فهرس الكتاب

الصفحة 1631 من 1942

ولقد كانت نتائج هذه المأساة التاريخية كبيرة في العالم الإسلامي، بحيث أدى إلى محاربة الإسلام في مظاهر الحياة كلها وحصره في أمور عبادية ضيقة وعدم وقوف الأمر عند حدود الحياد بين الكفر والإيمان وهو جوهر"العلمانية"بل تجاوزها إلى"اللادينية"وفرض المضامين المادية وأماط الثقافة الأوروبية الأخرى على المجتمع الإسلام في نواحي الحياة كلها، ومحاصرة كل من ارتفع صوته فردًا أو جماعة بالحفاظ على الذات الإسلامية ومقاومة الإلحاد والإباحية المرتبطة بمراكز القوى الخارجية، لا بل تجاوز الحصار إلى تصفية المفكرين وقادة الحركات الإسلامية واضطهاد وسحق كرامة وحرية الجيل الإسلامي الجديد الرافض للمذهبيات الأجنبية التي ولدت الدمار العقائدي والأخلاقي والحضاري في المجتمعات الإسلامية.

وقد يقول لنا قائل:

ما موقع العروبة في منهج التغيير الإسلامي؟

هذا كلام مجمل نريد بيانه.

فإذا كنتم تريدون العروبة ذات المضامين المادية والعلمانية والعنصرية، فإن الإسلام يرفض هذا رفضًا قاطعًا، لأن تلك المبادئ تتنافى مع الإسلام. وتلك العروبة في الحقيقة ليست عروبة بل هي شعوبية جديدة واضحة تتقدم تحت شعارها لهدم الإسلام وإبعاده عن حياة المسلمين وتمكين المبادئ الجاحدة التي أنتجتها ثقافة الغرب غير العربية وغير الإسلامية.

إن شعوبية"العروبة"ذات المضامين الإلحادية والعلمانية ظهرت عندما نهشت في جسم الأمة العربية الواحدة فمزقتها، وضربت أبناءها بعضهم ببعض، وسلمت بلادها رخيصة إلى اليهودية العالمية دون تخطيط ودون إرادة قتال، بل بسبق إصرار في الخيانة والاستجابة إلى الأوامر التي صدرت إلى قادتها والداعين إليها من مراكز القوى السرية والعلنية في العالم.

لقد ذلت العرب أعظم ذلة في التاريخ في ظل هذه الشعوبية الجديدة في عقيدتها وأرضها وذات نفسها.

فكيف يمكن بعد ذلك لدعاة الإسلام أن يقبلوا بعروبة، مضمونها كفر بالله والرسول العربي، وواقعها سلسلة من الخيانات والهزائم المتلاحقة عبر نصف قرن كامل من أخصب زمان الأمة.

أما إذا أردتم، عروبة القرآن، عروبة الإسلام ، عروبة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، فهذه هي العروبة الحبيبة التي وصلت إلى أبعد نقطة في بلاد الإسلام من خلال دينها وثقافتها وعلومها التي كانت تقرأ وتكتب وتدرس بلغتها العبقرية الشاعرة، لغة القرآن الكريم.

هذه العروبة النظيفة هي التي حمل لواء الدفاع عنها وعن وجودها غير العرب من علماء الأمة الإسلامية وعباقرتها.

هذه العروبية التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

"ليست العربية من أحدكم بأب أو أم وإنما العربية اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي" (33) هي التي نقلت بلادًا بكاملها إلى حظيرة العربية من حيث هي دين وثقافة ولغة ومن حيث هي أمة كريمة اختارها الله تعالى لحمل رسالة الإسلام ، وجعل منها أئمتها الهداة الذين نشروا لواء الإسلام في كل صقع ورووا بدمائهم أرض الإسلام كلها شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، وكانوا أرحم الفاتحين بالأمم والشعوب.

وكذلك إذا أردتم أن تتوحد العرب في أمة واحدة ذات شخصية مستقلة معيد النظر في حياتها فتنقلها من الفرقة إلى الوحدة ومن التأخر إلى التقدم ومن الاستبداد إلى الشورى ومن الظلم إلى العدل ومن جور المبادئ الغربية الجاحدة إلى نور الإسلام. فهذا أمل كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر حقًا، يدعو إليها ويعمل لها، ويكافح من أجل تحقيقها.

فقوة الأمة العربية اليوم ووحدتها إذا تمت - وهي لن تتم إلا بقيادة المذهبية الإسلامية لها - فمتكون درعًا عظيمًا للإسلام وإحياءً لحضارته وقيادة لشعوبه نحو بناء حضارة إسلامية إنسانية شاملة.

إن من أعظم أسباب ذل المسلمين اليوم وتأخرهم وجهلهم بحقائق الإسلام أن العرب منذ قرن من الزمان، في ضوء مخططات العدو، يساقون إلى طريق غير طريق الإسلام ، لأن الأعداء علموا جيدًا أن الرائد إذا ضيِّع الطريق، ضاع الجميع معه.

فالشعوب الإسلامية تنتظر اليوم من العرب أن تقودها إلى بناء حياتها وشخصيتها الحضارية المستقلة، في جامعة إسلامية تتعاون شعوبها ودولها على البر والتقوى وترد الإثم والعدوان، وتري الأعداء العزة والقوة والتمكين.

والعرب لن يستطيعوا أن يقوموا بدورهم في إنقاذ أنفسهم وقيادة غيرهم وهداية شعوب العالم وإنقاذ حضارته من الانهيار القيمي والسلوكي، إلا إذا أدركوا مهمتهم وتمسكوا بعقيدتهم وحافظوا على ذاتهم.

هذا قدر العرب في هذا العصر، وكل الدلائل النظرية والواقعية تشير إلى أن العرب بعد أن مرّوا بتجارب مريرة وقاسية، سيتوجهون نحو هذا القدر الإسلامي العظيم، لأنهم مسؤولون أمام الله تعالى عن ذلك:

قال تعالى:

(( وإنّهُ لذِكْرً لك ولِقوْمِك وسوف تُسْألُون َ ) ) (الزخرف: 44) .

وبعكسه ستتسلم الراية أمة إسلامية أخرى، حسب الوعد الإلهي:

(( … وإن تتولِّوا يسْتبْدِلْ قوْمًا غيْركُمْ ثُمَّ لا يكُونُوا أمثالكُمْ ) ) (محمد: 38) .

المذهبية الإسلامية وأزمة المثقفين

إن قصور المناهج التعليمية القديمة في العالم الإسلامي عن تقديم المذهبية الإسلامية الشاملة المتكاملة المترابطة إلى الأجيال الجديدة في القرون الأخيرة، ضيِّع عليها فرصة تاريخية كبيرة، عندما واجه المناهج التغييرية التي وجهتها المذاهب المادية في الثقافات الغربية، بحيث لم تستطع تلك الأجيال أن تدرس وتمحص تلك المناهج المذاهب في ظل رؤية سليمة للمذهبية الإسلامية، فوقعت في عبودية مشينة لها، وألغت عقولها تجاهها، وظنت أنها هي الحقيقة الكبرى التي انتهت إليها الثقافات المتطورة، وفيها الحل الأوحد لأزمة الإنسان المسلم وإخراجه من الأزمان القديمة الراكدة إلى الزمن الجديد الذي يصوغ حياته صياغة جديدة، وينقذها من سلبيات القرون الأخيرة، ومآسيها التي حطمت طاقات الأمة وأوقفت مسيرتها التنموية.

إن الفراغ الفكري الذي حدث نتيجة لغياب المذهبية الإسلامية الواضحة وسيطرة فكر الجمود التواكل والخرافة على الأمة، وتوجيه الثقافة المعاصرة من قبل المؤسسات التنصيرية والاستشراقية الاستعمارية كان مأساة تاريخية كبرى في العالم الإسلامي، انتهت إلى عزل أجيالنا المثقفة عن الثقافة عن الثقافة الإسلامية الأصلية عزلًا، كاد أن يكون كاملًا، في حين سيطرت الثقافات المادية والعلمانية مسطرة تامة على مؤسساتنا الجامعية والتعليمية ودوائرنا الثقافية والإعلامية التي غدت تفكر وتخطط لتغيير الحياة في العالم الإسلامي بمعزل عن الإسلام عقيدة وشريعة وسلوكًا، لا بل عدّت تلك الدوائر الإسلام بكل أنظمته وشموله فكرًا لاهوتيًا رجعيًا وطبقت عليه المعايير المادية الأوروبية الحديثة ومواقفها تجاه الكنيسة وفكرها من خلال فهم تاريخ الإسلام في ضوء التاريخ الأوروبي الحديث.

إن هذه المأساة التاريخية حدثت في ظل جهل مركب بالإسلام دينًا وحضارة وتاريخًا، ثم عدم الاستعداد لتصحيح الخطأ الكبير والانحراف المشين والجهل الفاضح.

إن كل المعنيين بتاريخ الإسلام في العصر الحديث، لا حظوا ثمار تلك المأساة من خلال الاحتكاك الواقعي ومن خلال دراستهم لأنماط الكتابات التي تتحدث عن مختلف نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية والفلسفية.

إن مئات الدراسات الجامعية وغير الجامعية وعشرات المجلات الفكرية والدوريات العامة كانت تمشي في خطين متوازيين:

أولهما:

تجاهل الإسلام تجاهلًا كاملًا.

ثانيهما:

الجهل المركب به وبحضارته وقضاياه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت