فهرس الكتاب

الصفحة 707 من 1942

دراسة .. فإذا أضفنا إلى ذلك الأهدافَ التي توخّاها ابن تيمية والتي يسعى إليها علم الاستغراب المعاصر ـ عند بنائه واكتماله ـ نجد الاتفاق إن لم يكن المطابقة.

فأهداف علم الاستغراب؛ السيطرةُ على الوعي الأوربي، التقليلُ من إرهابه، وأنه ليس بالوعي الذي لا يقهر.

أما ابن تيمية فإنه نموذج من نماذج الفكر الإسلامي، الذي استطاع تمثُّل الحضارات السابقة دون أن يفقد هويته؛ ثم قام بنقدها.

وإذا كنا نعترف أنه طالما أن الغرب قابعٌ في قلوب الكثير منا كمصدرٍ للمعرفة، وكإطارٍ مرجعيٍّ يحالُ إليه كلُّ شيءٍ للفهم والتقييم؛ فسنظلُّ قاصرين وفي حاجة دومًا إلى أوصياء.

نقول قبل ذلك ومعه: إن ابن تيمية كان يهدف إلى إزاحة الرهبة من الآخر وكشفه وتحجيمه، والتصدي لأي وصاية فكرية تصدر منه.

لقد أراد ابن تيمية للإنسان المسلم أن يفكر بعقله ولا يدع أفلاطون أو أرسطو أو أفلوطين يفكرون له.» [2] .

.. قرأتُ ما كتبه سعود السرحان في بحثه «الحكمة المصلوبة: مدخل إلى موقف ابن تيمية من الفلسفة» ، ومع أني تهيَّبتُ أوَّلَ أمري ولوجَ «مدخل مظلم» عُلِّقتْ على بابه «حكمة مصلوبة» تقطر دمًا! إلا أني اتخذتُ شيئًا يشبه ذاك الذي يضعه مرتادو الأغوار والكهوف على رؤوسهم فينير لهم الطريق.. ودخلتُ.

تكمُنُ مشكلة بعض زملائنا الذين تسرّبوا من مدرستنا السلفية في تَوَهُّمه أنه حين يكتب شيئًا ثقافيًا؛ إنما يؤسس لمرحلة مهمة من تاريخ حياتنا الثقافية، وتظلُّ تُداعب خيالَه أسماءُ: الطهطاوي، والأفغاني، وقاسم أمين، ومحمد عبده، وعلي عبدالرازق، وأحمد لطفي السيد، وطه حسين... فيلقي في «شيئه الثقافي» هذا بعض الكلمات؛ عسى أن يهتدي إليها دارسو تراثه في المهرجان الذي سيقام بمناسبة الاحتفال بالمئوية الأولى لولادته!

وذلك كقول صاحبنا في مقدمة بحثه: «تتجاوز أهمية هذا البحث مجرد كونه عرضًا لموقف ابن تيمية من الفلسفة إلى توضيح آثار هذا الموقف على الواقع العلمي والثقافي في السعودية» ، وقوله: «وحسبي أن أكون مهدت الطريق أمام هذه الدراسات، التي سيكون لها الأثر الكبير ليس على الفكر السلفي فقط، بل وعلى الفكر الإسلامي بصورة عامة» . [3]

هنا أسئلةٌ تتردد في ذهني كثيرًا حين أرى بعض من فشلوا في مشروعهم السلفيِّ يعودون فيشغبون على مدرستنا:

ما بالهم لا يذهبون إلى المدارس المجاورة فيقذفون نوافذهم بالحجارة كما يفعلون معنا؟

أهي نظرية الثَّأْر التي تملكُ على الإنسان عقلَه فتُحيلَه إلى مَوْتورٍ يحمل سلاحه ويمشي يترنَّحُ به في الطرقات على غير هدى؟

أشعورٌ بالنقص ينتاب هذه الأنفس كحال كلِّ من عَجَزَ عن تحقيق كمالٍ كان ينشُدُه؛ يحملها على أن تعْمَدَ في تفكيرها إلى شيءٍ من الشذوذ، حتى يكون لها نوعٌ من خصوصية الذات وتفرُّدها؟

أم هي نشوة المعرفة المُتوهَّمة تمشَّتْ في عقول هؤلاء؛ فأرادوا للطُّهْر أن يشاركهم اللذة الأثيمة، بكأس المخرج الإباحي فاديم، على ألحان اغتراب الوجودي كافكا، لنشيد نيرودا الذي ترنَّم به قيفارا مع الرِّفاق في أحراش بوليفيا؟

ستة محاور رئيسة في هذا البحث أَودُّ أن أقرأها مع صاحبنا، ثم أعرض بَعْدُ لشيءٍ من مثل ما نحن بسبيله. [4]

المحور الأول: النظرةُ التقليديَّةُ الجامدة التي تعامل بها السلفيُّون مع تراث ابن تيمية في الفلسفة.

المحور الثاني: تأخُّر دراسة ابن تيمية للفلسفة.

المحور الثالث: اعتمادُ ابن تيمية على مصادر غير دقيقة في حكايته لمقالات فلاسفة اليونان.

المحور الرابع: بناءُ ابن تيمية دراستَه للفلسفة على «التلفيق» و «النفعية» .

المحور الخامس: مآخذُ أخَذها الباحثُ على ابن تيمية.

المحور السادس: موقفُ ابنِ تيمية من المنطق.

المحور الأول: النظرةُ التقليديَّة الجامدة التي تعامل بها السلفيّون مع تراث ابن تيمية في الفلسفة:

يريد صاحبنا أن يثبت أن ابن تيمية الذي تحسبه السلفية أربحَ ورقةٍ لها في التراث العقليّ عامة، [5] وفي الرد على الفلسفة التي لا تفهمها على وجه الخصوص؛ هذا الذي تحسبه كذلك؛ ليس كذلك.. فما هو إلا فقيه حنبلي احتاج في بعض ردوده إلى دراسة الفلسفة فدرسها على كِبَر، ملفِّقًا تارة، ونفعيًا تارة أخرى، ثم إننا خُدعنا بقوله فصدقناه، لأن نظرتنا التقليدية وجمودنا الفكري حالا دون رؤية هذه الحقيقة.

قال ص1: «فقد ظلت نظرة ابن تيمية الحراني.. إلى كثير من المسائل، والفلسفة واحدة منها، هي الحَكَمُ عند السلفيين على شتى توجهاتهم، ولم تتعرض مواقف ابن تيمية للدراسة والتمحيص، بل بقيت أسيرة التقليد من الأتباع» .

وكان من آثار هذه الرَّزِيَّة التي بُليتْ بها السلفيةُ الجامدةُ أنه: «توجد في السعودية قرابة عشر جامعات وعشرات الكليات لا تحوي بين جنباتها قسمًا واحدًا لدراسة الفلسفة، واعتمادًا على نظرة ابن تيمية إلى الفلسفة التي تراها كفرًا وضلالًا لم تتجرأ أي جامعة سعودية على فتح قسم للفلسفة.. وإن مرَّ ذكر الفلسفة عَرَضًا فينبغي وصفها بالكفر والضلال، والتأكيد على أن طريق العقل هو طريق الهلاك» .

ما ذكره هنا قولٌ مكرور، كان ردَّده عبدالمتعال الصعيدي قديمًا؛ قال: «كان لابن تيمية مدرسة بعده جارته في تلك النواحي من الجمود، فعادتْ علوم الفلسفة كما عاداها، ولم تهتم بغير الفقه والتفسير والحديث وما إليها من العلوم، وكان ابن رشد الفيلسوف الفقيه أولى أن يكون له مدرسة بعده من ابن تيمية، ليسير المسلمون بها في سبيل التجديد الصحيح، ويجمعوا بها بين علوم الدين وعلوم الفلسفة، فهذا كان خيرًا من مدرسة ابن تيمية التي جمدت بعده على تقليده .. على أن طابع الدعوة الوهابية كان متأثرًا بطابع دعوة ابن تيمية، وقد كانت دعوة ابن تيمية تنافر أو تهمل الفلسفة وعلومها، وكان هذا نقصًا كبيرًا فيها، وهو في الدعوة الوهابية أشدّ ضررًا .. » [6] .

أعلم من قراءتي هذا البحث أن كاتبه يظن أن حجم الإبداع يقاس بمُطلق الجرأة على الثوابت، وليس بالقيمة الفكرية التي تحملها هذه الجرأة، لذا لن أنزلق معه في مهوىً خطابيٍّ يضادُّ هذه الخطابية التي أنشأها، وهو الذي يزعم أنه يؤسس لمرحلة عقلية مهمة في تاريخ حياتنا الثقافية.

وسأُورد شيئًا من أقوال بعض دارسي الفلسفة في القيمة الفكرية لتراث ابن تيمية الفلسفي، [7] وهؤلاء ممن لا ينتمون للسلفية التقليدية المغرَّرة، بل إن بعضهم قد وجَّه لابن تيمية في هذه الكتب المنقول عنها ما لا يرضاه أتباع مدرسته بحالٍ من الأحوال.

1-مصطفى عبدالرازق: «نَظَر ابن تيمية في الكلام والتصوف والفلسفة نظرًا عميقًا: فكتبه تدل على سعة اطلاع على المذاهب الفلسفية وتاريخها؛ وحسن تصويره لما يَعرِض للرّد عليه من مذاهب الفلسفة ينبئ عن علم وفهم.. إنا نرجو أن تتوجه همم المشتغلين بالفلسفة وعلوم الكلام والتصوف إلى درس آراء ابن تيمية في الفلسفة والكلام والتصوف.

وهذه الدراسة نافعة في توضيح آراء كلامية وصوفية وفلسفية، كشف ابن تيمية غموضها بفكره النفاذ، وردها إلى أصولها وأحسن بيانها بقوله الواضح المبسوط.

ولابن تيمية في ثنايا ردّه على الفلاسفة والمتكلمين والصوفية نظرات فلسفية طريفة قد تفتح لدراساتنا الفلسفية الناشئة آفاقًا جديدة». [8]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت