وقد وجَّهتُ النور إلى هذه الظلمات فألفيتهُ من خَلَلِها بعمامته، قاعدًا ثمَّ على حصير في إحدى مدارس دمشق يأخذ في درسٍ للفلسفة؛ سيفَ الدين الآمديَّ، قد أبصرتك...
قال ص5: «لم تخرج الشام فيلسوفًا كبيرًا، مع أنه دخلها جمع من الفلاسفة، لاسيما متفلسفة الصوفية، أما في عصر ابن تيمية ما بين عامي 651-750 فلا نكاد نجد فيلسوفًا كبيرًا سواءً في مصر أو الشام أو العراق إلا ما ندر بل إننا نعجب من قلة المشتغلين بالعقليات من فلسفة ومنطق وطبيعيات في ذلك العصر، وقد جردت جملة من الكتب التي أرخت لتلك الفترة، وبحثت عن كل من قيل عنه أنه فيلسوف أو منطقي، فلم أجد إلا عددًا قليلًا سأذكرهم هنا» .
لقد تحدَّث صاحبُنا عن أثر بعض الفلاسفة في ابن تيمية فيما سقناه من نقول عنه وفيما لم نسقه، لكنه في بحثه كله لم يغلط مرة فيذكر سطرًا واحدًا عن أثر الآمدي في ابن تيمية، إلا أن يكون: «شديدُ ظهوره أخفاه» !
لن أُخدع بما بين عامي (651-750) هذه، وسأرجع قليلًا إلى عام (631) تاريخ وفاة الآمدي في دمشق قبل ولادة ابن تيمية بثلاثين سنة (661) ، لأن ثلاثين سنة ليست تجعله من أهل القرن الثاني فلا يذكر في جملة الفلاسفة في عصر ابن تيمية، ولأن من يدعو جاهدًا إلى دراسة أثر بعض الفلاسفة في ابن تيمية كابن ملكا وابن رشد لا يستقيم له أن يتجاهل الفيلسوف الآمدي المتوفى في دمشق، ولاسيما وأن ابن تيمية نفسه كان من المعتنين بتراثه والمثنين عليه. [22]
لقد تحيَّل هذه الحيلة في مادة بحثه؛ ليقطع الصلة بين ابن تيمية الدمشقي، والإرث الفلسفي الذي خلَّفه الآمديُّ إنْ في كتبه أو في تلامذته في دمشق، وليصل إلى أن ابن تيمية إنما كان فقيهًا حنبليًا احتاج إلى سند عقلي..
عُرف أبو الحسن علي: «سيف الدين الآمدي» عند كثير من القراء أصوليًا متكلمًا بكتابه «الإحكام في أصول الأحكام» و «غاية المرام في علم الكلام» و «أبكار الأفكار» .. لكنه أيضًا فيلسوف بكتابه «دقائق الحقائق» و «رموز الكنوز» و «كشف التمويهات» ، وبكتابه «المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين» : الذي يمثِّل النضج الفلسفي بعدَّة ألفاظه ودقة قراءته الفلسفية على اصطلاح الفلاسفة، وفق نظام ميسّر مستمد من أعمال أرسطو والفارابي وابن سينا. [23]
توجّه الآمدي إلى دمشق سنة (617) بعد وفاة أمير حماة، واستقر فيها إلى أن توفي سنة (631) ، وقام فيها بتدريس الفلسفة في دروس خاصة، وكان ممن تلمذ له فيها ابن أبي أصيبعة [24] الذي قرأ عليه كتابه «رموز الكنوز» ، لما كان بينه وبين أبيه من صلة.
كان الآمدي واحدًا ممن قرأهم ابن تيمية بعناية، [25] ولعل هذا الذي حجبتْه عنا ظلُمات الهوى فأريد له أن يغيب، يكشفُ بَعد رؤيته عن جانب مهم من جوانب البناء المعرفي عند ابن تيمية.
لم لا يكون ابن تيمية أخذ عن تلامذة هذا الفيلسوف، إن لم يكن في درس منتظم، فلا أقلَّ من مذاكرة واستفادة؟
أما معرفة ابن تيمية بتراثه فهذا ثابت من أقواله نفسها وكثرة تردد ذكره في كتبه: «حتى إن من الحكايات المشهورة التي بلغتنا أن الشيخ أبا عمرو بن الصلاح أمر بانتزاع مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي، وقال: أخذُها منه أفضل من أخذ عكّا، مع أن الآمدي لم يكن أحد في وقته أكثر تبحرًا في العلوم الكلامية والفلسفية منه، وكان من أحسنهم إسلامًا وأمثلهم اعتقادًا» . [26]
المحور الرابع: بناءُ ابن تيمية دراستَه للفلسفة على «التلفيق» و «النفعية» :
فُتِنَ صاحبنا بهذا الكشف فكرَّر هذا المعنى في بحثه عدة مرات، ما إن يضعف نَفَسُ البحث عنده؛ حتى يلقي بهذا القول ليفجأَ به القارئ فيصرفه بجرأته عن قيمة ما يقرأ.
قال ص11: «فابن تيمية لم يدخل عالم الفلسفة دارسًا محايدًا أو متعلمًا، بل دخله مخاصمًا مجادلًا، حيث درس الفلسفة دراسة «نفعية» ، فابن تيمية بنى دراسته للفلسفة على «التلفيق» ففي أي مسألة يريد أن يرد على خصومه فيها يبحث عن أي قول لأي فيلسوف يرد على هذا القول؛ سواء كان الفيلسوف مشائيًا أو إشراقيًا أو غير ذلك، وفي المسألة التي يقول بها يبحث ابن تيمية عن أي قول لأي فيلسوف يؤيدها مهما كان مذهبه».
ص22: «والملاحظ على نقد ابن تيمية للفلاسفة المشائين اعتماده على التلفيق، فهو يلفق ردوده من ردود الغزالي والشهرستاني عليهم..» .
ص28: «واستفاد ابن تيمية من رد بعض الفلاسفة على بعض، فاستفاد من ردود ابن رشد على ابن سينا، وردود السهروردي على كثير من الفلاسفة، وردود ابن ملكا على الفلاسفة، وردود ابن سبعين على غيره، فابن تيمية يأخذ من كلام الراد ليبطل به كلام المردود عليه؛ هذا في المسائل التي يكون الراد موافقًا لابن تيمية فيها، أي أن ابن تيمية عندما يريد الرد على قول لأحد الفلاسفة يأخذ أي رد على هذا القول لأي فيلسوف آخر » .
1-أتعبني تتبُّع نصوص البحث وضمُّها إلى نظائرها حتى أُحسنَ قراءتها، ففي النصوص السابقة التي أوردتُها من بحثه وفي هذه؛ نرى أن المعنى الواحد يفرّق ويوزّع ويكرّر في البحث كله حتى يملَّه القارئ، فما هنا: ص11ثم ص22 ثم ص28، والمعنى في كُلٍّ واحد. وعهدي بأن للمفكرين عنايةً بالمنهج وطرائق التنظيم الفكري، إلا أن يكون صاحبنا ما حُنّك بَعْدُ «بأرجانون» بيكون، و «مقال» ديكارت، و «إصلاح» اسبينوزا، و «فن التفكير» عند فلاسفة «بورريال» ، [27] فسنمهله إلى أن يَلْثَغَ بها ثم نقبل منه شيئًا من كلامه على المنهج.
2-هل يظن صاحبنا أني أجَّرتُ عقلي له، يقسمني مع القراء في فريقين: يقول لهذا الفريق: قل: كان ابن تيمية؛ فيردّ الفريق الآخر: ملفقًا نفعيًا يأخذ من هذا فيردُّ به على هذا؟
إنه لم يورد في هذه المواضع كلها نصًا يستشهد به على ما ذهب إليه.
3-الهدمُ أيسرُ من البناء لا شك، وأنا فأستطيع أن أُورد على صاحبنا شبهةً من الكلام يكلِّفه ردُّها ثلاث سنوات من البحث الجادّ، وحتى أكون صادقًا مع نفسي وصاحبي وقارئي؛ فإن الكلام في المنهج من أعقد مشكلات المعرفة، فكيف إذا كان عن ابن تيمية؟ بل كيف إذا كان عن منهج ابن تيمية في ردوده على الفلاسفة؟
فدراسة منهج ابن تيمية في ردوده على الفلاسفة تحتاج إلى:
1-دراسة تراث ابن تيمية في هذا الجانب بعناية.
2-دراسة ما يتّصل بهذا التراث من كتب ابن القيم فهي تشرحه وتتمِّمه.
3-دراسة ما يتصل بهذا المنهج من نظريات المعرفة.
4-دراسة المنهج في التراث الفلسفي خاصة.
5-دراسة مناهج أبرز الفلاسفة في ردودهم.
فهل قام صاحبنا بهذا وهو يتحدث عن منهج ابن تيمية في ردوده على الفلاسفة؟ كلا، وكلامه يشهد على هذا، وأنا أيضًا لم أقم به، وهو حريٌّ بدراسة مفردة جادة.
لذا فإن قراءتي لكلام صاحبنا هنا لن تعدو ما أَوْرَده، فهي قراءة لمنهج ابن تيمية في هذه الجزئية، وهذا الذي اصطنعناه هنا، منهجٌ أفدناه من بعض ما قرأناه من ردود، وهو مثَلٌ على الاستفادة من نتاج العقول بضابطه.
هل ما كان يقوم به ابن تيمية «تلفيقًا» كما فهم صاحبنا، أم هو عملٌ ينمُّ على عمق اطلاع ابن تيمية على مناهج الفلاسفة؟
لما أراد ابن تيمية أن ينقض على الفلاسفة أقوالهم؛ عمد إلى الفلسفة من الداخل فنقضها بأدواتها وليس بشيءٍ خارج عنها، وكان من المنهج سلوك طريق الفلاسفة أنفسهم مع بعضهم البعض في جدلهم: «هذه الحركة الديالكتيكية هي ماهية الفلسفة» .
إن شأنه شأنُ كلِّ المفكرين، ينقد وجهات نظر من قبله ثم هو يأخذ منهم في الوقت نفسه، وهذا يشبه قانون الفكر..