فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 1942

وقال عليه السلام: (من أُعطي ثلاثًا لم يمنع ثلاثًا؛ من أعطي الدعاء أعطي الإجابة، ومن أعطي الشكر أعطي الزيادة، ومن أعطي التوكل أعطي الكفاية) (16) .

وروي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قرأ في بعض الكتب أن اللَّه تبارك وتعالى يقول: (وعزتي وجلالي ومجدي وارتفاعي على عرشي لأقطعن أمل كل مؤمل من الناس أمّل غيري باليأس، ولأكسونّه ثوب المذلةعند الناس، ولأنحيّنه من قربي، ولأُبعدنه من وصلي. أيؤمّل غيري في الشدائد والشدائد بيدي، ويرجوغيري، ويقرع بالفكر باب غيري، وبيدي مفاتيح الأبواب وهي مغلقة، وبابي مفتوح لمن دعاني؟ فمن ذاالذي أمّلني بنوائبه فقطعته دونها، ومن ذا الذي رجاني لعظمة فقطعت رجاءه مني؟ جعلت آمال عبادي عندي محفوظة فلم يرضوا بحفظي، وملأت سماواتي ممّن لا يمّل من تسبيحي وأمرتهم أن لا يغلقواالأبواب بيني وبين عبادي فلم يثقوا بقولي، ألم يعلم من طرقته نائبة من نوائبي أنه لا يملك كشفها أحدغيري إلاّ من بعد أذني، فمالي أراه لاهيًا عني؟ أعطيته بجودي ما لم يسألني، ثم انتزعته عنه فلم يسألني ردّه، وسأل غيري. أفيراني أبدأ بالعطايا قبل المسألة، ثم أُسأل فلا أجيب سائلي؟ أبخيل أنا فيبخلني عبدي، أو ليس الجود والكرم لي، أوليس العفو والرحمة بيدي، أولست محل الآمال فمن يقطعها دوني، أفلايخشى المؤملون أن يؤملوا غيري؟؟ فلو أن أهل سماواتي ، وأهل أرضي أملوا جميعًا ثم أعطيت كل واحدمنهم مثل ما أمل الجميع، ما نقص من ملكي مثل عضو ذرّة ، وكيف ينتقص ملك أنا قيّمه؟! فيا بؤسًاللقانطين من رحمتي، ويا بؤسًا لمن عصاني ولم يراقبني ) (17) .

التحدي مصنع الحضارة

ربما يسأل سائل: لماذا أُوتينا السمع والبصر وسائر الحواس؟ وهنا يأتي الجواب مباشرة: لكي نكيّف حياتنا مع الطبيعةالمحيطة بنا؛ فلولا البصر لتعثّر الإنسان في كل يوم ألف عثرة وعثرة، ولسقط في كل حفرة، وارتطم بكل جدار، ولولاالسمع لما استطاع الإنسان أن يفهم ما يريده الآخرون منه، وأما حاسة الذوق فمن خلالها نتذوق الأشياء، ونميز بين ماهو لذيذ وغيره، وبين الضار والنافع. وكذلك الحال بالنسبة إلى الخلايا الحسيّة في الجلد؛ فهي التي تشعرنا بالبرد والحر،ولولاها لمات الإنسان لأنه في هذه الحالة سوف لا يشعر بهما، وبالتالي فإنه سوف لا يبادر إلى التوقّي منهما.

عدم التكيف يعني الانقراض

إن هذه الحواس التي منحها اللَّه تعالى إيّانا إنما هي من أجل أقلمة وتكييف أنفسنا مع الطبيعة من حولنا، وفي حالة عدم استخدام الإنسان وتجاهله لهذه الحواس فإن حاله سيكون سواء مع الجماد. فالإنسان الذي يمتلك عينين بصيرتين ثم يمشي ولا ينظر إلى سبيله، فعند سقوطه في حفرة فإنه سيكون أشدّ عمىً من أي أعمى، وكذلك الذي أوتي السمع ثم يتجاهل الخطر الآتي بالصوت والسماع فإنه أكثر صممًا من الأصم. وهكذا الحال عندما يسمع ما فيه خير وهدىً له ثم يسدّ أذنيه فإن حاله سيكون كحال أي جماد أو نبات، بل هو أكثر ضلالًا وبعدًا عن الهدى من الأصمّ. فكلّما كانت قابليةالتكيف، والقدرة على التأقلم لدى الإنسان مع الطبيعة والحياة أكثر، كلّما استطاع هذا الإنسان أن يحفظ نفسه، ويقيهاالأخطار، ويدفع عنها المشاكل والصعاب.

ومن هذه الحقيقة الموضوعية تنبثق الحضارات، وتنطلق في مسيرها نحو التقدم لدى جماعة من الناس، بينما ينهارآخرون ويضمحلّون أمام الأخطار، وبكلمة بسيطة فإن حضارة الإنسان إنما هي وليدة قابليته وقدرته على التكيف مع الظروف المحيطة به.

مثال من التاريخ

ولنضرب مثلًا على ذلك من واقع التاريخ؛ ففي الهلال الخصيب (بلاد الرافدين والشام ) كان الإنسان يعتمدفي زراعته على الديم؛ أي الأمطار. فالأرض خصبة، ومياه الأمطار متوفّرة، ولكن وبمرور الزمن حدثت تغيرات جوية سببت موسمية الأمطار، وانحسار كمياتها، فلم يكن أمام المزارع في هذه الأرض سوى طريقين، عليه أن يختارأحدهما؛ إما أن يجلس في بيته ويستسلم لخطر الجفاف الذي يهدد حياته، وإما أن يستمرّ في ممارسة الزراعة، ويتحدى بذلك الأخطار الطبيعية. ولكن ابن هذه الأرض اختار السبيل الثاني، فراح يعتمد طريقة الإرواء، وتنظيم قنوات المياه، ولعلّ الحضارة الأولى التي أقيمت في الكرة الأرضية كانت في هذه المنطقة كما يستشف من المعلومات والآثاروالاكتشافات التاريخية، فإنسان بلاد الرافدين استطاع بهذا الأسلوب أن يتحدى أخطار الطبيعة، ويبني الحضارةوالوجود الإنساني.

مثال من الحاضر

واليوم تواجه بعض بلدان أفريقيا مشكلة تهدد الوجود الإنساني فيها، ألا وهي مشكلة الجفاف أو ما يسمى ب (التصحّر) ؛ فقد غدت هذه الظاهرة شبحًا لا يقّل خطرًا عن الآفات الزراعية التي تقضي على المحاصيل والنباتات، فقد راح هذا الأخطبوط يزحف نحو الأراضي والمقاطعات الزراعية، حيث تشير الإحصائيات إلى أن عشرات الكيلو مترات المربّعة من الأراضي الخصبة تتعرّض للجفاف سنويًا.

ترى كيف تُعالج هذه المشكلة؟

إن بعضًا من بلدان أفريقيا تحدّى هذا الخطر بأن قام بإنشاء غابات اصطناعية يمكنها أن تتصدّى لظاهرة التصحّروزحف الكثبان الرملية المتحركة نحو المناطق المستغلّة زراعيًا، وقد نجحت في ذلك بالفعل. وفي المقابل نرى أن البعض من هذه البلدان - وربما بسبب أنظمتها التي لا تهتم بشعوبها، وتعمل على إبقائها استهلاكية غير إنتاجية - يستسلم لمخاطر الجفاف والتصحّر، الأمر الذي يؤدّي إلى حدوث المجاعات وسوء التغذية.

والمستفاد من هذه الحقائق المعاشية أن اللَّه سبحانه وتعالى منح الإنسان عقلًا، وزوّده بالحواس، ويبقى عليه - أي على الإنسان- أن يعرف كيف يستغلّ هذه النعمة في مواجهة وتحدي الأخطار المحدقة به.

وفي هذا المجال يحدثنا التاريخ بأن كائنات تتمتع بالوعي والإحساس كانت تعيش على هذه الأرض قبل هبوطالإنسان عليها، وقد كانت هذه المخلوقات تشبه البشر، وتتمتع بالحواس كما هو الحال لدى الإنسان، ولكن كانت لهم ملامح خاصة به، وكان عيبهم أنهم لم يكونوا قادرين على مقاومة الأخطار ولذلك تعرضوا للانقراض .

والتاريخ العلمي يضرب لنا مثلًا على هذه المخلوقات فيقول: إنهم لم يكونوا يفكرون ببناء بيت، أو يتوجّهوا نحو الكهوف عند نزول المطر، بل كانوا يحفرون حفرًا في الأرض، ويدخلونها، وبسبب برودة الجو فيها، وانعدام وسائل التدفئة فإنهم كانوا يموتون فيها، وبذلك انقرض هذا النوع من الكائنات، ولعل السبب في انقراض هذه الأحياء وغيرها من الحيوانات كالديناصورات يعود إلى ضعف التحدي لديهم. من هذا المجال يقول تاريخ الأحياء: إن الدايناصورات والأنواع المنقرضة الأخرى كانت قوة إبداء ردود الفعل لديها ضعيفة.

لا خير فيمن لا يتحدى

وهنا نعود لنتحدث عن الإنسان الذي يقول عنه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: (إن اللَّه حرم الجنة على كل فاحش بذي،قليل الحياء، لا يبالي ما قال ولا ما قيل له، فإنك إن فتشته لم تجده إلا لغية أو شرك شيطان ) (18) ، فمثل هذاالإنسان لا قيمة له، لأنه لا يفكر، ولا يظهر رد فعل إزاء ما يقال فيه، فلابد لابن آدم من غيرة وهمّة، وإلا فما هي ميزته عن الحيوان؟

وفي الحقيقة فإن هذا النموذج من البشر متواجد في كل المجتمعات، فعندما تُشْتَم مقدساته ويُساء إليها تراه ضعيف الإرادة خائر العزيمة، لا أباليًا، سرعان ما يتراجع ويستسلم ويدخل في نفق التبريرات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت