فهرس الكتاب
أن رصيد التجربة البشرية التاريخي، وبكل إصاباته، وإنجازاته، وسقوطه، ونهوضه، وعبره، ودروسه، انتهى إلى النبوة الخاتمة، فهي بذلك تمتلك، إلى جانب رصيد الفطرة، رصيد الفعل التاريخي، الذي يعتبر المختبر الحقيقي للأفكار، والمبادئ، والدعوات، والحضارات، والعبرات، فهي تقف على قمة التجربة البشرية، ليس وقوف الذاهل، الغافل، وإنما وقوف المبصر، الذي يمتلك أدوات النظر، ومعاييره، وقيمه.
إن الوقوف على هذه القمة الحضارية، إن صح التعبير، بكل ما فيها من نهوض، وسقوط، وكفر، وإيمان، وخير، وشر، وقوة وضعف، في أقدار التدين، سوف يمكن المسلم، من امتلاك القدرة على استشراف الماضي البعيد، والنظر إلى كيفية بدء الخلق، والتأمل في مسيرته، وما تعرضت له من عثرات، كما يمكنه من استشراف المستقبل البعيد والمآلات، والعواقب، في ضوء ذلك الماضي، الذي استقرت له، وفيه، قوانين الاجتماع البشري، والحركة التاريخية، وتأكدت فاعلية سنن الله في الأنفس، والآفاق.. وحتى لا يصيب إنسان الإسلام، الذهول، والغفلة، والعجز، والضياع، جعل الله النظر في العمق التاريخي، والتأمل في العواقب، والاهتداء إلى السنن، الناظمة للحياة، والاتعاظ بأحوال السابقين، واختصار الزمان، والتجربة، وتحقيق الوقاية الحضارية، من السقوط.. جعلها من الفروض الحضارية، أو الاجتماعية، فقال تعالى: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عقبة المكذبين * هذا بيان للناس وهدى و موعظة للمتقين ) (آل عمران:137-138)
وإذا سلمنا بأن الحاضر هو مستقبل الماضي، وماضي المستقبل، كما يقال، أدركنا الرصيد، والزاد، ومقومات الرؤية المستقبلية، التي يتمتع بها إنسان الإسلام، الذي لم يقف فيها عند حدود المحسوس، في عالم الشهادة، ويخادع ببعض النتائج القريبة، ويعيش قلق المصير، وإنما يتجاوز إلى ما وراء المحسوس، والمنظور، في عالم الشهادة، إلى التحقق برؤى مطمئنة عن العواقب، والمآلات، التي سوف تصير إليها الأمور، من خلال مقدماتها في الماضي، ونتائجها في الحاضر، الأمر الذي سوف ينتهي بها إلى إدراك مآلاتها المستقبلية، المقترنة بتوثيق الوحي، الصادق المصدوق، قال تعالى: (ولا ينبئك مثل خبير ) (فاطر:14) .
وهنا قضية، قد يكون من المفيد الإشارة إليها، ولو سريعًا، وهي أن الرؤية، التي يمنحها الإسلام للمستقبل، بشكل أخص، ولعالم الغيب بشكل أعم، ليست رؤية غائمة، حالة، طوباوية، بعيدة عن القدرة على التصور، والإحاطة العقلية بها، وإنا هي رؤية تمتلك كامل مقوماتها، وحتى مقدماتها المادية في الدنيا، ونماذج السنن، التي تحكمها، حيث يمدنا التاريخ بدليل صدقها، وفاعليتها، ويضعنا على عتبة المستقبل، متحقيقن بالزاد المطلوب.
لذلك نقول: بأن أي استشراف للمستقبل، لا يمكن أن يتحقق بدون استشراف للماضي، والتحقق به، وأي إدراك لمصير الخلق، لا يمكن أن يدرك بدون السير في الأرض، والنظر في السيرورة البشرية: كيف بدأ الخلق، قال تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ) (العنكبوت:20) .
والقرآن الكريم، لم يكتف، بتوجيه المسلم صوب التاريخ، وأمره بالتوغل فيه، واكتشاف السنن الناظمة للحركة الاجتماعية، وتسخيرها، والوقاية الحضارية من إصابتها،وتركه يمارس الاكتشاف بنفسه، وإنما زوده بهدايات الوحي، كما زوده بأدلة، ونماذج تاريخية، في القصص القرآني، تفتح بصيرته، وتقدم له القدر، الذي يشكل الأنموذج، وسراج الهداية، ودليل العمل، وبُوصلة التوجه.
والمقوم الآخر، الذي يمتلكه هذا دين، في إطار الإمكان الحضاري، أنه يتملك، دون غيره من الأديان، صحة النص السماوي، وسلامته من التحريف،والتبديل، وانتقاله بالتواتر.. وعلى الرغم من أن سلامة النص، تعتبر من لوازم الخاتمية، حيث تعني الخاتمية، في أقرب مدلولاتها، توقف التصويب من السماء، لما يمكن أن يكون من عمليات التحريف، والتبديل ، والإلغاء، فإن من خصائص الخلود أيضًا، استمرار النص سليمًا، لكل الأجيال، في كل زمان ومكان، حيث لا يعقل أن يخاطب الناس بنصوص محرفة، أو منحولة، ومن ثم يحاسبوا على مدى التزامهم، بما حمل لهم الخطاب من تكاليف، وفي ضوء ذلك يمكن أن نفهم الأبعاد الكاملة لقوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (الحجر:9) .
نقول: على الرغم من ذلك، وعلى الرغم من لوازمه المادية، وثمرته، بتعهد الله بالحفظ، فإن الخطاب السماوي في الرسالة الخاتمة، خضع لأعلى درجات التوثيق، والحفظ، والنقل، حيث بلغ حد التواتر، الذي يفيد علم اليقين، مشافهته، وكتابته، إلى درجة أصبح معها النص القرآني-بالمعايير العلمية البشرية- يعتبر أقدم وثيقة تاريخية، وردت بطريق علمي صحيح، ولذلك قد لا نستغرب، أن يدرك ذلك بعض أبناء الأديان الأخرى، ويقوده إداركه، ومنهجه العلمي الوثائقي، إلى اعتبار القرآن، هو المصدر الوحيد، الوثيق، لبيان عقائد النصرانية، واليهودية الصحيحة، وبيان ما داخلها من تحريف، وتشويه، ذلك أن المصادر الأخرى، لا يوثق بها، لا من الناحية التاريخية، ولا من الناحية العلمية، إذا خضعت للفحص والاختبار، وأن قبولها واستمرارها، محكوم بنوع من التسليم، وهالة من القدسية، تحول دون مناقشتها، وعرضها على موازين التقويم والنقد.
وهنا قضية، لابد من إثارتها، ولعلها من مقومات الإمكان الحضاري أيضًا: وهي أن المسلمين، في الجيل المشهود له بالخيرية، لم يفهموا من قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (الحجر:9) ، أنهم معفوون من مسؤولية الحفظ، والتوثيق، والنقل، طالما أن الله تعهد بها، وإنما أدركوا مسؤوليتهم تجاه القرآن، وأنهم أوعية الحفظ، والنقل، وأن الحفظ والنقل، إنما يتحقق من خلال عزمات البشر وفعلهم، لذلك، سارعوا إلى الحفظ والكتابة،منذ بدء الوحي، حيث اتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم كتّابًا للوحي، ونهى عن كتابة غير القرآن، حتى لا يختلط النص السماوي بكلام البشر، فقال: (لا تكتبوا عني غير القرآن، ومن كتب عني شيئًا غير القرآن فليمحه ) (رواه مسلم في كتاب الزهد) ، وأرعبهم اشتداد القتل بالقراء، في معركة اليمامة، وخافوا على ضياع القرآن، وأن يلحق بهم ما لحق باليهود والنصارى، من الاختلاف ومن ثم استنفروا جهودهم كاملة لحماية خطاب الله، الذي هُدد بالإصابة، فكان جمع القرآن، وحفظه، ونقله، حتى وصلنا كما أُنزل.
وأمة تمتلك وتنفرد بوراثة الكتاب، وبامتلاك النص السماوي الخاتم، الخالد، سليمًا، وتدرك أن مدلولاته، ومقاصده، لابد أن تتحقق من خلال عزمات البشر، هي أمة مؤهلة، لتحقيق الشهادة على الناس، والقيادة لهم، والقيام بأمانة الشهود الحضاري.