فهرس الكتاب

الصفحة 276 من 1942

فالله لا يحاسبك لماذا تأكل أو تشرب أو تنام، ولا يحاسبك لماذا تبني بيتًا أو تقيم حضارة وتعمر الارض. وإنما يحاسبك على أنه أعطاك الدنيا لتسخيرها فأصبحت أنت مسخَّرًا لها.. وحينما تُسَخَّرُ للحياة الدنيا وتستسلم لزينتها وجاذبيتها، فإنّك لا تحصل على الدنيا ولا تكتسب الآخرة.

فحتى عمارة الأرض، وزينة الدنيا وزهرتها لا تحصل عن طريق الاستسلام المطلق لها. وإنّما يستسيغ الشراب ويستمرئ الطعام ذلك الذي يشرب حين يشتهي بقدر ما يشتهي وينتفع، وهكذا يأكل. أمّا الذي يأكل كالأنعام ويشرب كالبهائم، فان الشراب والطعام لا يهنئان له. واذا أهنئاه الآن فلن يأمن من الآثار السيئة مستقبلًا فلرب أكلة منعت أكلات، ولرب شربة سببت أمراضًا وآفات.

الإسلام يريدك أن تُسخِّر الحياة وتتمتع بها وتستفيد منها ولكن بشرط أن تكون أنت المهيمن عليها، إذن موقف الإسلام من الدنيا هو الموقف الذي يحقق للإنسان المسلم أفضل النتائج في العاجل والآجل.

فالإسلام ينهى عن الإسراف، لأن الإسراف لا يضر بالدنيا فحسب، وإنما يضر بالإنسان أيضا. يقول الله عزوجل:

(يَا بَنِي ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لايُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ? الاعراف،31

والإسلام ينهى عن التبذير بقوله:

?إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا? الاسراء،27

الكفور هو مقابل الشكور، والتبذير في الدنيا كفر بنعم الله.. أي إستفادة خاطئة وانتفاع شاذ من الدنيا.

والإسلام يأمر بالإصلاح في الأرض، وينهي عن الإفساد:

?وَلا تُفْسِدُوا فِي الاَرْضِ بَعْدَ اِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ? الاعراف،56

ويقول سبحانه وتعالى عن المنافقين:

?وإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ? البقرة،205

ويقول عن المؤمنين أن بعضهم يصلح الآخر:

?وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَولِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ? التوبة،71

فعلاقتهم بالحياة هي علاقة الإصلاح. وهذه الصفة يقررها الإسلام ويؤكد عليها لأن الإستفادة من الحياة تعتمد عليها وهذا هو الموقف الصحيح.

إذن، فحينما يأمر الإسلام بالزهد، فليس معنى ذلك أنه يتخذ موقفا سلبيا مطلقا من الحياة، ولا يعني أنه يمنع التفاعل معها والإستفادة من متاعها، فلقد كان الإمام علي عليه السلام أزهد أهل زمانه، حتى قال عنه رسول الله عليه الصلاة والسلام:

(من أراد أن ينظر إلى عيسى في زهده فلينظر إلى علي بن أبي طالب) .

ولكن أموال علي عليه السلام وثرواته كانت كثيرة، وضياعه وحقوله عديدة، وكان يُتعب نفسه ويجتهد في زراعة الأرض واستصلاحها، وحسب ما جاء في بعض الروايات فإن إيراده اليومي كان يصل إلى سبعين ألف دينار من ضياعه وممتلكاته، إلا أنه بعد أن يحصل على هذه الأموال الطائلة كان يوزعها على الفقراء والمحتاجين وينفقها لخير المجتمع وإصلاحه، ولا يستبقي لنفسه إلا الكفاف. وهذا هو المنهج الصحيح لعمارة الأرض.

التنافس الايجابي .. نعم

إن الإسلام يعتبر التنافس البناء من أجل زينة الحياة الدنيا، عاملا أساسيا في عمارة الأرض. فلولا التنافس على بناء البيوت وإنشاء المصانع وتطوير التجارة، لم تنشأ مدنية أو حضارة.

ولو اكتفى كل انسان برغيف خبز يأكله، وقطعة ثوب يلبسها، ورقعة أرض يسكنها، فهل كانت تُبنى هذه القصور والعمارات، وتلك المصانع والمؤسسات؟

ولو لم يكن التنافس في تحدي مجتمع لمجتمع آخر، لم تتسابق المجتمعات نحو الإبداع والإبتكارات والصناعات.

ولو لم يكن التنافس بين أبناء المجتمع لم يرهق الناس أنفسهم في المزيد من العمل، ولركنوا إلى القعود والكسل، ولكن التنافس هو الذي يدفعهم إلى مواصلة الليل بالنهار، والكدح في سبيل الحصول على المال والثروة والتكاثر فيها.

وقوانين الإسلام في الملكية الفردية، تدفع الناس إلى التنافس البنّاء لعمارة الأرض وإصلاحها، لأن غريزة التملك عند الإنسان من أقوى الغرائز التي تدفع إلى العمل والإبداع.

ولقد حاولت النظرية الشيوعية - التي لم تطبق حتى الآن في العالم بالرغم من المحاولات العديدة التي بذلت في هذا الشأن، بل وسيقت إلى متحف النظريات بعد سقوط الإتحاد السوفياتي - حاولت أن تجرب إلغاء نزعة الملكية الفردية عن الشعب في الإتحاد السوفياتي - سابقًا - فكانت النتيجة أن انعدم الحماس للعمل عند الأفراد. ولكنهم بعد أن أعادوا جزئيا فكرة التملك عن طريق منح امتيازات مادية ومعنوية لمن يعمل أكثر، وجدوا أن النشاط قد دب في الناس، وبدؤوا يعملون.

إذن الملكية الفردية بحدودها المشروعة يؤمن بها الإسلام، ويؤكد عليها. بل إن ملكية الإنسان لأمواله تمتد إلى ما بعد وفاته، وذلك عن طريق الإرث والوصايا. لأن الإنسان إذا عرف بأنه سوف يفعل في أمواله ما يشاء في حياته وبعد مماته، فإنه يشعر بالإطمئنان تجاه هذا الجهد المركز الذي نسميه بالمال.

وعندما يقول الإسلام بأن حرمة أموال الآخرين كحرمة أنفسهم، فإنه يشدد بذلك على احترام الملكية الفردية، لأن ذلك في الواقع هو إحترام للإنسان نفسه، فالمال إنما هو جهد مدّخر، وحينما لا تحترم جهد أحد فكأنك لا تحترمه شخصيا. ومن هنا يأتي موقف الإسلام الحاسم تجاه المال.

صفوة الكلام

1-ما هو موقف المجتمع الإسلامي الملتزم من زينة الحياة الدنيا من: مال، وتقدم، وحضارة ؟ . هل الرفض أم القبول؟ .

2-يتكون الموقف الذي يوصي به الاسلام من ثلاثة عناصر:

ألف: إن إرادة الإنسان قدتضعف أمام المؤثرات المادية التي تحاول تذويبه وتمييعه . لذلك فإن الإسلام يسعى من أجل تزكية النفس البشرية وتطهيرها، وإعطائها دفعات من الإرادة التي تتغلب بها على جاذبية المادة ومؤثراتها السلبية .

باء: إن مصلحة الإنسان هي التي تحدد موقف الإسلام من زينة الحياة الدنيا . فالإسلام لا يرفض زهرة الدنيا بشكل مطلق، بل ينفي الجانب السلبي منها والذي يؤثر في النفس تأثيرًا ضارًا وسلبيًا .

والجانب السلبي هو موقف الإستسلام، والتبعية، و الخضوع، وانعدام العقل والرؤية الصائبة تجاه مؤثرات الدنيا ومتغيراتها .

جيم: الإسلام يعتبر التنافس الايجابي البناء من أجل توظيف زينة الحياة الدنيا في الاتجاه السليم، عاملًا أساسيًا في عمارة الأرض، ولولا هذا التنافس لم تنشأ مدنية أو حضارة .

-عز وجل - يعمل الإسلام على فصل الثروة عن السلطة حتى لا يُعبد الاغنياء من دون الله

-عز وجل - إن هدف الإسلام في الحياة الإجتماعية هو أن يجعل المال خاضعًا للإنسان وليس حاكمًا عليه .

-عز وجل - إذا استطاع المجتمع أن يتحرر من سلطة المال، فإنه تنطلق مواهبه، وتتفجر إمكاناته، ويتحرر من الجمود .

للإنسان قوتان تتجاذبانه.. قوة الطبيعة وقوة القيم. وقد تقوده إحدى القوتين بصورة مطلقة، أو تشتركان في قيادته عبر ظروف مختلفة وفي حالات متباينة.

وفي المجتمع قد تكون القوة الغالبة والحاكمة متجسِّدة في الطبيعة أو في القيم، وذلك عبر المجموعة التي غلبت طبيعتُها قيمها أو غلبت قيمُها طبيعتَها، فتكون الصفة العامة لهذا المجتمع إما صبغة الطبيعة وإما صبغة القيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت