2-أبويعرب المرزوقي: «وإذن فتاريخ الفلسفة العربية والكلام العربي هو تاريخ محاولات التخلص هذه من الأفلاطونية المحدثة والتوراتية المحدثة.. سعيًا إلى الملائمة بين ما بعد العلم، وما بعد العمل المطلقين، والعلم والعمل النسبيين، وإدراك هذا الانفجار وعدم الملائمة التي أبرزناها هما اللذان انطلق منهما ابن تيمية في ردوده على الفلسفة والتصوف والكلام، لوضع نظرية العلم الاسمي، وهي التي انطلق منها ابن خلدون كذلك لوضع نظرية العمل الاسمي» . [9]
3-محمد جلال شرف: «هذا مظهرٌ آخر من مظاهر النقد الفلسفي للمشائية الإسلامية بعد ابن سينا، يتجلى بوضوح في شخصية ابن تيمية المتكلم السلفي، وكان من الممكن أن نتخذ منه نموذجًا فريدًا لهذا النقد نستغني به عن كل ما سلف، فلم يترك فكرة أو شخصية إلا وتعرض لها بالتحليل والفحص على أساس من العقل والنقل.
ويرجع الفضل في ذلك كله إلى ظهوره في عصر متأخر بعد أن نضج الفكر الإسلامي واتخذ طريقًا واضحًا، مما أعان ابن تيمية على الاطلاع الكامل لهذا التراث الفلسفي، فكان يستعين بالمتكلمين على الفلسفة والعكس صحيح». [10]
4-عبد الحكيم أجهر: «إن رؤيته للعالم تتمتع بتماسك ذاتي كافٍ يقوم على أسس فلسفية ومنطقية واضحة وصلبة.. ابن تيمية صعب ثانيًا: بسبب تعرضه لقضايا فلسفية عويصة تعكس معرفة هذا الرجل بالتراث الفلسفي السابق عليه، والذي أتى على الأغلب من مصادر عربية إسلامية، والأمر هنا لا يقتصر على مناقشته تلك القضايا فحسب، بل في تبنّيه هو لقضايا فلسفية معقدة يريد تأسيسها وتقديمها كبديل عن الخطابات العقلانية السابقة عليه» . [11]
5-عبد الفتاح أحمد فؤاد: «كان الشيخ خبيرًا بمذهب فلاسفة اليونان القدماء، فضلًا عن معرفته الواسعة بآراء فلاسفة الإسلام، ولا يتضح ذلك فقط عندما يكون بصدد عرض الخطوط العريضة لمذاهب الفلاسفة، وإنما يتضح أيضًا عندما يورد التعريفات الدقيقة للمعاني الفلسفية كتعريف أرسطو للمكان على سبيل المثال.. وها نحن نجدّد الدعوة إلى إنشاء كرسي للإمام ابن تيمية في بعض أقسام الفلسفة في جامعاتنا» ! [12]
لو ذهبت أتتبع مثل هذه الأقوال لجاء من ذلك كتيّب لا بأس به.
أريد أن أصل؛ إلى أنه إذا كنا نحنُ دراويشَ السلفية - وفينا عبد الصمد شرف الدين، ومحمد رشاد سالم، ومحمد خليل هراس - قد أُصبنا بما أصبنا به، فكيف جاز أن يُخدع هؤلاء بالقيمة الفكرية لتراث ابن تيمية في الفلسفة؛ ثم لا ينكشف أمره إلا لصاحب هذا العقل الفَرْد؟
المحور الثاني: تأخُّر دراسة ابن تيمية للفلسفة:
قال ص10: «نشأ ابن تيمية نشأة علمية حنبلية سلفية، فقد اعتنى بسماع الحديث، وبدروس التفسير والفقه، ولم نجد له أي دراسة أو اعتناء بكتب الفلسفة والمنطق، إلا أن دخوله في صراعات كثيرة مع المتكلمين، والشيعة لاسيما الباطنية منهم، وغلاة الصوفية؛ قاده إلى البحث عن جذور مقالاتهم عند الفلاسفة، والتفتيش عن عضد «عقلي» يستعين به على إثبات العقائد «السلفية» .
سأحاول أنا تلميذ السلفية استعمال العقل هذه المرة؛ لأثبت من نصوص صاحبنا - ومن غيرها - أن ابن تيمية عرف الفلسفة مبكرًا، مبكرًا جدًا.
1-إنما درس ابن تيمية الفلسفة لتكون له عضدًا عقليًا يستعين به على إثبات العقائد السلفية.. ماذا لو علمنا أن ابن تيمية قد ألّف مصنفًا قديمًا يردّ به على المتكلم الرازي وهو دون الثلاثين من عمره؟ فما دام أنه درس الفلسفة لتكون له عضدًا عقليًا.. فيكون قد درسها في العشرينات من عمره لا ريب.
قال ابن تيمية: «وقد بسطنا الكلام على ما زعمه هؤلاء من أن الاستدلال بالأدلة السمعية موقوف على مقدمات ظنية، مثل نقل اللغة والنحو والتصريف ونفي المجاز والإضمار والتخصيص والاشتراك والنقل والمعارض العقلي بالسمعي، وقد كنا صنفنا في فساد هذا الكلام مصنفًا قديمًا من نحو ثلاثين سنة» . [13]
قال محمود الكردي: «يذكر ابن تيمية في كتابه «درء تعارض العقل والنقل» أنه صنف مصنفًا قديمًا من نحو ثلاثين سنة.. فإذا كان الدكتور محمد رشاد سالم يرجح أن يكون كتاب «درء تعارض العقل والنقل» قد كتب بين سنتي (713-717) .. معنى ذلك أنه يمكن أن نفترض أن كتابه الأول وضع وعمره عشرون سنة». [14]
قال ص10: «لو حاولنا تحديد هذا التاريخ بدقة؛ فإننا قد نجد أنه كان بعد سنة 710، واستمر هذا الاعتناء إلى وفاة ابن تيمية في السجن. ومما يدل على صحة هذا الرأي أن أهم كتب ابن تيمية التي حوت مناقشاته للفلاسفة، أو إيراده لأقوالهم، كتبت بعد سنة 710 تقريبا، مثل: «درء تعارض العقل والنقل» .. ».
2-كيف يكون اعتناء ابن تيمية بكتب الفلسفة بعد سنة (710) ، والدليل على صحة ذلك أن أهم كتبه التي حوت مناقشاته للفلاسفة كتبت بعد سنة (710) تقريبًا؟
أليس من «الفكر المنطقي» ونحن نحاول تحديد التاريخ بدقة أن يكون هذا التاريخ قبل سنة (710) وليس بعدها، ولاسيما أن صاحبنا قد نبّهنا إلى أن قدرات ابن تيمية العقلية ليست بتلك التي كنا نظن..
لا بد أنه احتاج إلى زمن قبل هذا التاريخ يفتّش فيه عن عضد عقلي يستعين به..
ص10: «وفي النصيحة الذهبية، المنسوبة للذهبي، نص يفيدنا كثيرًا في هذا الأمر، إذ يقول الذهبي مخاطبًا ابن تيمية: «فإلى كم ننبش دقائق الكفريات الفلسفية لنرد عليها بعقولنا، يا رجل قد بلعت سموم الفلاسفة ومصنفاتهم مرات، وبكثرة استعمال السموم يدمن عليها الجسم وتكمن والله في البدن» .
ويقول فيها: «أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل» .
فهذا يدل على تأخر قراءة ابن تيمية لهذه الكتب، فالعقد السابع من عمر ابن تيمية كان بعد سنة 720 إلى وفاته سنة 728 عن 68 سنة».
3-أ- «وفي النصيحة الذهبية المنسوبة للذهبي.. يقول الذهبي» ؟ ألا يقال: «جاء في النصيحة المنسوبة للذهبي: فإلى كم» ؟
ب- ها هنا عقلٌ يريد أن يمهِّد لدرس فلسفي: «سيكون له الأثر الكبير على الفكر الإسلامي بصورة عامة» ، لكن استظهارات هذا العقل تكشف عما يُمنى به الإنسان حين لا يوفَّق في الموازنة بين طموحه وإمكاناته.. أيفهم صبيٌّ يتوسَّم فيه أهله النَّجابةَ من هذا النّص أنه: «يدل على تأخر قراءة ابن تيمية لهذه الكتب» ؟
ناصح يصرخ ويقول لابن تيمية: «إلى كم ننبش دقائق الكفريات الفلسفية» اتركها يا رجل فقد أفنيت عمرك فيها: «إلى كم» ، «قد بلعت سموم الفلاسفة ومصنفاتهم مرات» لكثرة ما قرأتها وتوافرت عليها، أما آن لك: و «أنت في عشر السبعين» وقد كَبَرت سنُّك فليس يليق بك أن تشتغل بالفلسفة في هذه السن إن كان يليق بك الاشتغال بها زمن الشباب.. أما آن لك أن تنزع عنها: «وقد قرب الرحيل» .
أفهذا الصراخ الذي يوقظ العقول: «يدل على تأخر قراءة ابن تيمية لهذه الكتب» ؟ أعانك الله على عقلك.