فهرس الكتاب

الصفحة 1632 من 1942

كان الناس يقرأون على سبيل المثال، في كتب الاقتصاد، في الجامعات وغيرها، كل شيء حول الاقتصاد ومذاهبه وتاريخه، دون ذكر أي شيء عن الاقتصاد الإسلامي، علمًا ومذهبًا وتاريخًا، وإن ذكر فيذكر خلال جهل مركب وسخرية واستهزاء.

لقد سئل أحد أكابر الاقتصاديين العرب الماركسيين في قاعة إحدى الجامعات العربية، عما يعرفه حول الاقتصاد الإسلامي، فأجاب:

لم أقرأ حول هذا الموضوع أيّ شيء.

وسئل آخر، فأجاب مستهزئًا:

"أستطيع أن أقول إن الاقتصاد الإسلامي اقتصاد وأسمالي بدائي".

وعندما سأله الطلبة أن يعطيهم بعض المصادر حول الاقتصاد الإسلامي قال:

تستطيعون مراجعة كتاب الخراج الأبي يوسف، وعندما راجعني بعض هؤلاء الطلبة، فأعطيته قائمة بأسماء الكتب الاقتصادية الإسلامية الحديثة ومن بينها عدة رسائل جامعية فواجه بها الأستاذ في قاعة الدرس، أخفى الأستاذ موقفه الجاهل المخجل بقوله:

"أنا أدرِّس الاقتصاد وليس الدين"!!..

وإذا التفتّ إلى كثير من علماء القانون والاجتماع والفلسفة وعمل النفس وغير ذلك من مظاهر الثقافة في المجتمع الإنساني تجد هذا الجهل واضحًا وضوحًا كاملًا.

وقد يقول قائل: إنكم تظلمون المثقفين المعاصرين، فكيف يجوز أن يجهل كبار مثقفينا الإسلام ؟

نقول… استمع إلى واحد من أكابر أساتذة الفلسفة المعاصرين يعترف بهذه الحقيقة، وهو الدكتور زكي نجيب محمود الذي يسمونه بفيلسوف الوضعية المنطقية في العالم العربي:

لم تكن قد أتيحت لكاتب هذه الصفحات في معظم أعوامه الماضية فرصة طويلة الأمد، تمكنه من مطالعة صحائف تراثنا العربي على مهل، فهو واحد من ألوف المثقفين العرب الذين فتحت عيونهم على فكر أوروبي - قديم أو جديد - حتى سبقت إلى خواطرهم ظنون بأن ذلك هو الفكر الإنساني الذي لا فكر سواه، لأن عيونهم لم تفتح على غيره لتراه، ولبثت هذه الحال مع كاتب هذه الصفحات أعوامًا بعد أعوام: الفكر الأوروبي دراسته وهو طالب، الأوروبي مسلاته كلما أراد التسلية في أوقات الفراغ…

استيقظ صاحبنا - كاتب هذه الصفحات - بعد أن فات أوانه أو أوشك، فإذا هو يحس الحيرة تؤرقه فطفق في بضعة الأعوام الأخيرة التي قد لا تزيد على السبعة أو الثمانية، يزدرد تراث آبائه ازدراد العجلان كأنه سائح مرّ بمدينة باريس، وليس بين يديه إلا يومان، ولا بد له خلالهما أن يريح ضميره بزيارة اللوفر، فراح يعدو من غرفة إلى غرفة، يلقي بالنظرات العجلى هنا وهناك، ليكتمل له شيء من الزاد قبل الرحيل… (34) .

نعم لقد بدأت الصورة تتغير ببطء خلال العقود الأخيرة، بعد أن تحررت الدراسات الإسلامية الحديثة من كتب المتأخرين المغلقة ومن أساليب التعليم العقيمة ومظاهر مصر التأخر، وقدمت في جميع فروع الفكر الإنساني أنظمة الإسلام التفصيلية في دراسات جامعية، تعتمد البحث والاستنتاج والمقارنة في ضوء أصول الإسلام ومتغيرات الحياة الجديدة، بحيث اقتحمت تلك الدراسات العميقة الناضجة مجالات الثقافة الواسعة على الرغم من العوائق الكبيرة التي توضع أمامها من حيث المنع أو الإعلام أو النشر أو النقد، فبدأ كثير من الباحثين والعلماء في مختلف نواحي العلوم الإنسانية يعيدون النظر في مواقفهم ويخرجون من قوقعة ثقافاتهم الأوروبية، ليدرسوا عقيدتهم وشريعتهم وما قدمه مفكروهم عبر التاريخ من دراسات ونظريات.

ونستطيع أن أولئك المثقفين إلى صنفين:

صنف كانت دراساته للإسلام ومنهجه وحضارته عميقة شاملة، انطلق فيها من خلال حب الوصول إلى الحقيقة فوصل إلى نتائج باهرة، وأعلن في كتبه ومحاضراته التزامه بالإسلام ومبادثه العامة الملزمة للمسلمين في كل عصر (35) .

وصنف آخر لا يزال يصارع ثقافاته الماضية التي شكلت بقوة خلفيته الثقافية واقتناعاته الإنسانية. وهذا الصنف يدرك من الإسلام بقدر ما يبذل من جهد وصدق نية، وبقدر ما يحمل نفسه على التخلص من التعصب والرواسب والهوى.

والحق أن هناك أسبابًا كثيرة تحول بين الصنف الأخير وبين عودته إلى رحاب الإسلام نستطيع أن نعرضها على الوجه الآتي:

-الأول:

إن الإنسان الذي تربى على مصطلحات وأفكار الثقافات الأجنبية وشاب عليها من الصعوبة البالغة أن يتحرر منها، لأنه تعوّد أن ينطلق منها ويفكر خلالها، فهو إن لم يقرأ الإسلام وحضارته قراءة عميقة من داخله وفي إطار مصطلحاته ووحدته، لا يمكن أن تحدث في كيانه هزة عميقة، تحوله إلى خط الإسلام الواضح.أما الاكتفاء بمراجعة بعض جوانب الفكر الإسلامي أو قراءة جانب من جوانب ما يسمى بـ"التراث"فهو قد يصحح بعض المفاهيم والأخطاء ولكنه لا يكفي لنقل صاحبه إلى الخط الإسلامي الصحيح لا سيما إذا كانت قراءته سطحية سريعة اقتصرت على بعض مظاهر التطور في الفكر الإسلامي الذي لا يخلو من سلبيات قد يحسبها على الإسلام نفسه (36) .

-الثاني:

قد ينطلق الباحث من ثقافته الغربية ويحاول أن يسقطها على الإسلام وحضارته ودراسة مفكريه، أي إنه يحكم من خلال ضوابط وخصوصية نمط حضاري على نمط آخر يختلف عنه اختلافًا جذريًا، وهذا على القطع يقود إلى الخطأ في النتائج، فبعض الباحثين على سبيل المثال يدرسون من خلال فكرهم العلماني الغربي سواء أكان ماركسيا أم ليبراليًا"ابن رشد"فيجدون أنه يدعو إلى أن يمشي البرهان الفلسفي في طريقه والدين في طريقه، فيظنون أن ابن رشد يدعو على فصل طريق العقل عن الدين، فيسقطون على مقولة ابن رشد علمانيتهم فيقولون: إن العمانية ليست جديدة وإنما هي من صلب أفكار مفكرينا القدماء، لا يسما من أصاب المذاهب العقلية الفلسفية، ويوهمون الجيل الجديد أن العقلانية الحديثة أو العلمانية الحديثة لا تشكل خطرًا على الإسلام ولا تصطدم معه.

بينما هم ينسون أن ابن رشد كان يفكر في إطار الحضارة الإسلامية، وقوله طريق العقل وطريق الدين لكل بناؤه الداخلي، يعني من وجهة نظره، أن للعقل أساليبه الخاصة في التفكير وللدين طريقه في الوصول إلى الحقيقة، إلا أنهما يلتقيان في الحقيقة عينها، أي إن ابن رشد يقول لنا:

إننا إذا اقتصرنا على البرهان العقلي فلا محالة أن نصل إلى ما قرره الإسلام في أصوله من حقائق عليا.

وهذا واضح جدًا في كتابه"فصل المقال"و"مناهج الأدلة"وكتبه الفلسفية الأخرى.

-الثالث:

وهنالك باحثون آخرون (37) ينطلقون في فهم الإسلام من خلال واقعه التاريخي الفكري في مجالات العلوم الإنسانية كلها. وهذا الواقع يحمل خصائص الفكر الذاتي وأخطاء وقصور العقل البشري، كما يحمل سلبيات وانحرافات المراحل المتتابعة التي نتجت من الاحتكاك المباشر بين الحضارة الإسلامية والحضارات الأخرى، وكذلك المخططات الثقافية التي نسج خيوطها الأعداء في أوكار التآمر على الإسلام وأمته خلال تاريخه الطويل.

إنهم لا يدركون أن الإسلام من حيث هو وحي إلهي مستقل عن الزمان والمكان وأن الثقافات المتنوعة التي نسجت حوله، تمثل أشخاصًا وعصورًا، ومن هنا فلا بد من الفصل الكامل عند الحكم بين الوحي والفكر أو الوحي والتراث حتى تكون المراجعة واضحة ومفيدة.

هل يكون تقبل ابن سينا لأفكار أرسطو وغنوصية الشرق ممثلًا للإسلام نفسه؟ وهل كل ما يقوله المعتزلة والأشاعرة والمتصوفة، يمكن أن يكون هو الإسلام نفسه؟ أم هو الفكر المتأثر بالحضارات الدخيلة وطبيعة الصراعات المرحلية، وهل كل ما يقوله الفقهاء يجب أن يحسب بالتالي على الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت