والمثال التالي يسوقه علماء الاجتماع في هذا الحقل: لقد دلت التجارب على أن العمل الجماعي أكثر حيوية وإنتاجًا من العمل الفردي، حيث جعلوا فردًا يعمل لوحده في غرفة، ويجاوره آخرون في غرفة أخرى يعملون أيضًا. فاذا قيل لهذا الفرد بأن أولئك الذين هم في الغرفة المجاورة يعملون مثلما تعمل، فانه يزداد نشاطًا وبالتالي يزداد إنتاجًا. أمّا اذا لم يفهم ذلك فانه سيتباطأ عن العمل. فعندما يشعر الإنسان بأن هناك آخرين يعملون نفس العمل الذي يقوم به، فان ذلك يدفعه إلى زيادة نشاطه.
وهناك تجربة بسيطة يمكنك أن تجربها بنفسك: إحكِ لإنسان ما قصة عن نشاط فرد آخر، حتى ولو كان بطل القصة شخصًا تاريخيًا وليس معاصرًا، فسوف ترى أن هذه القصة ستخلف أثرها العاجل عليه، حيث يزداد نشاطه.
اذن، وفق هذه النظرية وهي النظرية الأحدث والأقرب إلى التجارب العلمية، كما هي الاقرب إلى البصائر الإسلامية، نستنتج أن التوافق مع أبناء المجتمع ومحاكاة الناس الآخرين، وبالتالي إتباع سلوكياتهم وطرق عملهم ومستويات إنتاجهم إنما هو نابع من فطرة البشر ومن غريزته الذاتية.
والإسلام يحفّزك نحو المزيد من العمل، بإثارة إحساس التوافق مع الآخرين، وذلك عبر أسلوبين:
الاول: القدوات الصالحة
يجعل الإسلام للفرد قدوات صالحة، يعطي لها شرعية اجتماعية، ويرفعها عالية أمام عينيه ليتخذ أبناء المجتمع منها منهاجًا لعملهم ومقياسًا لمدى انتاجهم وحيويتهم.
فالانبياء مثلًا، نرى أن القرآن يركّز عليهم فيذكر قصصهم ولعشرات المرات.. بينما لا نجده يحدثنا عن الملائكة، وما يتميزون به من مثابرة واجتهاد وقوة عظيمة، مع أن الحديث عن الملائكة ربما يكون أفضل ظاهرًا من صبر أيوب أو استقامة نوح، أو جهاد هود وما أشبه، والسبب في ذلك هو أن الأنبياء بشر مثلك، فعندما تسمع قصة نبي كأيوب عليه السلام الذي صبر على البلاء، فانك ستتفجر حيوية وتندفع نحو اتباع سيرته وإنتهاج نهجه. وكذلك تأكيد الإسلام على الأئمة عليهم السلام ووجوب ولايتهم، لأنك حينما تحب وليا من أولياء الله، وتعتبره إماما لك وحجة بينك وبين الله سبحانه وتعالى، فإنك ستبحث دائمًا عن سيرته وتفتش عن نهجه، وتحاول تطبيق ذلك المنهج وتلك السيرة على نفسك.
وكذلك تأكيد الإسلام على المؤمنين الصادقين، وتأكيده على الأب الصالح، والمعلم الصالح، والصديق الصالح وضرورة إتباعهم.
فاذا كان في المنطقة التي تعيش فيها رجل صالح، صادق اللسان والعهد، محسنًا مخلصًا، سبّاقًا إلى الخيرات.. فإن الإسلام يأمرك بأتخاذه قدوة، لأن هذا الرجل الصالح سيحشر يوم القيامة حجة عليك كما جاء في الأحاديث، حيث أن الله سبحانه وتعالى سيأتي بهذا الرجل ويأتي بك ويقول لك.. هذا رجل كان يعيش في المنطقة التي كنت تعيش فيها، وأنت كنت تعرفه، وظروفه كانت تشبه ظروفك، والضغوط التي كانت عليه مشابهة للضغوط التي واجهتها فلماذا أصبح هذا مؤمنًا صادقًا، وأنت لم تصبح كذلك؟.
الثاني: التنافس الإيجابي
لماذا يشدّد الإسلام على صلاة الجماعة في المسجد أو خارجه.. ويقرّر أن المجتمعين فيها اذا زاد عددهم على خمسين شخصًا، فلا يحصي ثواب تلك الصلاة الا الله سبحانه وتعالى؟
إن الصلاة هي الصلاة، ولكن من أحد أهداف صلاة الجماعة انك حين تقف مع الآخرين تصلي، فانك ستسعى لأن تصبح صلاتك أكثر خشوعًا وأقرب إلى السنة والآداب والمستحبات، لان الله فطر البشرية على حس التوافق مع الآخرين. فإذا كنت في صلاة الجماعة، واستولت على أحد المصلين حالة الخشوع والتهجد وأخذ يبكي في صلاته، فإنك تحس بنقص، فتقول في نفسك: لماذا يخشع ويبكي في صلاته وأنا لا أخشع ولا أبكي؟ لماذا تحصل عنده هذه الحالة ولا تحصل عندي؟ وحينها تشعر عميقًا بضرورة الوصول إلى مستواه، وهذا شعور طبيعي بالنسبة لك، لذلك يحرص الإسلام على إقامة الصلاة جماعة.
والإسلام يأمرنا بأن نعلن بعض الأعمال الصالحة التي نقوم بها. فالصدقة مثلًا مستحبة في السر والعلن. فالصدقة الواجبة يستحب أن تكون علنًا لأنك حينما تدفع الزكاة والخمس والكفارة وما أشبه من الصدقات الواجبة أمام الآخرين، فانّهم يتشجعون على دفع صدقاتهم اذ ينمو فيهم الاحساس بالتنافس والتوافق الاجتماعي.
والإسلام حين يأمر بالتنافس مع الآخرين على الخيرات، فانّه يضرب سورا بين المجتمع المؤمن الموحّد وبين المجتمع الكافر المشرك، ويثير حسن التوافق الاجتماعي فقط بينك وبين المؤمنين من إخوتك. وهذا الفصل بين المجتمعين يجعلك منتميًا إلى ذلك المجتمع المؤمن الصادق، ويجعل حس التوافق فيك متوجها إلى هذا المجتمع، وليس إلى المجتمعات المنحرفة. لذلك ترى الإسلام يؤكد بأنك اذا كنت في مجتمع فاسد فمن الضروري ان تكبح جماح هذا الإحساس الذاتي الذي فطرت عليه، وهو الإحساس بالتوافق الاجتماعي، وعليك أن تحصن نفسك ضد التأثر بذلك المجتمع، وأن تجعل من إرادتك حاجزًا يمنع حس التوافق الإجتماعي من التأثير عليك.
قواعد التعامل الإجتماعي
إن العلاقة بين أبناء المجتمع الإسلامي ليست علاقة تراكميّة وكميّة وانّما هي علاقة تفاعلية عضوية. فالإسلام لا يريد أن يجمع الناس في المسجد كجمع البرتقال في صناديقه، وانّما يريد أن يجمعهم كما تجتمع قطرات الماء فتتحول إلى سيل عظيم. وهذه صفة المجتمع الحي الذي يتفاعل أبناؤه بحيث يضاف كل واحد إلى الآخر إضافة كيفية يتشجع بالآخر، ويتعاون ويتكامل معه. فكل جزء من أجزاء الإنسان وكل حركة من حركاته وكل نشاط من نشاطاته، يتكامل مع الجزء المماثل عند الإنسان الآخر.
ونقرأ في وصية للإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام ما يوضح لنا هذه الحقيقة. يقول عليه السلام:
(وأحسن كلمة حكم جامعة، أن تحب للناس ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لها) .
إن هذه هي الكلمة الجامعة والحكمة الرشيدة التي تعتبر قاعدة لسائر الحكم والمواعظ والوصايا، حيث تعلمنا كيف نتكامل مع الآخرين، ونتفاعل معهم. ثم يضيف الامام قائلا:
(إنّك قلّما تسلم ممن تسرعت اليه، أو تندم اذا فضلت عليه، واعلم إن من الكرم الوفاء بالذمم، والصدود آية المقت، وكثرة العلل آية البخل) .
فالإنسان الذي يصد خيره عن الآخرين، إنّما يجلب مقتهم وغضبهم على نفسه، وإن من يتعلل ويتعذّر بأعذار واهية، انّما يكشف عن البخل الكامن في ذاته. فحينما تواجه شخصًا يطلب منك حاجة فاعطه حاجته، ولا تتعلل بالأعذار إن كنتَ قادرًا على الإستجابة له.
ويقول الإمام عليه السلام:
(ولبعض امساكك على أخيك مع لطف خير من بذل مع جنف) .
فحينما تريد أن تعطي للآخرين لا تعطهم تمننا، أعطهم ولو شيئا قليلًا ولكن مع اللطف وهو خير من أن تعطيهم شيئًا كثيرًا ثم تحملهم المنّة.
ويضيف الإمام:
(ومن الكرم صلة الرحم، ومن يثق بك أو يرجو صلتك اذا قطعت قرابتك؟) .
أي أنك اذا قطعت قرابتك وعلاقتك بالآخرين فمن الذي يرجو منك الصلة.
(والتجرّم وجه القطيعة، إحمل نفسك من أخيك عند صرمه اياك على الصلة، وعند صدوده على لطف المسألة، وعند جموده على البذل، وعند تباعده على الدنوّ، وعند شدّته على اللّين، وعند تجرّمه على الإعذار، حتى كأنك له عبد وكأنه ذو النعمة عليك، وإياك أن تصنع ذلك في غير موضعه، أو تفعله في غير أهله) .