فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 1942

وللأسف؛ فإن أكثر الناس يعيشون اليوم حالة أصحاب البقرة، فبمجرد أن يطلب منهم القائد أن يفعلوا شيئًا فإنهم يبدؤون بطرح الأسئلة والاستفسارات عليه حول فلسفة هذا الشي ء، والحكمة من ورائها ، وما إلى ذلك، فتراهم يفتقرون إلى (الفيتامين ) الذي سبقت الإشارة إليه.

مصدر فيتامين التقدّم

وهنا يتبادر إلى الأذهان السؤال المهم التالي: ما هو مصدر هذا الفيتامين، وأين نجده؟ ولماذا نجد أنّ أمة من الأمم تحتوي على كميّة هائلة منه وتبدأ على ضوء ذلك انطلاقتها الحضارية في حين نجد أن أمة أخرى تفتقر إليه فتبقى متخلفة؟

لا يغيب عنا أن الحضارة هي - أساسًا- فطرة الإنسان؛ أي أن فطرة الإنسان الأولية تدعوه إلى التحرك، والنهضة،والانبعاث، والتكامل؛ في حين أن الأغلال الاجتماعية، والأصر الثقافية، والمثبطات والمعوّقات هي التي تجعل الإنسان يخلد إلى الأرض، وإلا فإن الإنسان هو في الأصل كائن متحضّر. وهنا قد ينبري إلى الأذهان السؤال التالي: أين الإسلام من هذا (الفيتامين ) ، ولماذا يوجد في أمة من الأمم لفترة من الفترات ثم ينعدم في فترة أخرى؟؟

ومن أجل أن نجيب إجابة مفصلة عن هذه التساؤلات، فإننا نذكر النقاط التالية:

1/ إن الفكرة الحضارية المتمثلة في شعار (دعنا نبدأ) إنما تنبعث من ضمير الإنسان بسبب الثقافة الدينية.

2/ إن هذه الفكرة قد تنبعث في ضمير شعب عبر انتقال الثقافة الدينية إليه؛ أي قد يوجد شعب يتحضّر بالثقافة الدينية،كالمسلمين الذين نقلوا هذه الفكرة إلى الأوروبيين بواسطة الأندلس، فأخذ الأوربيون هذه الفكرة، وبدؤوا حضارتهم بها.

3/ قد تواجه أمة من الأمم التحديات، ولكي تعرف كيف تتعامل مع هذه التحديات فإنها تتوصل بالثقافات الحضارية الأصيلة، وتتمسك بها وتبدأ حضارتها على هذا الأساس، وأنا - هنا - أوافق (آرنولد تويمبى ) في بعض أبعاد نظريته ليس كلّها.

4/ والأهم من كل ما سبق أن الإنسان عندما يحمل قضية، وهدفًا، ورسالة، فإن فكره وثقافته سيفرزان بشكل طبيعي فكرة (دعنا نبدأ) . فالإنسان إنما يبقى ويحيى وينمو بقضيته، أما الذي لا قضية له فإنه يعيش في الفراغ بدون أي أساس يستند إليه، ولذلك نجد أن أصحاب المبادئ والثوريين هم أكثر نشاطًا من غيرهم، لأنهم أكثر تمسّكًا بفكرة (دعنا نبدأ العمل ) .

5/ فكرة التوكّل على اللَّه جل وعلا، فالتطلّع والهمة والطموح، هذه الشعلة الأبدية المتوقدة في ضمير الإنسان، والتي تدعوه أبدًا إلى التسامي والتكامل والعروج هي غريزة فطرية موجودة في داخل كل إنسان.

وفي المقابل؛ فإن هناك فيروسًا مضادًا للتطلع والأمل والطموح ألا وهو اليأس. فهناك من الناس من يمتلكون التطلع ولكنّ حاجز اليأس بحجبهم في نفس الوقت، علمًا أن اليأس هو من الأسلحة الفاعلة الفتاكة التي يستخدمها الشيطان في قتل روح الحياة والنشاط في الإنسان.

التوكّل سبيل مقاومة اليأس

وبناءً على ذلك؛ فإن حاجز اليأس هو الذي يحول دون أن نحقق تطلّعاتنا، فكيف نستطيع أن نقاوم حاجز اليأس هذا؟

الجواب: إن السلاح الفاعل الذي نستطيع بواسطته القضاء على اليأس هو التوكّل على اللَّه تبارك وتعالى، ولذلك؛ فإن التوكل يتمثل أعظم فضيلة من الممكن أن يمتلكها الإنسان.

وإليك نموذجًا بارزًا في باب التوكل على اللَّه عز وجل، ذكره اللَّه تعالى لنا في سورة الأنفال، إذ قال: (يَسْاَلُونَكَ عَنِ الاَنْفَالِ قُلِ الاَنْفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ * إِنَّمَاالْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) (الأنفال/2-1) .

فالقرآن الكريم يصرّح في الآيات السابقة بأن من صفات المؤمنين المتوكلين أنهم إذا تليت عليهم آيات اللَّه زادتهم خشوعًا ، ثم يذكر بعد ذلك قصة تاريخية هي خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة لقتال المشركين، ولكن عناصر من المسلمين عارضت هذا الخروج واعتقدوا أنه سيؤدي إلى حدوث مذبحة، أوحرب إبادة، فما كان من النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن استشارأصحابه، فأشار عليه بعضهم بعدم الخروج لعدم امتلاكهم للإمكانيات اللازمة للقتال، ولكن الأمر الإلهي نزل صريحًابضرورة الخروج لمحاربة الكفار والمشركين، فما كان من النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن خرج متوكلًا على اللَّه جل وعلا، وبالفعل فقدحقق الانتصار في معركة بدر.

والقرآن الكريم لا يكتفي بنقل هذا المقطع؛ بل يبين لنا جانبًا آخر من التوكل. فعندما خرج المسلمون قبل معركة بدر،فإنهم كانوا يستهدفون السيطرة على قافلة تجارية، وكانوا يمنون أنفسهم بالحصول على الغنائم. ولكن اللَّه سبحانه ابتلاهم وجعلهم يواجهون جيشًا قوامه ألف مسلح جاؤوا للدفاع عن القافلة التجارية وعن مصالح قريش، وهذا مايشير إليه قوله عز من قائل: (وإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّآئِفَتَيْنِ اَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ اَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ) (الأنفال/7) .

فقد أنبأهم اللَّه تعالى بأنهم سيحصلون على شي ءٍ، في حين أنهم فكروا بأنهم سيحصلون على الغنائم، وقد كانوا مؤمنين بأن اللَّه قد صدقهم وعده، ولكنهم كانوا يرغبون في الحصول على غنائم سائغة يحصلون عليهم من القافلة التجارية، ولوكانوا حصلوا بالفعل على القافلة التجارية لما استطاعوا أن يحققوا نصرًا خدم الرسالة الإسلامية كل الخدمة وأعظمها،ولكن اللَّه تعالى ساقهم في اتجاه استطاعوا فيه أن يكسروا شوكة الجاهلية ، فانتصر الإسلام في بدر، وانتهت المعركة في يوم بدر لمصلحة المسلمين إلى الأبد. وبعبارة أخرى؛ فإن الخالق تعالى أراد لهم أن يحققوا انتصارًا حضاريًا، في حين أنهم كانوا يريدون أن يحصلوا على الغنائم، والمتع الزائلة.

ترى لماذا ابتلى اللَّه تقدست أسماؤه المسلمين الأوائل بهذا البلاء؟

الجواب نجده في الآيات السابقة نفسها حيث يقول عز شأنه: (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الُْمجْرِمُونَ ) (الأنفال/8) ، فإذا ما حصل الإنسان على مغنم بسهولة فإن إيمانه وتوكله لا يمكن أن يزداد، ولكن اللَّه جل وعلا كان يريد لهم أن يواجهوا قوة عسكرية هائلة لينتصروا عليها فيتضاعف توكلهم على الخالق، وترتفع ثقتهم به. وبالفعل فإن المسلمين حصلوا على معنويات عالية في بدر أكثر مما حصلوا على مغانم.

التوكل في الأحاديث

وعلى هذا الأساس؛ فإننا بحاجة إلى روح التوكل، لأنها أعظم من المكاسب المادية ومن الأمور التافهة الأخرى،والإسلام يؤكد كثيرًا على موضوع التوكل، والأحاديث في هذا المجال غزيرة، نذكر منها على سبيل المثال ما روي عن الإمام موسى الكاظم عليه السلام إذ قال: (إن الغنى والعزّ يجولان، فإذا ظفرا بمواضع التوكل أوطنا) (14) .

وقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: (أيما عبد أقبل قِبَلَ ما يحبُّ اللَّه عز وجل أقبل اللَّه قِبَل ما يحبُّ، ومن اعتصم باللَّه عصمه اللَّه، ومن أقْبَل اللَّه قبله وعصمه لم يبال لو سقطت السماء على الأرض، أو كانت نازلةنزلت على أهل الأرض فشملتهم بليّة كان في حزب اللَّه بالتقوى من كل بليّة، أليس اللَّه عز وجل يقول:(إن المتقين في مقام أمين ) ) (15) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت