قال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (105) سورة التوبة
والخاصية الخامسة البارزة في التصور الإسلامي هي .. الإيجابية .. الإيجابية الفاعلة في علاقة الله -سبحانه- بالكون والحياة والإنسان. والإيجابية الفاعلة كذلك من ناحية الإنسان ذاته. في حدود المجال الإنساني .. كما أشرنا إلى ذلك من قبل إشارات مجملة..
إن الصفات الإلهية في التصور الإسلامي ليست صفات سلبية. والكمال الإلهي ليس في الصورة السلبية التي جالت في تصور أرسطو. وليست مقصورة على بعض جوانب الخلق والتدبير كما تصور الفرس في صفات"هرمز"إله النور والخير واختصاصاته وصفات"أهرمان"إله الظلام والشر واختصاصاته. وليست محدودة بدرجة من درجات الخلق كتصور أفلوطين. وليست محدودة بحدود شعب كتصورات بني إسرائيل. وليست مختلطة أو متلبسة بإرادة كينونة أخرى، كبعض تصورات الفرق المسيحية. وليست معدومة على الإطلاق، كما تقول المذاهب المادية، التي تنفي وجود الإله الحي المريد … إلى آخر هذا الركام..
ولعله يحسن قبل أن نعرض التصور الإسلامي الواضح الصريح المريح، أن نثبت مجملًا سريعًا لهذه التصورات التي أشرنا إليها. أو لهذا الركام، الذي أشرنا إلى شيء منه في أوائل هذا الكتاب وفي ثناياه:
"مذهب أرسطو في الإله أنه كائن أزلي أبدي، مطلق الكمال، لا أول له ولا آخر، ولا عمل له ولا إرادة! مذ كان العمل طلبًا لشيء. والله غني عن كل طلب. وقد كانت الإرادة اختيارًا بين أمرين، والله قد اجتمع عنده الأصلح الأفضل من كل كمال، فلا حاجة إلى الاختيار بين صالح وغير صالح، ولا بين فاضل ومفضول. وليس مما يناسب الإله -في رأي أرسطو- أن يبتدئ العمل في زمان، لأنه أيدي سرمدي، لا يطرأ عليه طارئ يدعوه إلى العمل، ولا يستجد عليه من جديد في وجوده المطلق بلا أول ولا آخر، ولا جديد ولا قديم. وكل ما يناسب كماله فهو السعادة بنعمة بقائه، التي لا بغية وراءها، ولا نعمة فوقها ولا دونها، ولا تخرج من نطاقها عناية تعنيه!"
"فالإله الكامل المطلق الكمال، لا يعنيه أن يخلق العالم، أو يخلق مادته الأولى -وهي الهيولي- ولكن هذه"الهيولي"قابلة للوجود، يخرجها من القوة إلى الفعل شوقها إلى الوجود، الذي يفيض عليها من قبل الإله، فيدفعها هذا الشوق إلى الوجود، ثم يدفعها من النقص إلى الكمال المستطاع في حدودها، فتتحرك وتعمل، بما فيها من الشوق والقابلية، ولا يقال عنها: إنها من خلقة الله، إلا أن تكون الخلقة على هذا الاعتبار" ( ) .
والفرس كانوا يعتقدون بالثنوية، ويجعلون للخير إلهًا هو"هرمز". قدرته واختصاصه مقصوران على عالم النور والخير. ويجعلون للشر إلهًا هو"أهرمان"قدرته واختصاصه مقصوران على عالم الظلام والشر. وهما أخوان مولودان لإله قديم اسمه"زروان"!
"وزعموا أن مملكة النور ومملكة الظلام كانتا قبل الخليقة منفصلتين، وأن هرمز طفق في مملكته يخلق عناصر الخير والرحمة. وأهرمان غافل عنه في قراره السحيق. فلما نظر ذات يوم ليستطلع خبر أخيه، راعه اللمعان من جانب مملكة أخيه، فأشفق على نفسه من العاقبة. وعلم أن النور وشيك أن ينتشر ويستفيض، فلا يترك له ملاذًا يعتصم بهن ويضمن فيه البقاء. فثار، وثارت معه خلائق الظلام - وهي شياطين الشر والفساد- فأحبطت سعي هرمز! وملأت الكون بالخبائث والأرزاء ( ) .. الخ"0واحتدمت المعركة وما تزال).
أما"أفلوطين"الذي عاش في السنوات الأولى من القرن الثالث للميلاد .. فإنه يغلو فيما يراه تنزيها لإلهه الأحد، حتى يتجاوز كل معقول. فإذا كان أرسطو يرى أن من كمال إلهه ألا يشعر بغير ذاته، وألا يفكر إلا في ذاته لا يفكر إلا في أشرف الموجودات. وذاته هي أشرف الموجودات. وأنه لا يعلم الموجودات لأنها أقل من أن يعلمها.. إذا كان تنزيه أرسطو لإلهه وقف به عند هذا الحد، فإن أفلوطين راح يزعم أن من كمال إلهه الأحد أنه لا يشعر بذاته كذلك! لأنه يتنزه عن ذلك الشعور!
"وبديه أن المذهب يقتضي وسائط متعددة لربط الصلة بين هذا الإله"الأحد"المطلق الصفاء، وبن المخلوقات العلوية، وهذه المخلوقات السفلية. ولا سيما خلائق الحيوان المركب في الأجساد."
"وهكذا لزم أفلوطين أن يقول: إن الواحد خلق العقل. وإن العقل خلق الروح. وإن الروح خلقت مادونها من الموجودات. على الترتيب الذي ينحدر طورًا دون طور، إلى عالم الهيولي، أو علم المادة والفساد!" ( ) .
ومن ثم ينحصر اختصاص الإله - عند أفلوطين- في خلق العقل.. ثم تنتهي مهمته عند ذاك!
أما إله بني إسرائيل"يهوا"- كما ترسمه تصوراتهم المنحرفة - فهو إله إسرائيل الخاص! الذي يغار من عبادة شعب إسرائيل للآلهة الغريبة، فيثور ويغضب ويحطم وينتقم. حتى إذا عاد الشعب إليه رضى واستراح. وكف عن النقمة والتدمير. وندم على ما فعل بشعبه المختار!
والتصورات الكنسية عن طبيعة المسيح وإرادته، وتلبسهما باللاهوتية، سبق أن أشرنا إليها في فصل"تيه وركام"، وهي تجعل إرادة الله متلبسة أو متجسمة في إرادة المسيح .. إلى أخر هذا الركام ( ) !
وكذلك أشرنا إلى تصورات الوضعيين الماديين المختلفة بما فيه الكفاية. فيرجع إليها هناك ( ) .
والآن ننتقل من هذا الركام المتناثر إلى التصور الإسلامي المستقيم الواضح المريح:
إن الإنسان - في التصور الإسلامي- يتعامل مع إله موجود. خالق. مريد. مدبر. مهيمن. قادر. فعال لما يريد.. كامل الإيجابية والفاعلية.. إليه يرجع الأمر كله. وإلى إرادته يرجع خلق هذا الكون ابتداء، وكل انبثاقة فيه بعد ذلك، وكل حركة. وكل تغير وكل تطور. ولا يتم في هذا الكون شيء إلا بإرادته وعلمه وتقديره وتدبيره. وهو -سبحانه- مباشر بإرادته وعلمه وتدبيره لكل عبد من عباده، في كل حال من أحواله ولكل حي ولكل شيء وفي هذا الوجود كذلك.
ويحفل القرآن الكريم بتقرير هذه الحقيقة الأساسية الكبيرة في التصور الإسلامي، بكل صورها وأشكالها، ويهتم بعرض مظاهرها في كل جانب من جوانب الكون، وفي كل صورة من صورها المتجددة التي لا تحصى:
"إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استوى على العرش، يُغشى الليل النهار يطلبه حثيثًا، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، ألا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين". (الأعراف: 54)
إن هذه الإيجابية في علاقة الله -سبحانه- بخلائقه كلها، هي مفرق الطريق بين العقيدة الجدية المؤثرة، والعقيدة الصورية السلبية. وشمول هذه الإيجابية وتوحدها، هو مفرق الطريق كذلك، بين التجمع في الكينونة الإنسانية والنشاط الإنساني، والتمزق في هذه الكينونة ونشاطها الحيوي.
وتصور الإنسان لإلهه، وتعلق صفاته بالحياة الإنسانية، هو الذي يحدد قيمة هذا الإله في نفسه، كما يحدد نوع استجابته لهذا الإله!
وفرق كبير بين الإنسان الذي يتصور أن إلهه لا يحفل به، ولا يحس بوجوده - أو لا يعلم بوجوده أصلًا كما يقول بعض الفلاسفة! - والإنسان الذي يحس ويعلم أن الله هو خالقه ورازقه، ومالك أمره كله في الدنيا والآخرة..
وفرق كذلك بين الذي يتعامل مع إلهين متنازعين - كما يقول الفرس- أو مع آلهة متفرقة كما تقول الوثنيات الأخرى، والذي يتعامل مع إله واحد. له إرادة واحدة، ومنهج واحد. يعلم عباده على وجه الضبط والتحديد ما يريده منهم فيرضى، وما يكرهه منهم فيسخط!
وفرق كذلك بين الذي يتعامل مع إله شهواني. متعجرف. ظالم. متهور. متقلب الأهواء كإله الإغريق -بزعمهم-:"زيوس"أو"جوبيتير"الذي كانوا يصورونه"حقودًا. لدودًا. مشغولًا بشهوات الطعام والغرام. لا يبالي من شؤون الأرباب والمخلوقات ما يعينه على حفظ سلطانه، والتمادي في طغيانه. وكان يغضب على"اسقولاب"إله الطب -بزعمهم- لأنه يداوي المرضى، فيحرمه جباية الضريبة على أرواح الموتى الذين ينتقلون من ظهر الأرض إلى باطن الهاوية! وكان يغضب على"برومثيوس"إله المعرفة والصناعة -بزعمهم- لأنه يعلّم"الإنسان"ان يستخدما لنار في الصناعة، وأن يتخذ من المعرفة قوة تضارع قوة الأرباب. وقد حكم عليه بالعقاب الدائم، فلم يقنع بموته، ولا بإقصائه عن حظيرة الآلهة، بل تفنن في اختراع ألوان العذاب له. فقيده إلى جبل سحيق، وأرسل عليه جوارح الطير تنهش كبده طوال النهار، حتى إذا جن الليل عادت سليمة في بدنه، لتعود الجوارح إلى نهشها بعد مطلع الشمس ولا يزال هكذا دواليك في العذاب الدائم مردود الشفاعة مرفوض الدعاء" ( ) …"وأنه كان يخادع زوجته"هيرة"ويرسل إله الغمام -بزعمهم- لمدارة الشمس في مطلعها، حذرًا من هبوب زوجته الغيرى عليه مع مطلع النهار، ومفاجأته بين عشيقاته على عرش"الأوليمب" ( ) .."
فرق بين الذي يتعامل مع إله كهذا ويستمد منه أخلاقهن والذي يتعامل مع"الله"العادل، الكريم، الرحيم الذي يكره الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وينهى عن السوء. ويحب التوابين ويحب المتطهرين..
وأخيرًا .. فهناك فارق هائل بين الإنسان الذي يظن أن إلهه هو"الطبيعة"الخرساء الصماء، التي لا تطالبه بعقيدة ولا شعيرة، ولا منهج ولا نظام حياة، ولا خلق ولا أدب، ولا ضمير ولا سلوك. ولا تحس بوجوده أصلًا. وليس لها هي إدراك ابتداء. ومن ثم فهي لا تحس ولا تعي، ولا تدري بخير أو شر. ولا تحاسب -من ثم- على خير أو شر .. والإنسان الذي يعرف أن إلهه"الله"الحي الذي لا يموت. الصمد المقصود في الحاجات. الرقيب الذي لا يغفل. الحسيب الذي لا ينسى. العادل الذي لا يظلم. الرحيم الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.. إلى آخر صفات الله وأسمائه الحسنى..
إن الأمر مختلف جدًا .. ومن ثم هذه القيمة الكبرى لهذه الخاصية في التصور الإسلامي .. ولقد عنى الإسلام عناية بالغة بتقرير هذه الحقيقة في تصور المسلمين وتوكيدها. وتقرير"وجود"الله سبحانه في حياتهم وتوسيعه وتعميقه .. وكانت حياة الجماعة المسلمة الأولى في ظلال الوحي المتلاحق، المتعلق بواقع حياتهم، وبما يهجس كذلك في ضمائرهم، مثلًا حيًا، وترجمة عملية، لهذه الحقيقة.. فقد رأينا يد الله -سبحانه- تتدخل جهرة، وعينه تلحظ، وسمعه يرعى، أحوالهم اليومية، وأعمالهم الشخصية، وحياتهم الفردية والجماعية.
لقد شهدنا العناية الإلهية تتدخل علانية في شأن أسرة صغيرة فقيرة مغمورة لتقرر حكم الله في قضية بين امرأة وزوجها. حين لم يجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيها رأيًا:
"قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله. والله يسمع تحاوركما. إن الله سميع بصير… الخ". (المجادلة: 1)
والقرآن كله معرض هذه"الإيجابية"وهي أساس التصور الإسلامي -بعد التوحيد- وهي التي تتجلى فيها حقيقة التوحيد. فالتوحيد الإسلامي يمتاز بأنه توحيد الفاعلية والتأثير وليس مجرد التوحيد السلبي الذي يصفه أرسطو، أو يصفه أفلوطين!
واستقرار هذه الحقيقة في ضمير الجماعة المسلمة الأولى هو الذي أنشأ هذه المجموعة الفريدة الممتازة في تاريخ البشرية كله على الإطلاق، وبدون استثناء. فقد عاشوا هذه الحقيقة. عاشوها حية في نفوسهم. عاشوها ليل نهار، وصباح مساء. عاشوها كما يعيشون حياتهم اليومية الواقعة. عاشوا مع الله. يحسون وجوده في نفوسهم وفي حياتهم أعمق من حس اللمس والرؤية. عاشوا في كنفه وفي رعايته. وعاشوا تحت عينه وفي رقابته. والتمسوا يده -سبحانه- تتدخل تدخلًا مباشرًا في الصغير والكبير من أمورهم، وتنقّل خطاهم، وترقبها، وترشدهم، وتعقّب عليهم في الصغيرة وفي الكبيرة.. ومن ثم كانوا هذا الذي كانوا: من الحساسية والطمأنينة معًا. ومن اليقظة والراحة معًا. ومن التوكل والفاعلية معًا. ومن الخوف والطمع معًا. ومن التواضع والعزة معًا -التواضع لله والعزة بالله- ومن الخضوع والاستعلاء معًا - الخضوع لله والاستعلاء على أعداء الله - ومن ثم صنع الله بهم في هذه الأرض ما صنع من الصلاح والعمار، ومن الرفعة والطهارة، مما لم يسبق ولم يلحق في تاريخ بني الإنسان …
والصفحة الأخرى للإيجابية في التصور الإسلامي .. هي إيجابية الإنسان في الكون. وإيجابية المؤمن بهذه العقيدة في واقع الحياة على وجه خاص.
إن هذا التصور ما يكاد يستقر في الضمير، حتى يتحرك ليحقق مدلوله في صورة عملية، وليترجم ذاته، في حالة واقعية. والمؤمن بهذا الدين ما يكاد الإيمان يستقر في ضميره حتى يحس أنه قوة فاعلة مؤثرة. فاعلة في ذات نفسه، وفي الكون من حوله.
إن التصور الإسلامي ليس تصورًا سلبيًا يعيش في عالم الضمير. قانعًا بوجوده هناك في صورة مثالية نظرية! أو تصوفية روحانية! إنما هو"تصميم"لواقع مطلوب إنشاؤه، وفق هذا التصميم. وطالما هذا الواقع لم يوجد فلا قيمة لذلك التصميم في ذاته، إلا باعتباره حافزًا لا يهدأ لتحقق ذاته.
هذا ما يثيره التصور الإسلامي في شعور المسلم… ومن ثم يجد دائمًا هاتفًا ملحًا في أعماقه، يهب به إلى تحقيق هذا التصور في دنيا الواقع، ويؤرقه، حتى يهب للعمل، ويفرغ طاقته الإيمانية كلها في هذا العمل الإيجابي البناء. وفي إنشاء واقع تتمثل فيه هذه العقيدة في حياة الناس.
وحيثما ذكر الإيمان في القرآن أو ذكر المؤمنون، ذكر العمل، الذي هو الترجمة الواقعية للإيمان، فليس الأمر مجرد مشاعر. إنما هو مشاعر تُفرَّغ في حركة، لإنشاء واقع، وفق"التصميم"الإسلامي للحياة، أو وفق التصور الإسلامي للحياة ..
"إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله - ثم لم يرتابوا- وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل اله. أولئك هم الصادقون". (الحجرات: 15)
وهو يؤدي هذه الشهادة .. أولًا .. في ذات نفسه: بأن يطابق بين واقع حياته الشخصية، في كل جزئية من جزئيات نشاطه، وبين مقتضيات التصور الذي يقوم عليه اعتقاده. فليست هنالك حركة واحدة من حركات حياته، إلا وهو مطالب بأن يشهد فيها لهذا الدين. شهادة عملية. لا شهادة اللسان وحده، ولا شهادة القلب معه كذلك. ولكن شهادة العمل المصدق للإيمان، المجسّم للعيان، المنشئ لآثاره في عالم الواقع وفي دنيا الناس.
وهو يؤديها -ثانية- في دعوة الآخرين إلى هذا المنهج، وبيانه لهم. مسوقًا في هذه الدعوة وهذا البيان بدوافع كثيرة أولها: دافع أداء الشهادة لينجو من الله، وليؤدي حق نعمته عليه بهدايته إلى الإسلام.. وثانيها: حب الخير للناس، وهدايتهم إلى هذا الخير الذي هُدِيَ هو إليه، والذي لا يحتجنه لنفسه، ولا لأسرته، ولا لعشيرته، ولا لقومه، ولا لجنسه. لأنه يتعلم من هذا التصور ذاته أن البشر كلهم إخوة.. وثالثها: شعوره بأن تبعة ضلال الناس - إذا ضلوا- إنما تقع على عاتقه هو، ما لم يبين لهم -بعد ما عرف وتبين- وهي تبعة ثقيلة تنوء بضميره، وتنوء بكاهله، وقد علم أنها تبعة الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم- وأنه هو مستخلف فيها عن الرسل، ومسؤول عنها بعدهم.
"رسلًا مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل".. (النساء: 165)
وفي طبيعة التصور الإسلامي ذاته ما يحفز الإنسان لمحاولة الحركة الإيجابية، لتحقيق هذا المنهج في صورة واقعية. فالمسلم يعرف - من تصوره الإسلامي- أن"الإنسان"قوة إيجابية فاعلة في هذه الأرض، وأنه ليس عاملًا سلبيًا في نظامها فهو مخلوق ابتداء ليستخلف فيها. وهو مستخلف فيها ليحقق منهج الله في صورته الواقعية: لينشئ ويعمر، وليغيّر ويطوّر، وليصلح، وينمّي. وهو معانٌ على هذه الخلافة: معانٌ من الله سبحانه بجعل النواميس الكونية وطبيعة الكون الذي يعيش فيه معاونة له.
بهذا كله يستشعر المسلم أن وجوده على الأرض ليس فلتة عابرة، إنما هو قدر مقدور، مرسوم له طريقه ووجهته وغاية وجوده … وأن وجوده على الأرض يقتضيه حركة وعملًا إيجابيًا، في ذات نفسه. وفي الآخرين من حوله. وفي هذه الأرض التي هو مستخلف فيها، وفي هذا الكون المحسوب حسابه في تصميمه … وأنه لا يبلغ شكر نعمة الله عليه بالوجود، ونعمة الله عليه بالإيمان، ولا يطمع في النجاة من حساب الله وعذابه، إلا بأن يؤدي دوره الإيجابي في خلافة الأرض، وفق شرط الله ومنهجه، وتطبيق هذا المنهج في حياته وفي حياة غيره، والجهاد لدفع الفساد عن هذه الأرض التي هو قيم عليها والفساد في الأرض إنما ينشأ عن عدم تطبيق منهج الله في عالم الواقع، ودنيا الناس، حياة الجماعات - وأن وزر هذا الفساد -حين يقع- واقع على عاتقه هو، ما لم يؤد الشهادة لله في نفسهن وفي غيره، وفي الأرض كلها من حوله.
وتصوّر المسلم للأمر على هذا النحو، لا جرم يرفع من قيمته في نظر نفسه، كما يرفع من اهتماماته. بقدر ما يشعره بضخامة التبعة الملقاة على عاتقه، وبثقل العبء الذي يحمله، ويكدح فيه حتى يلاقي الله ربه، وقد أدى الأمانة، وأدى الشهادة، ووفى بحق النعمة - فيما يملك من الطاقة- وطمع في النجاة من عذاب الله، وزحزح عن النار…