فهرس الكتاب

الصفحة 1346 من 1942

وقد يقف مندهشا أيضا أمام العديد من الدعوات الأخرى التي شاعت في تراث فكر الأزمة مثل الدعوة إلى إحلال العامية محل الفصحى، ومثل الدعوة إلى كتابة اللغة العربية بالحرف اللاتيني ومثل الدعوة إلى فصل الإسلام عن المجتمع الإسلامي .. الخ. ثم تمخض هذا التراث عن تيارات فكرية وأدبية عاملة في الحياة الفكرية العربية المعاصرة تبلورت في ثلاثة اتجاهات هي تيار العلمانية الليبرالية، وتيار العلمانية الاشتراكية، والتيار الوجودي اللامنتمي. وهذه التيارات الفكرية الثلاثة تمثل تراث فكر الأزمة الذي نتج عنه حالة الهزيمة السياسية والنفسية أمام الغزو الأوروبي الحديث للمجتمعات العربية وما أورثه ذلك فيها من مركب نقص وسوء ظن بالنفس وبكل ما يشكل خصوصية حضارية عربية إسلامية.

ولكن هناك نماذج عديدة استطاعت أن تتغلب على عناد النفس وهواجس الحال فانطلقت تنفض عن كواهلها أثقال فكر الأزمة وإفرازاته المرضية، وتحاول جهدها أن تعيد تأسيس البناء مثلما رأينا ذلك مع محمود شاكر ومحمد محمد حسين وعائشة عبد الرحمن ثم أنور الجندي ومنير شفيق وطارق البشري وغيرهم.

الحرب بالوكالة ومشاريع ملء الفراغ في العالم العربي

الخميس 23 رجب 1427 هـ - 17 أغسطس 2006 م

عامر حسين

مفكرة الإسلام: الحرب التي وضعت أوزارها بين الكيان الصهيوني والدولة اللبنانية لم تخضها أطرافها بشكل أصيل تعبيرًا عن أنفسهم، وإنما خاضتها أطرافها بالوكالة عن أطراف أخرى خارجية. فالكيان الصهيوني خاض هذه الحرب بالوكالة عن الولايات المتحدة وبأهداف أمريكية وأسلحة أمريكية وغطاء سياسي أمريكي.

وحزب الله خاض هذه الحرب بأجندة إيرانية ووفق أهداف إيران ومصلحتها الإستراتيجية، وبأسلحة إيرانية، وبغطاء سياسي إيراني.

وهذه الحرب بالوكالة هي امتهان كامل للعالم العربي، وإعلان بأن العرب أصبحوا غير قادرين عن خوض حروبهم بأنفسهم، وأصبحوا غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم، مما جعل الأمر يتطلب استدعاء أطراف أخرى لتقوم بذات الدور الذي فشل العرب فرادى ومجتمعين في القيام به.

حالة الضعف هذه التي يعيشها العالم العربي لا تخفى على أحد، وكانت أبرز تجلياتها في الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق وإسقاط بغداد عاصمة الخلافة العباسية وحاضرة الحضارة الإسلامية، وهي ليست وليدة اللحظة الراهنة ولا هي من تجليات حرب الخليج الثانية وحصار العراق وكذلك حصار ليبيا والسودان وسوريا، إنما هذه الحالة موجودة منذ انهيار الخلافة العثمانية التي ظلت تملأ هذا الفراغ وتدافع عن العالم العربي والإسلامي لفترة زادت عن الخمسة قرون ضد الاستعمار الأوروبي، في بداية مرحلة الضعف هذه ومع الحرب العالمية الأولى ظهر وعد بلفور والنوايا الصهيونية الخبيثة في فلسطين ثم جاء عصر الانتداب وكان معه وقبله الاحتلال البريطاني الفرنسي للدول العربية.

وهكذا انكشف الوطن العربي استراتيجيًا أمام القوى الدولية ذات النفوذ بدءً من العهد الاستعماري وحتى الآن.

وحتى بعد أن حصلت الدول العربية على استقلالها فقد ظل هذا الفراغ موجودًا، وتمثل في الاستقطاب الأمريكي لبعض الدول العربية والاستقطاب السوفيتي لبعضها الآخر حتى جاءت قارعة أحد 11 سبتمبر 2001 لتتحول أمريكا من التدخل غير المباشر في المنطقة إلى التدخل المباشر والكامل وممارستها العدوان العسكري وإزالة نظام سياسي عربي مستقر.

إن عددًا من المحللين العرب يرجع هذه الحالة إلى الكساح الاقتصادي والسياسي والأمني الذي يعيشه العرب والذي جعلهم مطمعًا لقوى النفوذ الدولي.

فحالة التخلف السياسي العربي وعدم وجود نظام ديمقراطي أدى إلى تكوين حالة خاصة من الاغتراب السياسي نتيجة للتسلط والدكتاتورية التي مارستها الدولة في عالمنا العربي لعقود طويلة.

حلف بغداد وبواكير الأطماع الأمريكية

وقد حاولت الولايات المتحدة الأمريكية التدخل في المنطقة في خمسينات القرن الماضي بعد حرب السويس بإطلاق الرئيس الأمريكي أيزنهاور إستراتيجية 'ملء الفراغ' مرة تحت عنوان 'حلف الدفاع عن الشرق الأوسط' ومرة أخرى تحت عنوان 'حلف بغداد'، ولكن هذه المحاولات فشلت في ظل وجود الاتحاد السوفيتي وفي ظل الممانعات العربية القوية التي كانت موجودة في هذه الفترة.

ففي عام 1955 تم تأسيس حلف بغداد على يد بريطانيا، وضم إلى جانب بريطانيا [الدولة المستعمرة للعراق] العراق وتركيا وباكستان، ويهدف هذا الحلف الذي لعب الأمريكيون دورًا كبيرًا في تأسيسه في الكواليس إلى تقوية الدفاع الإقليمي والحيلولة دون تغلغل الاتحاد السوفيتي إلى منطقة الشرق الأوسط. وقد رفضت كل من سوريا ولبنان والأردن ومصر الانضمام إلى هذا الحلف الذي اصطدم بمعارضة شعبية عربية قوية، وقد مثل هذا الرفض العربي فشلًا ذريعًا للولايات المتحدة الأمريكية حيث أعطى قوة أكبر للحركة القومية العربية لمجابهة القوى الاستعمارية ومخططاتها في المنطقة، وقد غادر هذا الحلف بغداد بعد أن تولى عبد الكريم قاسم مقاليد الحكم في العراق عام 1959 م الذي قرر الانضمام إلى صف سوريا ومصر ولبنان فيما يتعلق بموقفهم من الصراع مع الكيان الصهيوني. وهكذا مات هذا الحلف المشبوه وفشل في تحقيق أهدافه، وفشلت السياسة الأمريكية في أولى خطواتها للسيطرة على العالم العربي.

أمريكا ومحاولة تعميم النموذج التركي

وعلى الصعيد الإقليمي نشطت تركيا وطرحت مشروعاتها ذات الطابع الاقتصادي وتحالفت استراتيجيًا مع إسرائيل.

واللافت هنا أن الولايات المتحدة حينما أطلقت 'مبادرة الشرق الأوسط الكبير' اعتبرت تركيا إحدى الدول القائدة في المنطقة، واعتبرت أن نظامها الإسلامي الحاكم الآن عبر حزب العدالة والتنمية هو نموذج مثالي يجب أن يسود العالم العربي والإسلامي. وخططت واشنطن لكي يخرج من تركيا عشرات ومئات الدعاة والوعاظ ليدعوا إلى النموذج الإسلامي التركي ومزاياه، وأن يساهموا في محو الأفكار المتطرفة السائدة في الذهنية العربية والإسلامية، ويستبدلوها بأفكار تركيةٍ متصالحةٍ مع العلمانية.

وغير خاف أن واشنطن كانت دائما داعمة ومؤيدة لوجود تركيا في حلف شمال الأطلنطي؛ كي تعمل كعازلٍ بين الاتحاد السوفييتي [سابقًا] وبين أوروبا والخليج العربي في عهد الحرب الباردة.

ونظرت واشنطن بعد ذلك لأنقرة على أنها يمكن أن تلعب دور الموصل داخل الاتحاد الأوروبي للمصالح الأمريكية. والولايات المتحدة تعلن في كثيرٍ من المناسبات أنها تؤيد انضمام تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي؛ لأنها تعتبر النموذج الإسلامي في تركيا الأفضل والأمثل في العالم الإسلامي، وترغب في تقوية ودفع هذا النموذج العلماني لكي يهيمن على المنطقة والعالم العربي والعالم الإسلامي.

الولايات المتحدة تريد أن يمارس المسلمون دينهم، وأن يذهبوا إلى مساجدهم ويعبدوا الله بشرطٍ واحدٍ: هو الفصل بين الدين والدولة، وهو النمط القائم في الولايات المتحدة نفسها، ولكنه غير قائم في العالم الإسلامي سوى في تركيا، وواشنطن ترى أنه لو نجحت التجربة الإسلامية التركية، وانتشرت في العالم الإسلامي؛ فإن مستقبل الأحزاب الإسلامية سوف يصبح كمستقبل الأحزاب المسيحية في ألمانيا ودول أوربية أخرى؛ فهذه الأحزاب بدأت كأحزابٍ دينيةٍ، وانتهى بها الأمر إلى أن أصبحت أحزابًا معتدلةً لا يكاد الدين يصيغ توجهاتِها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت