فهرس الكتاب

الصفحة 1193 من 1942

ولا نزال نرى: بأن الإشكالية ليست بالقيم المعصومة، وإنما بكيفية التعامل معها، أو بمعنى أكثر دقة: إن الإشكالية ليست في الدين وتعاليمه وإنما بصور التدين وكيفية التعامل مع هذه القيم، وتوليد البرامج والخطط التي تسع حركة الحياة، في ضوء الاستطاعات أو الإمكانات المتوفرة والظروف المحيطة.

ولعل من نعمة الله على أمة الرسالة الخاتمة الخالدة، التي اصطفاها الله لوراثة الكتاب والاضطلاع بمسؤولية ما انتهت إليه النبوة تاريخيًا، أن وحي السماء الذي هو مصدر المعرفة الأساس، لم يتعرض للتفاصيل والجزئيات بشكل عام، بل ناط ذلك بالعقل الذي يمارس الاجتهاد ووضع البرامج والآليات، في إطار معرفة الوحي، التي اكتفت بوضع القيم الضابطة للمسيرة، والمعايير المطلوبة للتقويم والمراجعة والقياس للفعل البشري، المصوبة للمسيرة، ومن لوازم ذلك امتلاك القدرة على الاستجابة لتطور الحياة، واحترام العقل البشري، ومنحه الحرية والإرادة التي بها يتحقق تكريم الإنسان وتكليفه ومسؤوليته.

فالقيم، ومصدرها معرفة الوحي، وهي معصومة عن الخطأ، ويعتبر من خصائصها الخلود، تشكل أطرًا مرجعية؛ والبرامج المؤطرة بالقيم، ومصدرها معرفة العقل، ويجري عليها الصواب والخطأ، وتعتبر من وسائل تحقيق الخلود، منوط بها توفير الاستجابة لتطور الحياة.

وتبقى الغاية الأساس أو المقصد الأساس من إرسال الرسل وإنزال القيم هو إلحاق الرحمة بالعالمين وتحقيق سعادة الإنسان في دنياه وآخرته، قال تعالى: (( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ ) ) (الأنبياء:107) .

ويكاد يكون المنطلق أو المحور الرئيس لتحقيق هذه السعادة وإلحاق الرحمة وتوفير الحقوق، التي تحفظ إنسانية الإنسان وتحمي كرامته، يتمثل في إيقاف تأله البشر بعضهم على بعض، وعدم القبول بأن يكون الإنسان المخلوق مصدرًا لوضع القيم للآخرين المخلوقين مثله، حتى لا تتحول لتصبح جسرًا للتأله عليهم والتشريع لهم والترفع عنهم.

ولعلنا نقول هنا: بأن أصل الشر في الدنيا وانتهاك الحقوق الإنسانية والفساد وسفك الدماء، كامن في تسلط الإنسان على الإنسان، وإن هذا التسلط، أو إن شئت فقل: «التأله» ، أخذ على مدار التاريخ والرحلة البشرية أشكالًا متعددة ومتنوعة، وكان لكل عصر آلهته وطاغوته.. فمنذ فجر التاريخ، في العهد الزراعي، أخذ هذا التأله أو التسلط صورة الإقطاعي الذي يملك الأرض والإنسان، ويتصرف كما يحلو له، ولا تزال عقدة أقنان الأرض تتسلل بشكل أو بآخر إلى كثير من النفوس في مجالات الحياة المختلفة، الأمر الذي يزري بكرامة الإنسان.

ولعل من أخطر أشكال التسلط وأعتاها هو تلبس الحكم بالألوهية، واعتبار الحاكم هو المتحدث باسم الله، أو هو ظل الله على الأرض، ينفذ إرادته ويتحكم بالبشر كما يحلو له، وأن أية معارضة أو قعود عن طاعة الأوامر هو عصيان لله تعالى.. فباسم الله قد يُستغل البشر، وتُنتهك الحرمات، وتُستباح الأعراض، وتُوضع القيم والتشريعات، التي لا تقبل المناقشة ولا النقد.

ومن أشكال التسلط وانتهاك حقوق الإنسان التي حفظها التاريخ أيضًا، تسلط طبقة رجال الدين، التي شكلت نوعًا من الكهانة واحتكار تفسير إرادة الله والتسلط على البشر باسم الدين، والتحكم بدنيا الناس وأخراهم، وابتزاز أموالهم وأعراضهم بما يسمى «الاعتراف والغفران» ، وتصرفهم بالمصير والآخرة، وبيع صكوك الغفران، بما أسمي بالحكم «الثيوقراطي» أو الديني، والذي كان من الطبيعي الخروج عليهم، ذلك الخروج الذي لم يقتصر على رفض سلطة رجال الدين والكهنوت وتسلطهم وتصويب الممارسات التي لا علاقة لها بنصوص الدين، وإنما كان خروجًا وانسلاخًا من الدين كله وما يمت إليه بصلة.

إن الخروج على الواقع المنحرف، للتخلص من الحكم الثيوقراطي أوتسلط رجال الدين، جاء معالجة للانحراف ولكن بانحراف مماثل، لم يكن في صالح إنسانية الإنسان وحقوقه، وإنما هروبًا من تسلط البشر باسم الله إلى الوقوع من ألوهية البشر، لكن بشكل ولون آخر.

ومن أشكال التسلط والتأله في التاريخ أيضًا، الادعاء بأن العرق الآري، يمتلك من الخصائص والصفات المتميزة مالا يملكه الآخرون، الأمر الذي يبرر له استعمار الآخرين، والتحكم بأحوالهم، وسوقهم وفق إرادته، لأنهم يتصفون بالدونية بأصل الخلق فهم عضويًا غير مؤهلين.

ومن آثار ذلك أيضًا، الادعاء بتميز الرجل الأبيض.. وقد يكون الأخطر من هذا جميعه الادعاء أيضًا باختيار الله لشعب دون سائر الشعوب والأجناس، لا على كسبٍ فَعَله هذا الشعب وإنما بأصل الخلق، وقد يكون منهم المؤمن والكافر والفاسق... إلخ، وما يترتب على ذلك من العنصرية والتمييز والاعتداء على عدل الله، الذي يدّعون ذلك باسمه.

ومن صور وأشكال التسلط أيضًا، التسلط باسم الطبقة، والادعاء بأنها صاحبة المصلحة الحقيقية، وكذلك الحزب القائد، باعتبارهم لأنفسهم أنهم قدر الأمة، ومطاردة الآخرين على أنهم أعداء الشعب.

وقد لا يتسع المجال هنا لمزيد من فتح النوافذ على أشكال التسلط والظلم، وإهدار كرامة الإنسان، والعبث بحقوقه، مصدر الشر في العالم، وحسبنا أن نقول: بأنه لا مجال لاسترداد كرامة الإنسان وحماية حقوقه إلا بإيقاف هذا التسلط المتأتي من التأله البشري بكل أشكاله، وإعادة تصويب مفهوم الألوهية، وأنها مصدر القيم التي يتساوى الناس أمامها جميعًا، بحيث تستمد هذه القيم والمعايير من مصدر خارج عن الإنسان، ومن ثم التمييز بين قيم الدين المعصومة، وصور التدين التي يمكن أن تلحق بها إصابات وممارسات مخطئة وظلم محتمل، لذلك قال تعالى: (( الَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ) ) (الأنعام:82) .. فالتلبس بين قيم الدين وصور التدين وادعاء العصمة لسلوك الناس، نوع من الظلم والعتو في الأرض والعودة إلى التسلط ولكن بفلسفة أخرى.

وبالإمكان أن نقول بكل الاطئمنان: بأن الدعوة إلى الإيمان بالله وعدم الإشراك به، بأي نوع من أنواع الشرك، هو السبيل الوحيد لتوفير كرامة الإنسان وتحقيق إنسانيته ومساواته بالآخرين، فالتوحيد في نهاية المطاف يعني التحرير.. والذين يحاولون إلغاء الألوهية بهذا المفهوم، أو تحييده عن حياة الناس، إنما يفعلون ذلك ليجعلوا من أنفسهم آلهة - ولكل عصر آلهة- لأن الإيمان بالله واستمرار القيم والمعايير منه تسوِّيهم بغيرهم.

وقد يكون من المفيد أن نذكر: أن القيم المشرِّعة للحقوق الإنسانية، والمعايير وموازين التقويم الحارسة لها والضامنة لامتدادها، عندما تُستمد من مصدر خارج عن الإنسان، من الخالق العالِم بأحوال الناس، البريء من الهوى والانحياز والخطأ، المتصف بصفات الكمال، يتلقاها الناس بالقبول، لشعورهم بالتساوي وعدم التمييز أمامها، والعدل في إنفاذها، إضافة إلى أن احترامها والالتزام بها إنما يتم بدافع داخلي وبوازع ذاتي، لاعتقادهم بأن الذي شرعها وأمر بالتزامها يعلم السر وأخفى، ويحاسب عن التقصير بها أو الانتهاك لها.. وليس هذا فقط، بل وجود تشريعات لبيانها، وعقوبات لانتهاكها، وبذلك تتحصل القناعة والثواب بها من داخل النفس، وتصان بالتشريعات الملزمة والعقوبات للمعتدي عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت