4-ما في كلام ابن تيمية هنا يغنينا عن كلِّ ما كنا فيه، لولا ما بُلينا به من هذه الرُّعونة، قال ابن تيمية: «وقد كنت (في أوائل معرفتي بأقوال الفلاسفة بعد بلوغي بقريب) ، وعندي من الرَّغبة في طلب العلم، وتحقيق هذه الأمور، ما أوجب أني كنت أرى في منامي ابن سينا وأنا أناظره في هذا المقام، وأقول له: أنتم تزعمون أنكم عقلاء العالم وأذكياء الخلق، وتقولون مثل هذا الكلام الذي لا يقوله أضعف الناس عقلًا؟ وأورد عليه مثل هذا الكلام فأقول: العقل الأول إن كان واحدًا من جميع الجهات فلا يصدر عنه إلا واحد، لا يصدر عنه عقل ونفس وفلك، وإن كان فيه كثرة، فقد صدر عن الواحد أكثر من واحد، ولو قيل: تلك الكثرة هي أمور عدمية، فالأمور العدمية لا يصدر عنها وجود ..» . [15]
المحور الثالث: اعتمادُ ابن تيمية على مصادر غير دقيقة في حكايته لمقالات فلاسفة اليونان.
قال ص16: «وسبب هذه المعرفة المشوهة هو أن ابن تيمية لم يطلع على النصوص الأصلية للفلاسفة اليونانيين، سواءً بلغتهم (لعدم معرفته باليونانية) ولا على النصوص المترجمة لفلاسفة اليونان. وواضح أن ابن تيمية اعتمد على مصادر غير دقيقة في حكايته لمقالات فلاسفة اليونان» .
وصاحبُنا باحث؛ لكن عن حتفِه بِظَلْفِه، فهو يضرب نصوص كتابه بعضها ببعض فلا يدري من أين يؤتى:
قال ص3: «الموضوع كبير جدًا ويحتاج إلى دراسات كثيرة معمقة وتفصيلية، تناقش مدى فهم ابن تيمية للمسائل الفلسفية التي تعرض لمناقشتها، وكذلك مدى دقته في عزوه للمسائل والأقوال إلى أصحابها، ودراسة أثر بعض كبار المفكرين من الفلاسفة والمتكلمين على ابن تيمية، كالغزالي، وفخر الدين الرازي، وأبي البركات البغدادي، وشهاب الدين السهروردي، وابن رشد وغيرهم» .
ص20: «وقد اعتمد ابن تيمية أيضًا على نقل ابن ملكا عن هذا الكتاب؛ حيث قال عن أرسطو: «وكلامه في مسألة العلم معروف مذكور في كتابه (ما بعد الطبيعة) وقد ذكره بألفاظه أبو البركات صاحب (المعتبر) وغيره» .
ص28: «ابن ملكا: وهو أعظم الفلاسفة تأثيرًا في ابن تيمية» .
ص21: «أكثر ابن تيمية من النقل عن كتب ابن رشد، بل يكاد يكون نقلها كاملة في كتبه» .
ص27: «ما الذي استفاده ابن تيمية من الفلسفة، وماالذي أخذه منها؟ هذا جانب مهم من جوانب ابن تيمية الفكرية؛ أغفله الدارسون، فلا نكاد نجد من دراسات في هذا الجانب إلا دراسة عبد المجيد الصغير « مواقف رشدية عند ابن تيمية» ، وبعض الإشارات عند باحثين وعلماء آخرين، مثل الشيخ محمد زاهد الكوثري، [16] ود. محمد علي أبو ريان».
لو كان صاحبنا على شيءٍ من النباهة، والاطلاع على تاريخ الفلسفة الإسلامية؛ لما ذكر: « أن ابن تيمية اعتمد على مصادر غير دقيقة في حكايته لمقالات فلاسفة اليونان» ؛ ثم ذهب في هذه النصوص التي سقتُها عنه يثبت ـ في سذاجة ـ الأثر البالغ لأبي البركات هبة الله ابن ملكا وابن رشد في ابن تيمية.
أيّ خير لك في أن تثبت أثر هذين الفيلسوفين في ابن تيمية وتدعو إلى دراسة ذلك؛ وأنت تزعم أن معرفته بمقالات فلاسفة اليونان: «معرفة مشوهة» ؟ ألا تعلم أن ابن ملكا وابن رشد هما الفيلسوفان اللذان خلَّصا التراث اليوناني من اشتباكه، وحرّرا النص الأرسطي كما لم يحرره أحد؟ فإثباتُ أثرهما في ابن تيمية والحديثُ عن شدَّة عنايته بمؤلفاتها؛ فيه أن ابن تيمية قد عرف مقالات فلاسفة اليونان - ولاسيما أرسطو - في أدق صُوَره وأجلاها؟
لو قد كددتُ ذهني وأجهدت خاطري لأُثبت دقّة اطلاع ابن تيمية على تراث فلاسفة اليونان؛ لما تيسّر لي بمثل ما أفادنيه صاحبنا من هذه الطريقة هنا، فاللهم كثِّر في الثالبي تراث ابن تيمية من أمثاله!
قال محمد علي أبوريان: «إن الاتجاه الأول في الفلسفة الإسلامية لم يكن مشائيًا كما اعتقد جمهرة المؤرخين بصدد ما كان أفلاطونيًا مستترًا تحت ستار أرسطي مزعوم، إذ أن لبّ نظرية الفيض إنما يرجع إلى أفلاطون الحقيقي، وكان لا بد من الكشف عن هذا التيار الأفلاطوني الكامن في بناء الفلسفة الإسلامية الأولى.
وقد تصدى لهذا العمل النقدي الكبير فيلسوف هو أبوالبركات البغدادي [ابن ملكا] الذي يعتبر (عمانويل كانت الفلسفة الإسلامية) ، [17] إذ أنه كان على مفترق الطرق إلى ظهور مدرسة أفلاطونية واضحة المعالم تتعصب لأفلاطون وهي المدرسة الإشراقية، ومدرسة أرسطية يتزعمها ابن رشد». [18]
جاء النص المشائيُّ في بداية معرفة العرب بالفلسفة اليونانية متداخلًا مع غيره، يصعب فيه تبيّن أفلاطون من أرسطو، وأرسطو من أفلوطين، وبدا ذلك واضحًا عند الفارابي في «الجمع بين رأيي الحكيمين» أفلاطون وأرسطو، وهو يجمع بين أفلاطون ونفسه! وابن سينا وهو يشرح «أثولوجيا» أفلوطين ظانًا أنها لأرسطو، والغزالي الناقد للإنجاز الفلسفي دون النص المنطقي الذي تبع فيه ابن سينا، حتى قام ابن رشد بجِلاء النص الأرسطي المثقل بالشرح العربي، وحرّره من اشتباكه بعد أن اختلط فيه النص بالشرح، وأفلاطون بأرسطو، وأرسطو بالفارابي، وأفلاطون بأفلوطين، فتحددت ملامح أرسطو. [19]
كان ابن تيمية يعلم هذه المزية في كتب هذين الفَيلسوفيْن فأولاهما من العناية ما لم يوله غيرها، قال: «فهذا من كلام أبي البركات على قول أرسطو، وهو أقرب إلى تحرير النَّقل وجودة البحث في هذا الباب من ابن رشد، وابنُ رشد أقرب إلى جودة القول في ذلك من ابن سينا، مع غلوّه في تعظيم أرسطو وشيعته» . [20]
وقال: «بل وهذا هو المنقول عن أكثر الفلاسفة أيضًا، كما ذكر أبو الوليد ابن رشد الحفيد، وهو من أتبع الناس لمقالات المشائين: أرسطو وأتباعه، ومن أكثر الناس عناية بها، وموافقة لها، وبيانًا لما خالف فيه ابن سينا وأمثاله لها» . [21]
وما ذكرته هنا ليس إلا دليلًا واحدًا ـ في جملة أدلةٍ كثيرةٍ نواهض ـ تشهد على زُور ما ذهب إليه.
وهنا معنى مهمٌّ أودُّ أن أُنبه عليه: حاولتُ في قراءة بعض المحاور أن أُرتِّب الجواب على نصوص صاحبنا نفسه، فربمّا جاء الجواب ضيِّقًا، فلم تكن معرفة ابن تيمية بالفلسفة هو ما أفاده من طريق هذين الفيلسوفَيْن ثم ينتهي الأمر، فله من الاستدارك عليهما، والبصر بأقوال الفلاسفة، وتحقيق النقول عنهم، والعناية بموارد كلامهم.. ما يحارُ له قارئ تراثه. وعندنا من النصوص في ذلك خيرٌ كثير .. فإن عاد صاحبنا عدنا له!
لست أزعم أن ابن تيمية لم يتطرق إليه الخطأ في بعض كلامه على الفلسفة اليونانية وفلاسفتها، فهو كغيره من العلماء يصيبه ما يصيبهم، لكن فرقٌ بين أفراد الأخطاء التي لا يسلم منها مؤلف؛ وبين الاتهام: «بالمعرفة المشوهة» الذي يسقطه الاطلاع على مجموع كلام ابن تيمية في الفلسفة.
وإنشاء الكلام هكذا عفوَ الخاطر كلُّ أحدٍ يستطيعه، فليس أكثر من هذر العامة في مجالسهم.
قبل أن أختم الحديث عن هذا المحور ـ وهو عندي من أهم المحاور ـ سأكشف عن حيلة أخَّرتُ الكلام عليها، كان صاحبنا تحيَّلها ليتوصل بها ـ مع غيرها ـ إلى ضعف معرفة ابن تيمية بالفلسفة، وأنه اطلع عليها في مصادر غير دقيقة، لكن هذه الحيلة تكشّفت بحمد الله.
مارس صاحبنا في هذا «المدخل المظلم» نوعًا من التعتيم الإعلامي في حق شخصية فلسفية سيفسدُ عليه ذكرُها كثيرًا مما أراد أن يتحيَّفه من عقل القارئ.
كنت اصطنعت أَوَّلَ ولوجي هذا المدخلَ شيئًا يشبه ذاك الذي يضعه مرتادو الأغوار والكهوف على رؤوسهم فينير لهم الطريق..