فهرس الكتاب

الصفحة 1782 من 1942

المستقبل للإسلام

الدكتور أحمد علي الإمام

-ولد بمدينة دُنْقُلا بشمالي السودان، (1364هـ - 1945م) .. وبها تلقي الابتدائي والتوسط.. وتلقى تعليمه الثانوي في معهد أم درمان العلمي، بأم درمان.

-حفظ القرآن يافعًا.

-تخرج في جامعة أم درمان الإسلامية.

-حصل على درجة الدكتوراه من جامعة أدنبرا، بريطانيا، في علوم القرآن، مع عناية خاصة بنقد أعمال المستشرقين في لغويات وتاريخ القرآن.

-عمل محاضرًا بجامعة أم درمان الإسلامية.

-عمل في الكلية الإسلامية في زنجبار، بتنزانيا، شرق أفريقيا.

-شارك في عدد من المؤتمرات والندوات العلمية الإسلامية، في دول مختلفة، على مستوى العالم. له العديد في الدراسات والأبحاث، باللغتين العربية والإنجليزية، وبعضها منشور، ومنها ما لا يزال مخطوطّا، مما يتصل بعلوم القرآن، وتطبيق الشريعة، ومستقبل الإسلام، والجهاد في سبيل الله، ودور العرب في انتشار الإسلام في شرقي أفريقيا.

-يجيد اللغات: الإنجليزية والسواحلية، فضلًا عن العربية.

-يعمل حاليًا مديرًا لجامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية في السودان

تقديم بقلم: عمر عبيد حسنه

الحمد لله، الذي أنعم علينا بالإيمان لسبيله، وهدانا صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين.

والصلاة والسلام، على المنقذ من الضلال، خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي أخرج الناس من عبادة العباد، إلى عبادة الله، حرر العبودية، التي هي نزعة فطرية، في الإنسان، من التسلط، والاستعباد، واسترد إنسانية الإنسان، ووضع عن البشرية إصرها، والأغلال، التي كانت عليها..

وكانت النبوة، بكل المفاهيم، والاعتبارات، والواقع الميداني، والسياق التاريخي، ثورة تحرير، وانعتاق، ونسخ لألوهية الإنسان، التي تمارس تحت شتى العناوين، والشعارات، والادعاءات، لإخلاص الوجهة لله سبحانه وتعالى. ذلك أن الشر، والظلم، تاريخيًا، ناشئ، من تسلط الإنسان على الإنسان، وتعدد الآلهة، المتخذة من دون الله، والانحراف عن التوحيد، الذي يعني فيما يعنيه، مساواة الخلق أمام الخالق.. والذي لم يعرف الجاهلية، ولا يعرف الإسلام حقيقة، وبعد:

فهذا كتاب الأمة السادس والأربعون: (لمستقبل للإسلام) ، للدكتور أحمد علي الإمام، في سلسة ( كتب الأمة) ، التي يصدرها مركز البحوث والدراسات بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، في دولة قطر، مساهمة في التحصين الثقافي، والوعي الحضاري، وإعادة بناء المسلم المعاصر، وإحياء وعيه بدوره الحضاري، ورسالته الإنسانية، ووظيفته في الشهادة على الناس، والقيام لهم، إلى الخير، وإلحاق الرحمة بهم، بعد تحققه بالمرجعية الشرعية، وتبصره بالسنن الاجتماعية، في الأنفس والآفاق، التي تمثل أقدار الله ، وسننه، التي لا تتبدل، ولا تتغير، ليحسن التعامل معها، ويمتلك القدرة على تسخيرها، ومغالبة قدر بقدر أحب إلى الله، والفرار من قدر إلى قدر ، فليس الرجل الذي يستسلم للقدر، بل الذي يحارب القدر بقدر أحب إلى الله- كما يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين- وهذا لا يأتى ما لم يمتلك- إلى جانب فقه السنن- القدرة على استشراف التاريخ، واستعياب الواقع، وإبصار المستقبل، في ضوء هدايات الوحي، ومدارك العقل، وإعداد العدة المطلوبة، بإحياء فروض الكفاية، وتحقيق التخصصات المتعددة، في فروع المعرفة جميعها، والإحاطة بالعلم، وإنضاج الخبرات، والتزود بالطاقات الروحية المحركة، ليتخلص المسلم، من العطالة، ويستأنف دوره من جديد، على هدى وبصيرة.

وقد لا نأتي بجديد عندما نقول: إن الإسلام دين الفطرة، وإن الحضارة الإسلامية، هي عطاء الفطرة، وإن خلود هذا الدين، وامتداده، وقدرته على الإنتاج، والعطاء، مستمد من خلود الفطرة، التي تتأبى على التشويه، والتبديل، وتمتلك إمكانية التجاوز، والتصويب، قال تعالى: (فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ) (الروم:30) .. إن هذا الدين، فطرة الله، فقوامته، واستقامته، وقدرته على التقويم ، والامتداد، والتجدد، والتجديد، مستمدة من رصيده في الفطرة البشرية، وكأن بين الإسلام، الذي هو دين الله إلى البشرية: (إن الدين عند الله الإسلام ) (آل عمران:19) ، الذي رضيه الله لعباده: (ورضيت لكم الإسلام دينا ً) (المائدة:3) ، وبين الإنسان، الذي فطره الله على هذه الخصائص، والصفات، والمزايا، تواعد، والتقاء.. وأن المعركة الحقيقة، كانت ولاتزال، في صراع، والتدافع، بين الفطرة، التي فطر الله الناس عليها، وبين محاولات التشويه، والتبديل، والتضليل والاغتيال لهذه الفطرة.

وفي ضوء ذلك، يمكن أن نفهم قول الله سبحانه وتعالى، في الحديث القدسي: (...وإني خلقت عبادي حنفاء، كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم ) (رواه مسلم في كتاب الجنة) ..

ونفهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه أبوهريرة: (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه.. كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء ؟ ) (رواه مسلم، في كتاب القدر) .

وندرك الأبعاد الكاملة لقوله تعالى في سورة الروم: (أقم وجهك للدين حنيفًا فطرت الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لايعلمون30* منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين31 من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل حزب بما لديهم فرحون )

(الروم: 30-32) .

وفي ضوء ذلك أيضًا، يمكن أن ندرك، بأن حقائق الخلق الإنساني العضوي، والنفسي، لها من الثبات، والامتداد، والديمومة، والعطاء، كحقائق الخلق الكوني.. وإن تميزت، عنها بأهلية الاختيار..وأن رصيد الخلق في الفطرة البشرية، كرصيد الخلق في الفطرة الكونية.. وأن حقائقها، لا تقل ثباتًا وامتدادًا، عن حقائق الشمس والقمر، والكواكب، الأخرى.. وأن السقوط المستمر للآلهة المزيفة، التي أرادات تبديل خلق الله، عبر التاريخ البشري، وفتنت الناس إلى الحين، جاءت من مواضعات البشر.. وأن غياب الحضارات، واندثارها، واستمرار الإسلام، دليل على خلود هذا الدين، لأنه استجابة طبيعية لفطرة الله، التي فطر الناس عليها، وشاهد إدانة مستمر، وتأكيد على أنه لا تبديل لخلق الله، وأن العبرة دائمًا هي بالعواقب، والمآلات الممتدة، وليست بالنتائج القريبة، التي تحاول أن تختزل الخلود في لحظات مرضية، في إطار الزمان والمكان..

لذلك بالإمكان القول: إن رصيد هذا الدين، في الفطرة البشرية، أو باعتبار هذا الدين، هو دين الفطرة، أو هو الفطرة نفسها، وإنه صبغة الله سبحانه وتعالى: {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون} (البقرة:138) ، وثمره علمه المطلق، بتقلبات الزمان، والمكان، والإنسان: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير(الملك:14) ، وإذ قال ربك للملكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مالا تعلمون ) (البقرة:30) ، ونتاج عدله المطلق الذي لا يليق به غيره... إن هذا المنطلق لفطرية هذا الدين، هو الذي أهل الإسلام، ليكون دين الإنسان، وهو الفيصل الأساس، بين الإسلام، وسائر المشروعات الحضارية البشرية، والمنظومات العقائدية المختلفة، والأيديولوجيات الوضعية المتعددة.. ولعل هذا هو السر الأعظم، في خلود الإسلام، حيث تتساقط المشروعات، والحضارات البشرية، والدينية التي عبثت بها أيدي البشر.

إن الإمكان الحضاري، والقدرة على تحقيق الشهود الحضاري على الناس، والقيادة لهم، وتقويم سلوكهم، بشرع الله، الذي يمثل أساس مهمة الأمة المسلمة، الذي بينه قوله تعالى: (لتكونوا شهداء على الناس ) (البقرة:143) ، نابع من القابليات المركوزة في الفطرة لهذا الدين.

وفي نطاق هذه القدرة، المتميزة، لهذا الدين، على النهوض، وإعادة البناء، الذي اصطلحنا على تسميته:بالإمكان الحضاري، يمكن لنا أن نلمح بعض المقومات، ولعل في مقدمتها، إضافة إلى ركيزة

الفطرة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت