حقوق الإنسان محور مقاصد الشريعة
الأستاذ الدكتور أحمد الريسوني
الأستاذ الدكتور محمد الزحيلي
الأستاذ الدكتور محمد عثمان شبير
تقديم بقلم:
عمر عبيد حسنه
الحمد لله الذي جعل حرية التدين، التي تعتبر من أرقى الحقوق الإنسانية، وتأصيل كرامة الإنسان، خيارًا لا إكراه فيه، فقال تعالى: (( لا إِكْرَاهَ فِى الدّينِ.. ) ) (البقرة:256) ، وقال مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم وكل من يسير على سبيله، مقررًا لحقيقة يعتبر التزامها من الدين والطاعة والعبودية، كما يعتبر الخروج عليها من المنكر والفسوق والعصيان، بقوله: (( لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ ) ) (الغاشية:22) ، وقوله على سبيل الاستفهام الإنكاري: (( أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ) ) (يونس:99) ، وقوله محددًا مهمة النبوة: (( فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ) ) (آل عمران:20) ، (( وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ) ) (النور:54) .
ذلك أن الإنسان مخلوق مكرم بتكريم الله له، قال تعالى: (( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ.. ) ) (الإسراء:70) ، يمتلك العقل الذي يجعله أهلًا للاختيار، فهو مختار كذلك، أراد الله الخالق له أن يريد ويختار، والاختيار من أعلى درجات التكريم، وبذلك فهو المخلوق المكلف المسؤول، ولا مسؤولية بدون حرية، فإذا سقطت الأهلية (العقل) رفعت المسؤولية، وإذا أخذ ما وهب سقط ما وجب.
ولعلنا نقول في تعريف الإنسان وتمييزه عن سائر المخلوقات: بأنه المخلوق المكلف، أي المسؤول، وأن أي انتهاك لحرية الاختيار اعتداء على إنسانية الإنسان وإهدار لآدميته.
والصلاة والسلام على من كانت الغاية من بعثته إلحاق الرحمة بالعالمين، واسترداد إنسانية الإنسان، وكانت غاية مهمته إبلاغ الناس بما أُرسل به، قال تعالى: (( وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ) ) (النور:54) ، وقال تعالى: (( فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ) ) (آل عمران:20) ، وكانت وسيلته الدعوةُ بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، والحوار بالدليل والبرهان، قال تعالى: (( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة ) )ِ (النحل:125) ، وقال: (( وَلاَ تُجَادِلُواْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ) ) (العنكبوت:46) .. ومن دعائم عقيدة الإسلام، أن الحجة والبينة والبرهان سبيل الإيمان والتحقق باليقين.. وبعد:
فهذا كتاب الأمة السابع والثمانون: «حقوق الإنسان.. محور مقاصد الشريعة» ، لمجموعة من الباحثين المتخصصين، استمرارًا للمضي في طرح مشروعات فكرية جماعية للقضايا المعاصرة، ومعاودة فتح ملفها واستدعائها، لتصبح همًا ثقافيًا، ومحركًا اجتماعيًا، وفرضًا كفائيًا، ومحرضًا حضاريًا، وشاحذًا للعقول، وسبيلًا للحوار الداخلي.
ولعل من الأولويات اليوم تتمثل في إعادة تشكيل النخبة، عقل الأمة، أو الطائفة القائمة على الحق، تمثلًا وبلاغًا، وتأسيس مرجعيتها في ضوء معرفة الوحي وتجربة النبوة الخاتمة وتطبيقات الخلافة الراشدة ومسيرة خيرة القرون، بحيث تمتلك من الرؤية الشرعية ما يمكنها من فقه الواقع بإشكالياته المتعددة، والقدرة على تحديد الاستطاعة، مناط التكليف في كل مرحلة، ومن ثم تنزيل الأحكام الشرعية بعد التحقق من توفر شروط محالها، اهتداءً بالسيرة النبوية، واعتبارًا بالتاريخ الخاص بمسيرة الأمة المسلمة، والعام بتاريخ الأمم، الذي يمكِّن من اكتشاف السنن الفاعلة في الحياة، أو قوانين الحركة الاجتماعية، حتى تتمكن من تسخيرها، ومدافعة قدر بقدر، بعيدًا عن المجازفات وإهدار الطاقات، والمجاهدة تحت رايات عمِّيَّة، وترك ما تستطيع إلى ما لا تستطيع، والاندفاع للإقدام على الفعل من خلال حالة الإحباط، والإعجاب بالموقف دون القدرة على النظر في تداعياته، وتحويل الأمة المسلمة إلى رصيد تضحيات جاهز للاستخدام والاستغلال من قبل (الآخر) ، وتصفية الحسابات الدولية والإقليمية بدماء المسلمين، تحت شعارات ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبله العذاب.
إن حالة التخلف والإحباط التي نعاني منها، تؤدي إلى خلل في التوازن وضبط النسب، وتغيّب التطلع إلى التحلي والتأهل بصفات البطولة في المجالات المتعددة، والتحول إلى انتظار البطل المنقذ، والقفز من فوق السنن، الأمر الذي لم تدّعيه النبوة، ولم تمارسه.
وقد تكون الإشكالية التي نعاني منها ليست في عدم وجود قيم ضابطة لمسيرة الحياة ومعايير لتقويمها وتحديد مواطن الخلل التي تعتريها، ولا في عدم وجود تجربة تاريخية وتنزيل لهذه القيم على واقع الناس، ولا في شمولية هذه القيم وتغطيتها لجميع مناحي الحياة البشرية، من القوة والضعف، والسقوط والنهوض، والنصر والهزيمة، والدعوة والدولة، وحقوق المسلم والمعاهد والمحارب.... إلخ، وإنما تتحدد الإشكالية -فيما نرى- بسوء التعامل مع القيم، الذي يؤدي إلى العبث بهذه الأحكام، والقراءة المغلوطة لمحالها، ومن ثم سوء تنزيلها على واقع الناس، ذلك أنه من المعروف شرعًا وعقلًا أن لكل حكم شرعي مواصفات وشروط لابد من توفرها في محل تنزيل الحكم، بعد النظر في توفر الاستطاعة، التي هي مناط التكليف.
إن العبث في التعامل مع الأحكام الشرعية، ومحاولة الاستشهاد بها والارتكاز إليها في تسويغ مشروعية الفعل البشري، دون الإدراك لوجود الاستطاعة، وتوفر شروط المحل، يوقع بإشكالات كبيرة جدًا، تكرس التخلف والتراجع، وقد تُحدث أزمة ثقة بالقيم والنصوص نفسها، واتهامها بالعجز عن تقديم الحلول المطلوبة، وانتشال الأمة من معاناتها.
ولا شك أن هناك أحكامًا شرعية منوط إنفاذها بالسلطة المسلمة، كالعقوبات، والفصل في الخصومات، وإبرام المعاهدات، والقضاء بين الناس...إلخ، ونصيب الفرد من التكليف بها لا يخرج عن السعي والعمل لإيجاد السلطة المسلمة التي تضطلع بإنفاذها، أما التطاول لتنفيذها من قبل الأفراد بحجة غياب السلطة المسلمة من خلال فقه بئيس فتخلق من المشكلات والفوضى ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.
إن عدم الإدراك الكامل لمواصفات الخطاب، في الكتاب والسنة، وحدود التكليف، وحدود الاستطاعة، وتوفر المحل، سوف يؤدي إلى العبث بالأحكام -كما أسلفنا- وتنزيل خطاب المعركة على محل الدعوة، وخطاب الدعوة على ساحة المعركة، أو خطاب المعركة على ساحة المعاهدة، ذلك أنه من المعلوم أن هناك أحكامًا شرعية تمثل خطابًا للمعركة والتعبئة النفسية والتحريض على القتال والغلظة في المواجهة، وأخرى تمثل خطابًا للدعوة والحوار والمجادلة باللين والحكمة وعدم الغلظة والفظاظة، وثالثة لبناء العلاقات الاجتماعية والوفاء بالمعاهدات وعقود الذمة، الأمر الذي إذا لم يدرك بفقهٍ سليم فسوف يؤدي إلى لون من التدين المغشوش والضلال للسعي، ونحن نحسب أننا نحسن صنعًا، كما يؤدي إلى تغييب مقاصد الشريعة ودورها الفاعل في حياة الناس.
ولا يقل عن ذلك خطورة ما نلاحظه من التقطيع في النسيج الثقافي للأمة، حيث أصبحت أممًا انفرط عقدها، وتحولت إلى طوائف معجبة بنفسها وفكرها واجتهادها، وغيبت معاني الأخوة الشاملة، وانسدت أقنية الحوار الداخلي والتفاهم وبناء القاعدة المشتركة.
ونعود إلى القول: بأن الإشكالية هي في التباس الذات بالقيم، وصور ومسالك التدين بقيم الدين، وبذلك تعطلت عمليات النقد والتقويم والمراجعة والاجتهاد، وحاول كثير ستر عوراتهم الفكرية وعجزهم عن توليد الأحكام بالتستر بالقيم نفسها، والحديث عن قدسيتها وعظمتها وإنجازها التاريخي.