أبو سارة
معايير النصر
الشيخ الدكتور محمد موسى الشريف
لقد جرى ما جرى في العراق، وضاقت صدور قوم مؤمنين، وامتلأت قلوبهم غيظًا وحنقًا، ليس بسبب ما جرى لصدام وحزبه، ولكن لأسباب أخرى، منها:
1-انهيار الوضع فجأة بحيث تمكن المعتدون من العاصمة دون مقاومة تُذكَر، ولا نكاية كانت متوقعة فيهم، وهذا بسبب التعبئة الكبيرة الكاذبة التي قام بها النظام، وما كانوا يدَّعونه من أن بغداد ستكون مقبرة للغزاة، وتعاطفت الشعوب الإسلامية تعاطفًا كبيرًا جدًّا مع هذا الطرح، وبنت عليه الآمال العظام، ثم فوجئوا بما جرى مما لم يكن في حسبانهم أبدًا، وهذا أورث كثيرًا من الناس إحباطًا كبيرًا ويأسًا عظيمًا، وانهارت آمال كثير من الشباب المتحمس المتوقد والفتيان المتوثبين.
2-تمكُّن المعتدين من البلاد العزيزة على قلوبنا، ومن مهد الحضارة الإسلامية، وبدء تهديدهم لسورية وإيران، وغيرهما من بلاد الإسلام، وفي ذلك خوف كبير على هذه البلاد العزيزة الغالية.
3-أثر هذه الأحداث العالمية في ترسيخ الطغيان الأمريكي- الصهيوني، وما تطبعه في أذهان الناس من سيطرة هؤلاء على مقاليد الأمور، وما تضخمه في قلوبهم وعقولهم من هذه القوة والغاشمة، وكل مردود ذلك سلبيا جدًّا.
4-اجتراء القوى الأخرى على المسلمين، وخاصة إخوان القردة والخنازير، على إخواننا في فلسطين، واجتراء الهنادكة عُبَّاد البقر على إخواننا في كشمير، والصليبيين الفلبينيين على إخواننا هنالك.
بسبب ذلك كله تمتلئ قلوب المؤمنين بالغيظ والحنق وتضييق صدورهم مما جرى في العراق مما يتصورنه هزيمة منكرة.
هل ما حدث هزيمة ؟
والسؤال المهم:
هل ما حدث في العراق هزيمة؟
والجواب عليه يظهر في ضوء التالي:
أ - إن المعركة لم تنتهِ بعد، وإن هؤلاء قد أعماهم الغرور، فاستعجلوا إعلان النصر، وأتصور أن المعركة ستبدأ من جديد على شكل حرب عصابات، لكنها عصابات مؤمنة مطهرة، تذيقهم شيئًا من الألم والنكال، والله أعلم.
ب - يفهم أكثر الناس في العالم الإسلام اليوم أن تلك المعركة هي مقدمة لمعارك أخرى، وهذا الشعور يغذي مشاعر المؤمنين بالكراهية لأولئك المعتدين المحتلين، ويعبئ الجماهير من المسلمين استعدادًا للمعركة القادمة، وارتفاع الروح المعنوية على هذا الوجه يُعَد جزءًا من النصر القادم إن شاء الله تعالى.
ج- إن ما حدث من أعمال السلب والنهب والثأر في العراق، لهو من فعل الغوغاء العوام الطغام الذين لا قيمة لهم، فليس لأفعال هؤلاء المخالفة للشرع اعتبار في موازين النصر أو الهزيمة، ولا ينبغي أن يحزن المؤمن أو ينكسر أو ييأس، عندما يتناهى إلى سمعه مثل هذه الأمور، فهي في السنن الربانية أمر طبيعي.
د- كل ما حدث في العراق ويحدث في فلسطين والشيشان وكشمير والفلبين، إنما هو في سياق واحد عندنا معشر المسلمين، ألا وهو سياق البلاء والفتنة والتمحيص، ويدخل في قوله تعالى: (وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين) ، وقوله تعالى: (ويتخذ منكم شهداء) ، وقوله تعالى: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنَّا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) ، وقوله تعالى: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) ، وقوله تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) ، وقوله تعالى: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم) .
فكل ما أصابنا ويصيبنا وما سوف يصيبنا، نفهمه على هذا الوجه ، فليست المسألة مسألة هزيمة، بل هي تمحيص وابتلاء قبل النصر الأعظم.
هـ- ثم لا ننسى أن أولئك الغزاة يُعذَّبون أيضًا، وننال منهم مقتلة، ونصيبهم بأذى في نفوسهم وأموالهم ونفسياتهم، ونفهم كل ذلك أيضًا في ضوء قوله تعالى: (إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون) .
وإن من أبرد ما يصيب أكبادنا من الأخبار قوله تعالى: (وترجون من الله ما لا يرجون) ، فنحن نرجو الجنة وهم مأواهم النار، ولسنا سواء. ونفهم ما يجري أيضًا في ضوء قوله تعالى: (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعًا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون) ، الله أكبر ما أحسن هذا! وما أعظمه! وما أحسن دلالته على موازين المعركة اليوم.
و- أخيرًا، العبرة في النصر بالخواتيم، وهذه كلها جولات قد ينتصر فيها الباطل حينًا، لكنه حتمًا في النهاية مهزوم، يقول تعالى: (وكان حقًّا علينا نصر المؤمنين) ويقول سبحانه: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) ، ويقول تعالى: (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) ، ويقول تعالى: (والعاقبة للمتقين) ، ويقول جل من قائل: (إن الله لا يصلح عمل المفسدين) ويقول سبحانه: (إنه لا يفلح المجرمون) .
وقد بشرنا رسولنا الأعظم بالنصر عليهم في نهاية المطاف: (لتقاتلن اليهود حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم، يا عبد الله، ورائي يهودي تعالَ فاقتله) ، وبشرنا صلى الله عليه وسلم بفتح روما، وبشرنا ببشائر كثيرة من نزول عيسى صلى الله عليه وسلم، وكسر الصليب، وقتل الخنزير، وكل ذلك نصر واضح لا ريب فيه، ونقول لهؤلاء المنتفشين بنصرهم الوقتي المشكوك فيه: ( فليضحكوا قليلًا وليبكوا كثيرًا جزاء بما كانوا يكسبون) ، والله أكبر ولله الحمد.
قراءةٌ نقديةٌ لبحث سعود السرحان:
«الحكمة المصلوبة: مدخل إلى موقف ابن تيمية من الفلسفة»
عبدالله بن عبدالعزيز الهدلق
بسم الله الرحمن الرحيم
قَبْل البَدْء:
إضاءةٌ لمدخلٍ آخَر
«علم الاستغراب ليس حديثًا؛ لأن علاقتنا بالغرب أيضًا ليست فقط وليدة العصر الحديث، بل تمتد جذورها منذ نشأة الأنا الحضارية المتمثل للتراث الإسلامي عبر أربعة عشر قرنًا أو يزيد. ففي علاقتنا باليونان كما فعل القدماء تمتد جذور علم الاستغراب. اليونان جزءٌ من الغرب، جغرافيًا، وتاريخيًا، وحضاريًا، وإلى اليونان والرومان تَمتدّ مصادر الوعي الأوربيّ» [1] .
هل لي أن أذهبَ ـ من خلال هذا النص لحسن حنفي ـ إلى أنّ افتتانَ بعضِ مثقفينا بالمثال الغربيِّ ليس وليدَ هذا العصر الحاضر، وأنَّ متقدمي الفلاسفة في تاريخنا الثقافي إنما كانوا يمهِّدون لهذا الشعور بالنقص الحضاريِّ الذي نحياه؛ حين فُتنوا بالمثال الغربي في أسمى صُوَره الثقافية آنذاك: «الفلسفة اليونانية» ؟
وهل كان حسن حنفي يعلم وهو يكتب «مقدمته في علم الاستغراب» أنه ـ وإن لم يقصد إلى ذلك ـ سينير لأحد الباحثين رؤيةً جديدةً لتراث ابن تيميّة قَلَّ أن تنبَّه لها دارسوه؟
«لماذا تُعَدُّ أبحاث وكتاباتُ ابن تيمية حول الفلسفة اليونانية عامةً، والمنطق الأرسطي خاصةً، جذورًا أو إرهاصاتٍ لعلم الاستغراب؟
ابتداءً أُقرّر أن قراءتي لكتاب «مقدمة في علم الاستغراب» للدكتور حسن حنفي منذ أربع سنوات؛ أوحت إليَّ بفكرة إعداد دراسة خاصة عن «الرد على المنطقيين» للإمام ابن تيمية وربطه بعلم الاستغراب.
فجذور هذا العلم ترجع ـ في نموذجه القديم ـ إلى علاقة الحضارة الإسلامية بالحضارة اليونانية، عندما كانت الحضارة الإسلامية ذاتًا دارسًا، استطاعت أن تحوِّل الحضارة اليونانية إلى موضوع