فهرس الكتاب

الصفحة 674 من 1942

لاريب أن الأمر ليس كذلك ، فالسكون في أيام الفتن - مثلًا - خير من الحركة ، ورب حركة متعجلة قصد منها كسب الحرية أدت إلى الرسف في أغلال العبودية سنين طويلة ، ذلك لأن العمل عبارة عن غزو الصورة للمادة ، وإذا ما شكلت مادة ما على صورة خاطئة فإن هذا قد يعني الحرمان منها باعتبارها كمًا ، وباعتبارها كيفًا ؛ لأن أشياء كثيرة قد لا تقبل أن تتشكل إلا مرة واحدة ! ! إنه لا بد من توفر شرطين أساسيين في العمل الكريم ، هما الصواب والإخلاص ، أي القوة والأمانة ، أو القدرة والإرادة ، وإن كان بعض الأعمال يعتمد على أحدهما أكثر من اعتمادها على الآخر ؛ فأعمال الآخرة تعتمد على الإخلاص أكثر من اعتمادها على الصواب ، وإن يكن الصواب أساسيًا . وأعمال الدنيا تعتمد على الصواب أكثر من اعتمادها على الإخلاص ، فكلما كان الإخلاص أعظم كانت المثوبة أكبر ، وكلما كان الصواب أكبر كان النجاح أكثر ، تلك هي سنة الله .

وتقاس حيوية المجتمع بقدر ما يمور به من حركة الفكر واليد ؛ وعلى هذا الصعيد فقد فجر الإسلام طاقات المسلم على مستوى القيم ، وعلى مستوى الأداء بصورة قل نظيرها في التاريخ ، فشيد المسلمون في قرن من الزمان حضارة زاهرة ظلت تعطي وتقاوم عوامل الفناء نحوًا من عشرة قرون ، ثم صارت المجتمعات الإسلامية ، من أقل مجتمعات الأرض حراكًا وعطاء ، فما هو السبب الذي أفضى إلى هذه الحالة المنكورة ؟

في مقاربة أولية للوقوف على جواب هذا التساؤل الكبير ، يمكن أن نقول أولًا: إن ظاهرة كبرى كظاهرة الركود الحضاري أكبر من أن تفسر بعامل واحد ؛ ولكن بإمكاننا أن نسلط الضوء على عامل نحسب أنه كان على جانب كبير من التأثير في هذه الظاهرة ، هذا العامل هو انخفاض مستوى الإيمان بالله - تعالى - أو انخفاض جوهر ذلك الإيمان ، أعني (الصلة بالله تعالى) . حقًا لقد ظلت قيمة الإيمان في أعلى السلم القيمي للمسلمين ، ولكن ذلك وحده غير كاف لإطلاق الطاقات وتوجيهها نحو بؤرة محددة ما لم تتوفر شروط موضوعية في الإيمان نفسه ، وفي البيئة التي يعمل فيها .

وإنما كان ذلك هو السبب في تصورنا ، لأن بنية الثقافة الإسلامية تتمحور داخلها العلاقات حول ثلاثة أقطاب هي: الله - سبحانه - ، الإنسان ، الطبيعة .

وإذا أردنا تكثيف هذه العلاقات حول قطبين اثنين لكانا: ( الله ، الإنسان ) .

وأما الطبيعة فإنها هامشية نسبيًا ما أن وظيفتها تتركز في كونها إحدى الدلائل على وجود الله ، وكونها مجالًا للابتلاء ؛ فالمسلم يكتشفها ويعمرها امتثالًا لأمر الله تعالى ، وهذا على خلاف ما هو مستقر في العقل اليوناني الأوربي الذي تتمحور العلاقات فيه على الإنسان والطبيعة . أما فكرة (الإله) فيه فهي عون على كشف الطبيعة ، أي إنها تقوم بالوظيفة نفسها التي تقوم بها الطبيعة في الثقافة الإسلامية .

ومن هنا فإن تعامل المسلم مع الطبيعة ليس مباشرًا ، ونظرته إليها معيارية قيمة ؛ فعلى مقدار ما يتوهج الإيمان في صدره يكون تفاعله مع الطبيعة ويكون عطاؤه الحضاري ، فإذا ما خبا الإيمان في صدره - لسبب من الأسباب - انحبس جهده في البناء الحضاري ، أو فتر . وليس كذلك الشأن عند أهل الحضارة المادية . ولا يكفي أن يتوهج الإيمان في صدور أفراد قليلين في المجتمع الإسلامي لاستئناف مسيرة الحضارة الإسلامية ؛ لأن الحضارة ظاهرة اجتماعيه لا ظاهرة فردية .

ونلمح هذا المعنى شائعًا في الخطاب القرآني كله ؛ فكثيرًا ما تفتتح آيات الأوامر والنواهي بـ { يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا .. } وكثيرًا ما تختتم بـ { إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ .. } { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ .. } ؛ تذكيرًا بأن الايمان المتألق هو الذي يطلق طاقات المسلم ، ويفعل القيم لديه . ولم تشذ الآية الكريمة التي نحن بصددها عن هذا النسق حيث يقول سبحانه: { وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ورَسُولُهُ والْمُؤْمِنُونَ وسَتُرَدُّونَ إلَى عَالِمِ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فقد ربطت العمل برؤية الله تعالى لهذا العمل ومجازاته عليه في الآخرة .

وقد أدى الضعف في فاعلية المسلم وحركته اليومية إلى وجود خلل كبير في حياة المسلمين فصارت بلادهم أفقر بلاد الله ، كما أن نظامهم الرمزي الذي كان في يوم من الأيام أغنى نظم العالم بالأبطال العظام صار اليوم مجدبًا على مستوى الكم والكيف ! !

ولم يقتصر الأمر على هذا ، بل إن الأزمة على صعيد الفعل أدت إلى وجود أزمة خطيرة على صعيد (الفكر) ؛ ذلك لأن العقل عقلان على حد تعبير (لالاند) عقل فاعل ، وعقل سائد . أما العقل الفاعل فهو النشاط الذهني الذي يقوم به الفكر حين البحث والدراسة ، وهو الذي يصوغ المفاهيم ويقرر المبادئ . وأما العقل السائد فهو مجموع القواعد والمبادئ التي نستخدمها في استدلالاتنا . فليس العقل السائد شيئًا غير الثقافة . والعقل الفاعل أشبه شيء بالرحى ، والعقل السائد أشبه شيء بالقمح يلقى فيها ؛ وماذا تصنع رحى لا قمح فيها ؟ ! ومن أين ستأتي الثقافة لأمة لا تحرك يدًا ، ولا تبني نموذجًا إلا في نطاق الضرورات إن كل انحباس في حركة اليد سيؤدي الى انحباس في حركة الفكر ، وكل انخفاض في وتيرة الإيمان سيؤدي - لدى المسلم - إلى انخفاض في تردد اليد . فهل كتبنا الحرف الأول في أبجدية البداية ؟

الاستشراق ومكانته بين المذاهب الفكرية المعاصرة

د. مازن صلاح مطبقاني

المقدمة

عرف المسلمون في القديم الكتابة في الأديان والفرق والمذاهب اهتمامًا منهم بمعرفة هذه الفرق وبيان موقف الإسلام منها، وحرصًا منهم على الدفاع عن الإسلام كما يعتنقه أهل السنّة والجماعة أو الغالبية العظمى من الأمة. ومن هذه الكتب الفصل في الملل والنحل وكتاب الفرق للبغدادي ومقالات الإسلاميين للأشعري وغيرها كثير.

وظهرت في تاريخ الأمة اتجاهات فكرية كثيرة جدًا ومذاهب وطوائف كالشيعة والباطنية والأشاعرة والمعتزلة والمناطقة وغيره ولقد تصدى لها العلماء المسلمون بحثًا في معتقداتها وأفكارها وأعلامها والرد على الانحرافات في تلك المعتقدات دفاعًا عن الكتاب والسنّة.

وظهرت في العصر الحاضر كتابات تحت عنوان الغزو الفكري أو الاتجاهات الفكرية المعاصرة وأصبحت هذه الاتجاهات إحدى المواد الدراسية في المرحلة الجامعية. وقد نال الاستشراق مكانة بارزة ضمن الحديث عن الغزو الفكري وكذلك ضمن الاتجاهات الفكرية المعاصرة أو التيارات الفكرية المعاصرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت