ففي المجتمع الإسلامي يدعوك إحساسك الداخلي إلى الايمان، والى الإجتهاد من أجل الله، والى النقاء، والى التقوى. بينما تجد المجتمع الجاهلي يدفع الشخص إلى التنافس على المال، وعلى الجاه، وعلى السلطة، وعلى القيم الفاسدة فيعيش آنئذ الانفصام، وكلما تناول عقاقير مهدئة، ولجأ إلى معاقرة الخمرة، والى القمار، والعياذ بالله، فإنه لا يجد الراحة، لأنّ الإنسان الذي تتجاذبه قوتان في اتجاهين متضادين، لا يقدر أن يحصل على الراحة والسكينة.
ان المجتمع الجاهلي مجتمع يعيش التنافس على القيم الزائفة في الخارج، وبينما يعيش الاندفاع نحو الدين في الداخل كبشر مفطور على حب الله، لذلك لا يكون مجتمعًا هادئًا فاضلًا، أما المجتمع الإسلامي فان ذلك التنافس الخارجي سيتمحور هو الآخر حول ذلك الاحساس الداخلي، وبالتالي يعمق الحياة في هذا المجتمع، لأنّ ذلك الاحساس الروحي الداخلي هو الذي يجمعنا مع بعضنا ويفجر فينا ينبوع الحياة ويجعلنا أمة واحدة.
لنقرأ الآيات الكريمة التي تدعونا إلى التنافس على الخير وعلى العمل الصالح، يقول القرآن الحكيم في سورة البقرة:
?وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ? البقرة،148
فلا بأس أن يختلف الناس ويتفاضلوا بالميزات والإتجاهات العلمية والعملية، ولكن بشرط أن تكون وجهات الجميع خيرًا، فالأعمال اذا كانت جميعها صالحة فإنها ستجتمع بالتالي في اتجاه واحد.
التنافس والإبتلاء
وفي آية أخرى يبين القرآن الحكيم ان اختلاف شرائع الناس انما تخدم هدفًا واحدًا، وهو المسارعة إلى الخيرات والمنافسة عليها.
يقول تعالى:
?وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَآ أَنْزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَآ أَنْزَلَ اللّهُ فَاُوْلئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنْزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ اُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ ءَاتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ? المائدة،47-48
كان من الممكن أن يجعل الله الناس أمة واحدة، ولكن أبى أن يخلق البشر هكذا، إنّما جعل لكلٍ شرعة ومنهاجًا، لماذا؟
?ليبلوكم فيما آتاكم?
فهذا الاختلاف يخدم حكمة الله سبحانه وتعالى في الكون، القاضية بأن يبلو الله البشر بالنعم التي أعطاها اياهم، من العقل والقوة والمال.
فالله يختبرك عن طريق وجود الاختلاف الذي يدفعك أنت ويدفع الآخرين إلى العمل، فالأعمال تتفجر من كل صوب، وبالتالي تعمر الارض وتستخرج ما في الإنسان والطبيعة من طاقات وامكانات، وتسخرها من أجل مصلحة البشر.
ان للإنسان طاقات لا تحد، وفي الطبيعة قوى لا تنفد، والخلاف يفجّر طاقات البشر باتجاه تسخير الطبيعة، واستخراج كنوزها.
إن أضخم الانجازات البشرية، كانت في ظروف الصراع الحاد، وفي أيام الحرب الساخنة، لذلك قيل إن (الحاجة أم الإختراع) .
بيد أن اتجاه الخلافات البشرية سار في طريق الهدم. فالقوى العظمى في العالم كانت ولا تزال تتسابق في صنع المزيد من اسلحة الدمار التقليدية والنووية التي يكفي المخزون الجاهز منها لتدمير العالم عشرات المرات.
إنّها لم تتنافس في القضاء على السرطان أو تنمية العالم الثالث أو إستغلال المحيطات لخير البشرية.
وخلاصة القول: إن التسابق أمر طبيعي بين الناس، ولكن الشيء المهم عند الإسلام هو أن يكون هذا التسابق في تجاه الخير ومرضاة الله سبحانه.
صفوة الكلام
1-إن التنافس في العمل الصالح والمسارعة إلى الخيرات، يؤديان دورًا حاسمًا في دفع المجتمع الاسلامي إلى الأمام .
2-وفي الإسلام تتوافق الأنظمة الإجتماعية مع ذلك الشعور النابع من أعماق الفطرة البشرية .
3-والشعور بالتنافس هو جزء من النزعة الإجتماعية في المجتمع وهي تشبه الروح في الإنسان .
4-وتوحي آيات القرآن الحكيم أن التنافس يجب أن يكون حول الايمان والعمل الصالح . أما ما عدا ذلك من القيم والأسماء والإنتماءات، فهي لا تعني شيئًا .
5-إن كل عمل يقوم به الإنسان في طريق الخير فهو له حتى لو كان في ظاهره من أجل الآخرين .
6-وإن رجحان كفّة الحسنات في ميزان الأعمال هو الذي يبعث على الاعتزاز .
7-والفارق الأساسي بين المجتمع الإسلامي ومجتمع الجاهلية هو أن الأول يعيش حالة التنافس والمسارعة الى الخيرات، بينما الثاني يعيش حالة الإنفصام والتقاعس .
-عز وجل - العلاقة بين أبناء المجتمع الإسلامي ليست علاقة تراكمية وكمية، وإنما هي علاقة تفاعلية وعضوية .
-عز وجل - المجتمع الحي هو الذي يتفاعل أبناؤه بحيث يُضاف كل واحد منهم إلى الآخرين إضافة كيفية، ويتعاون ويتكافل معهم .
نظريات حس التوافق الاجتماعي
هناك نظريتان متناقضتان حول تطبيق الأنظمة الاجتماعية .
تقول الأولى بأن الأنظمة الاجتماعية مفروضة على الإنسان، كما الحقائق الطبيعية مفروضة عليه، فكما أن الحرّ والبرد والظلام والنور والليل والنهار، وكما أن الصحة والمرض والشباب والشيخوخة، تفرض ذاتها على الإنسان بحيث لا يستطيع الفرد التخلص من ضغطها، فكذلك الأنظمة الاجتماعية.
أمّا النظرية الثانية، وهي أحدث من الأولى وأقرب إلى العقل والعلم، فتقول: أن النظام الاجتماعي يستلهم قوته وشرعيته من داخل الإنسان، فكل فرد من أبناء المجتمع ينجذب بدافع ذاتي نحو تطبيق الانظمة والقوانين الاجتماعية على نفسه وبدون ضغط خارجي، فأول ما يتعلم الإنسان الطاعة إنّما يتعلمها من أمه، والأم هي ينبوع الحنان والحب، والطفل الرضيع لا يطيع أمه خوفًا منها أو طمعًا في لبنها وانّما حبًا لها، ومن ثم حينما ينمو الطفل في محيط ملؤه الحب والحنان والعاطفة، تراه يكون أكثر رغبة في اقتباس القيم والعادات التي تسود ذلك الجو العائلي.
بينما الطفل الذي يعيش في مجتمع الصرامة والقسوة، قد تكون ردة الفعل عنده تجاه هذه الصرامة أقوى من حس توافقه مع المجتمع الصارم.
فالمجتمعات التي تعيش الحب والحنان ويحسب كل فرد فيها نفسه أبًا وأخًا وإبنًا لسائر المجتمع، تعيش التوافق الاجتماعي، وأبناؤها يطيعون قيمها وتقاليدها أكثر من المجتمعات التي تسودها الصرامة والعنف.
التكيف الاجتماعي
وتضيف هذه النظرية: إن إحساس الإنسان الداخلي هو الذي يدفعه نحو التنافس مع الآخرين، أو تقليدهم، والكلمة العربية الشائعة التي تقول (حشر مع الناس عيد) لا تدل على أن الناس هم الذين يفرضون على الفرد أن يحشر نفسه معهم، انّما هو الذي يحب أن يصبح جزءًا منهم.
إن التجارب والبحوث الحديثة التي قام بها علماء النفس والاجتماع وعلماء التربية، دلت على أن أقوى الغرائز عند البشر هو حسّ التوافق الاجتماعي أي التكيّف مع سائر أبناء المجتمع.