فهرس الكتاب

الصفحة 711 من 1942

ولأن من أصل المغالبة إظهارَ مواطن الضعف في دعاوى الخصم إذا سنحت الفرصة، ولاسيما وأنه لم يكن يلتزم مقتضيات العرض المنهجي، بل كانت دواعي المجادلة هي الحاكمة لأن المسلك الطبيعي لديه كان أقوى من المسلك الصناعي. [28]

قال عبدالرحمن بدوي في كلام يذهب فيه إلى إثبات شيءٍ آخر مغاير تمامًا لما نحن فيه، لكنه يوضّحه: «قال هيجل إن تفنيد الفلاسفة بعضهم لبعض يحدث: «دون أن تختفي الفلسفات السابقة في مذاهب الفكر اللاحقة» . فمثلًا تفنيد أرسطو لمثالية أفلاطون لم تمنع أرسطو من الاحتفاظ بفكرة الصورة في نظرية العلل عنده.. وتفنيد كَنْت لمذهب ديكارت لم يمنع كَنْت من الحفاظ على مقالة «أنا أفكر، فأنا إذن موجود» في مذهبه هو. والذي يحدث هو أن المبدأ الأساسي في فلسفة ما ينزل إلى مرتبة ثانوية في مرتبة لاحقة.. هذا التغيير للمكانة يكفي لإبعاد شبهة «التلفيق» [!] عنها..

ولنضرب مثلًا بفلسفة أفلاطون: «إننا لو أخذنا محاورات أفلاطون، لوجدنا في بعضها طابعًا إيليًّا، وفي بعضها الآخر طابعًا فيثاغوريًّا، وفي بعضها الثالث طابعًا هيرقليطيًّا، ومع ذلك فإن فلسفة أفلاطون قد وحّدت بين هذه الفلسفات المختلفة معدّلة من نقائصها» .. وعلى الرغم من أن كل مذهب لاحق لا بد له لتبرير وجوده أن يفند آراء المذهب أو المذاهب السابقة عليه، فإن «هذه الحركة الديالكتيكية هي ماهية الفلسفة نفسها» . [29]

5-هل كان ابن تيمية إلا واحدًا من العلماء؛ ليس ينفكُّ عن نظرية التراكم المعرفي وأثرِها في صياغة العقل الإنساني؟

وهذا المعنى هنا واحد من أعظم الفروق بين نتاج العقل التراكمي و «الوَحْي» المؤسِّس.

هذا الوحي الذي كان ابن تيمية عظيمَ الاحتفاء به، حتى إنه صارع هذا الصراع العقليَّ العنيفَ ليخضع عقولَ الفلاسفة الآبقة ويردَّها لسلطته.

أين هذا من عمل أذلِّ عقلٍ في تاريخنا الحضاري؛ ابن رشد، وهُوَ يقول عن متألَّهه أرسطو: «إن مؤلف هذا الكتاب هو أعقل اليونان، أرسطوطاليس بن نيقوماخس، الذي وضع علوم المنطق والطبيعيات وما بعد الطبيعة وأكمَلها، وقد قلتُ: إنه وضعها، لأن جميع الكتب التي أُلِّفت قبله عن هذه العلوم لا تستحق جُهد الحديث عنها، ولأنها توارتْ بمؤلفاته الخاصة، وقد قلت: إنه أكملها، لأن جميع الذين خلفوه حتى زمننا، أي في مدة خَمسَةَ عَشر قرنًا، لم يستطيعوا أن يضيفوا شيئًا إلى مؤلفاته أو أن يجدوا فيها خطأً ذا بال، والواقع أن جميع هذا اجتمع في رجل واحد، وهذا أمرٌ عجيبٌ خارق للعادة، وهو إذ امتاز على هذا الوجه يستحق أن يدعى إلهيًّا أكثر من أن يدعى بشريًا، وهذا ما جعل الأوائل يسمُّونه إلهيًّا» ! [30]

وفي ضوء هذا النص نعرف معنى القول الساقط الذي مرّ معنا لعبدالمتعال الصعيدي: «وكان ابن رشد الفيلسوف الفقيه أولى أن يكون له مدرسة بعده من ابن تيمية، ليسير المسلمون بها في سبيل التجديد الصحيح، ويجمعوا بها بين علوم الدين وعلوم الفلسفة، فهذا كان خيرًا من مدرسة ابن تيمية التي جمدت بعده على تقليده.. » .

أين التقليد يامولانا الشيخ عبدالمتعال؟

متابعة عقل مستعبد كان أكبر أوصافه أنه: «شارح أرسطو » ، أم التوافر على درس تراث عالم أحد أوصافه أنه: «ناقض أرسطو» ؟

6-هذه «النفعيّة» ما وصفها من مذاهب الفلاسفة؟ أهي نفعية السوفسطائيين، أم نفعية البراجماتية، أم نفعية بنتام؟

أم هي لفظة يهمسُ بها عاميٌّ في أذن صديق له في مجلس لينال بها من أحد الداخلين؟

إنه لمن الشناعة أن يوصف في دراسة كاتب مسلم؛ جُهد مَن كان يناضل عن «الوحي» لينقذ العقل من أسر تلك التصورات اليونانية الوثنية المضحكة؛ من الشناعة أن يوصف هذا الجهد السامي الغاية، والبالغ الأثر، بكلمة توحي في بعض ظلالها: «باللؤم العقلي» .

«وابن تيمية بهذا الموقف يكشف عن غيرة دينية منقطعة النظير، كما يكشف في نفس الوقت عن الفيلسوف العملي الذي يرى أحقية الأشياء وصدقها في «نفعها» العام لبني البشر، وأكثر القضايا التي تقررها الأديان من قبيل القضايا التي دافع عنها ابن تيمية». [31]

ما هنا لا يفي بدراسة منهج ابن تيمية في ردوده على الفلاسفة، لكنها إشارة إلى هذا المنهج، وإن طبيعة القراءة والبحث لا تسمح بأكثر من هذا.

المحور الخامس: مآخذُ أَخَذها الباحثُ على ابن تيمية:

أعلمُ أن المؤلف حين يكتب فهو يقول: هاؤم عقلي فانظروا فيه، وأنا قد نظرتُ فوجدت شيئًا يشبه العقل وما هو به:

لأنه من العقل إذا ما أردت أن تقوّض مدرسة من المدارس؛ أن تعمد إلى ضعيف ممن يمثِّل هذه المدرسة فتفترسه..

لا أدري ما الذي صرف صاحبنا عن هذه الخطة؟ أمّا أن يبتلى فيُجادِل في العلم واحدًا من أكبر العلماء في تاريخ العلم، ويجالِده بعدُ في الفهم؛ فهذه والله ورطة ما أعدّ لها صاحبنا عدّتها.

ومن أراد أن يجادِل ويجالِد ابنَ تيمية في العلم والفهم، فعليه أن يكون حذرًا غاية الحذر من أن يجادَل ويجالَد، فيراجع علمه مرّات، ويعود على فهمه بالتهمة كرّات.

والحقُّ أنه ليس «يَغُضُّ» من قيمة عالم متماسك البنيان المعرفي عندي؛ أَنْ جَهِل ونسي هنا، أو أخطأ هناك، لأن المعرفة المطلقة التامة مستحيلة، فأفراد العلوم لا تتناهى، ولأن الإنسان مهما بلغ من العلم والفهم فإنه يجري عليه من الخطأ والغفلة ما هو من لازم كونه إنسانًا.

فما جئتُ هنا لأقول: إن ابن تيمية لا يغلط كحال من لا أحبُّ له أن يقول ذلك، لكن جئتُ لأقول: إن شهوة النقد ضربتْ عقل صاحبنا فأصابته بالحَوَل الفكريِّ فلا حَوْل ولا قوّة إلا بالله!

وبسبب هذا سأبدأ القراءة بالمقلوب، أعني بصفحة 22، ثم ص15 ليكون أيسر على صاحبنا:

أولًا: قال ص22: «قال ابن تيمية عن فلاسفة الصوفية: «.. وأما الإيمان بالرسل: فقد ادعوا أن خاتم الأولياء أعلم بالله من خاتم الأنبياء، وأن خاتم الأنبياء هو وسائر الأنبياء يأخذون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء، وهذا مناقض للعقل والدين» .

وبالنسبة لمسألة تفضيل الولي على النبي؛ ففي كلام ابن عربي ما يبين أنه يريد خلاف ما نقله عنه ابن تيمية، حيث يقول: «إذا رأيت النبي يتكلم بكلام خارج التشريع؛ فمن حيث هو ولي وعارف، ولهذا مقامه من حيث هو عالم وولي أكمل وأتم من حيث هو رسول أو ذو تشريع وشرع، فإذا سمعت أحدًا من أهل الله يقول، أو ينقل إليك عنه أنه قال: الولاية أعلى من النبوة، فليس يريد ذلك القائل إلا ما ذكرناه، أو يقول: إن الولي فوق النبي والرسول؛ فإنه يعني بذلك في شخص واحد: وهو الرسول عليه السلام من حيث هو ولي أتم منه من حيث هو نبي ورسول، لا أن الولي التابع له أعلى منه، فإن التابع لا يدرك المتبوع أبدًا فيما هو تابع له فيه، إذ لو أدركه لم يكن تابعًا له، فافهم» .

فابن عربي يبين أن قول الصوفية بتفضيل الولي على النبي، يريدون به أن النبي من حيث كونه وليًا لله أفضل من حيث كونه نبيًا له، ولا يريدون أن الولي (من غير الأنبياء) يكون أفضل من النبي، كما فهم ابن تيمية».

أصابت شهوةُ النقد صاحبنا بالحَوَل الفكريّ فما عاد يفرّق بين كلام ابن تيمية عن: «خاتم الأولياء» و: «الولي» . ولو كان يريد أن يذبَّ القول عن عقله؛ لاتَّهم فهمه للكلام ألفَ مرَّة قبل أن يتَّهم فهمَ أكبرِ ناقدٍ للتراث الصوفي في تاريخ الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت