، إذ لم تعد هناك جزيرة الفردوس التي يمكن للإنسان أن يعيش فيها منعزلًا عن تيارات الأحداث . لقد صنعت الحضارة الغربية عالمًا يترابط فيه الناس ويتعرفون فيه على الخير والشر ، وقد يؤثر عامل القوة في كلا الاتجاهين دون تمييز ، كأنه قوة عمياء لم يتحدد توجيهها ( ... ) وهو بقلبه للأوضاع التي سبق أن خلقها ، لم يكف عن أن ينمي عجينته الهائلة ، حيث أوجد فيه جميع عناصر الأزمة النفسية ، والزمنية الراهنة ، في الوقت الذي يفرض فيه جميع ظروف حلها ( ... ) فالظاهرة هي عالمية الحضارة الغربية ، التي تطرد بدافع من قوتها الخاصة ( ... ) والعالمية في مجراها ليست طرفة تاريخية من مفاجآت التاريخ ، وليست اتجاهًا عقليًا أو سياسيًا ، وإنما هي ظاهرة القرن العشرين ).
لنحاول الرجوع بهذا التحديد إلى أصوله ، إلى ما قبل هذا التاريخ ، رغم أن هذه هي المرحلة التي بدأت تظهر فيها فكرة العالمية ، كطرح مؤسسي اجتماعي ، فالعالمية التي نعنيها هي طور آخر من أطوار الوجود البشري ، فوق الكوكب الأرضي .. والواقع الراهن بظروفه ، سوف يتيح لنا إخراج الفكرة إلى حيز الواقع بعد أن دامت قرونًا متطاولة في حيز القوة ، تنتظر لحظات التاريخ الكبرى كاللحظة التي تعيشها البشرية اليوم مثلًا.
فكرة العالمية وختم النبوة:
في الحيقية وكما ذكرت فيما سبق بأن فكرة عالمية الحضارة متصلة مباشرة بفكرة ( ختم النبوة ) ودلالتها على الصعيد المنهجي ، والفكري ، والعملي ، لفهم المسلم لرسالته بصورة خاصة ، وفهمه لحركة العالم ، ومآليته بشكل عام . فمن الدلالات الأساسية لختم النبوة ما ذكره العلامة إقبال ، رحمه الله: