1-ليست الدورات التاريخية التي نشاهدها في التاريخ البشري قضية مطلقة، بل للجانب الإنساني المتمثل في الإرادة المتميزة، دور فعّال فيها .
2-وتتلخص دور المراحل الحضارية فيما يلي:
ألف: المرحلة البدائية .
ب: المرحلة الرسالية .
ج: مرحلة الإصطدام .
د: مرحلة المراجعة والتنظيم .
هـ: مرحلة التحجّر .
و:مرحلة التغني بالأمجاد .
3-في حال هبوط الروح الحضارية، فإن بإمكان الفكر والثقافة والإرادة والقيم أن تلعب دورًا هامًا في ايجاد تحوّل جذري وبهمة عالية من بعض أبنائها .
4-إن إثارة الإهتمام في المجتمعات البشرية بعامل الإرادة، ودوره الأساسي في الحفاظ على المسيرة الحضارية، يعطيها القدرة على الإستفادة من هذا العامل العظيم الذي يعتبر المنطلق الرئيسي لحركات التغيير والإصلاح الجذريين في كل منعطفات التاريخ .
-عز وجل - تعيش المجتمعات الحرة فترة أطول لأن الحرية تساعد على امتصاص النقمة، وتصحيح المسير، وتصفية الرواسب .
-عز وجل - العلم حياة القلوب، وهو يؤدي إلى تجديد دم المجتمع، وتصفية رواسب الجهل والغفلة عنه .
المجتمع الإسلامي مجتمع يطهّر بعضه بعضا كماء النهر، فهو مجتمع شاهد على نفسه وشاهد على غيره، والأنظمة الإسلامية التي تجعل هذا المجتمع يطهر نفسه بنفسه كثيرة، سنشير إليها في السطور القادمة، ولكن علينا -قبل ذلك- أن نشير إلى أن عوامل الزمن والغفلة وتراكمات الجهل، وحالات الإرهاق والتعب وما أشبه قد تعترض مسيرة المجتمع فتبعده عن قيمه وعن الإستعداد لمواجهة التحديات.
لذلك نرى أن الكثير من المجتمعات في التأريخ لا تعيش إلا مدة قصيرة قد لا تتجاوز نصف قرن من الزمان، وبعد ذلك تبدأ رحلة الإنهيار.
وإنما تموت هذه المجتمعات لأنها تفقد عامل الديمومة الأساسي، وهو وجود نظام لتصفية الرواسب السلبية التي تخلفها المشاكل التي تعتريها، كالمريض الذي يشكو من تعطل كليته عن العمل، فلا يمر دمه بعملية تصفية تبعد عنه السموم، لذلك لا يستطيع هذا الإنسان أن يعيش طويلا، لأن الدم سيسمم كل الجسم، وهكذا المجتمع، فهو يتعرض بسبب الصراعات والتناقضات وظروف الجهل والغفلة إلى تراكم السموم في عروقه، وهذه السموم يجب أن تخرج عبر قنوات معينة بعيدا عن جسم المجتمع، حتى لا تتسبب في موته.
فالمجتمعات الديكتاتورية - مثلًا - تنفجر مرة واحدة، والسبب هو أن رواسبها تبقى في عروقها، إذ لا يوجد فيها جهاز تصفية لنقل هذه الرواسب بعيدا عن المجتمع، فتتجمع هذه الرواسب في المجتمع وتقضي عليه مرة واحدة، تمامًا كالجلطة الدموية التي تفاجئ الفرد فتقتله.
أما المجتمعات التي تملك نوعا من الحرية، فهي تعيش فترة أطول، لأن وجود الحرية يساعد على إمتصاص النقمة وتصحيح المسيرة وتصفية الرواسب السامة وتنقية حياة المجتمع.
أنظمة التصفية
والإسلام يؤكد على مجموعة أنظمة تساعد على تجدد دم المجتمع وتعيد إليه حيويته ونقاءه، ومن هذه الأنظمة:
أولا: نظام تعليم الجاهل، وتحمل العلماء مسؤوليتهم.
يؤكد الإسلام على العلماء أن يتحملوا مسؤولية دورهم الارشادي والتوعوي، وأن يبينوا للناس علمهم بكل الأساليب الممكنة، ذلك لأن العلم حياة القلوب وهو الذي يجدد دم المجتمع، ويسبب تصفية رواسب الجهل والغفلة عنه. يقول الحديث المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وآله:
(أيما رجل آتاه الله علما فكتمه وهو يعلمه لقي الله عزوجل يوم القيامة ملجما بلجام من نار) .
فإذا كنت تعلم حقيقة واحدة فكتمتها ولم تنشرها بين الناس، فإنك سوف تقف بين يدي الله ملجمًا بلجام من نار.
وفي حديث آخر يقول رسول الله صلى الله عليه وآله:
(تناصحوا في العلم، فإن خيانة أحدكم في علمه أشد من خيانته في ماله، وإن الله مسائلكم يوم القيامة) .
فحينما يكون لأحد من الناس عليك مال، ثم لا ترده إليه فإن تلك خيانة عظيمة، أما إذا كنتَ عالمًا، وكان الناس بحاجة إلى علمك، وامتنعتَ عن بذله لهم، فإن هذه خيانة أعظم لأن ضررها على المجتمع أكبر.
فالعلم ليس حكرا على أحد، وإنما هو للناس جميعا، والعلم أمانة عند صاحبه يجب أن يؤديها إلى أهلها، ولا يحتفظ به لنفسه وإلا أعتبر خائنا، ومرتكبا للظلم بحق جميع أفراد المجتمع.
ومع إن الإسلام يؤمن بتنظيم نشر العلم عبر طرق ووسائل مثل الجامعات، والمدارس، والمساجد، والمجالس العلمية، والحلقات الدراسية، إلا أنه يؤمن أيضا بأسلوب آخر لنشر العلم، وهو أسلوب النشر الذاتي، أي أن يكون العالِم كالمصباح ينشر نوره في كل مكان بشكل ذاتي، ودون حاجة إلى دافع خارجي لنشره. وإذا إلتزم المجتمع بمنهج قيام كل شخص عالِم بنشر علمه في كل مكان وبكل وسيلة ممكنة، فلا يبقى في المجتمع الإسلامي جاهل واحد، لأن العلم يتدفق إليه من جميع جوانبه، وبهذا الأسلوب يحافظ الإسلام على نقاء المجتمع من شوائب الجهل.
ثانيا: نظام التذكير
إن تقادم الزمن على الإنسان ينسيه معلوماته، فيخفت نور معرفته، ويكون بحاجة ماسة إلى التذكير لتنشيط معارفه وإحيائها من جديد، وقد كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يستخدم أسلوب الوعظ حتى مع كبار أصحابه، كعلي ابن أبي طالب عليه السلام وأبي ذر وابن مسعود وغيرهم، وكان صلى الله عليه وآله يحدِّث الواحد منهم - بين الحين والآخر - ويوصيه بأمور كان قد عرفها سابقًا، ويطرح عليه قضايا كان قد أحاط بها علمًا وفقهًا من ذي قبل، وقد جاء في القرآن الحكيم أمر صريح له بذلك:
?فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ? الغَاشِيَة،21-22
ثالثا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
فللإنسان شعور فطري بضرورة التوافق مع الناس المحيطين به. فهو يلبس ما يلبسه الآخرون، ويتحدث باللغة التي يتحدثون بها، ويقوم بالأعمال التي يراها الناس صحيحة. والإسلام يثير هذا الحس، ويوجهه باتجاه تطبيق القيم السماوية.
إنك إذا عملت عملا سيئا، ثم خرجت إلى الشارع فرأيت الناس ينظرون إليك شزرا، وكل من رآك يؤنبك، ثم عدت إلى البيت لتسمع نفس الكلمات من زوجتك ومن والديك وإخوانك، فمن المستحيل أن تكرر نفس العمل، وهذا هو تأثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد استخدم الرسول صلى الله عليه وآله هذا الحس، كعقاب رادع لبعض المتخلفين عن الجهاد.
حدث أن ثلاثة من الصحابة وهم كعب بن مالك الشاعر، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أميّة الرافقي تخلَّفوا عن الجهاد مع رسول الله في غزوة تبوك، يقول كعب: فلما وافى الرسول - أي عاد إلى المدينة - إستقبلناه نهنيّه بالسلامة، فسلّمنا عليه فلم يرد علينا السلام وأعرض عنا، وسلّمنا على إخواننا فلم يردّوا علينا، فبلغ ذلك أهلونا فقطعوا كلامنا، وكنا نحضر المسجد فلم يسلِّم علينا أحد ولا يكلّمنا، فجئن نساؤنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقلن: قد بلغنا سخطك على أزواجنا، أفنعتزلهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تعتزلنّهم، ولكن لا يقربونكن..
وهكذا قاطعهم الجميع إنطلاقًا من واجب النهي عن المنكر حتى شعر المتخلّفون بالضيق الشديد، يقول القرآن الحكيم في وصفهم:
?وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الاَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لامَلْجَاَ مِنَ اللّهِ إِلآَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ? التوبة،118