4/ وحينما يطمئن القلب، ويتضاعف الإيمان بمزيد من العلم، وتشبع البطن، ويقوى الجسم، هنالك يتوجب على المرءأكثر من أي وقت مضى أن يقوم بدوره التأريخي، فيكرس كل جهده ليرفع راية كلمة السماء الطيبة، فيشهد لها بين الناس ويحثهم على اتخاذها محورًا في حياتهم.
5/ وحينما اطمأن النبي عيسى عليه السلام إلى عهدهم دعا ربه بقوله: (اللّهُمَّ رَبَّنَآ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِنَ السَّمَآءِ تَكُونُ لَنَاعِيدًا لأَوَّلِنَا وءَاخِرِنَا وءَايَةً مِنكَ ) نظرًا إلى أن إطمئنان القلب وتضاعف الإيمان وقوة الجسم يعني تجدد الحياة،وهذا هو معنى العيد والعودة إلى ممارسة الواجبات وتحقيق المسؤوليات. وها هم المسلمون حينما يلتزمون بواجبات شهر الصيام ويستوعبون القدر الممكن من حكمته فإنهم يحتفلون بالعيد، ليس لانتهاء أيام هذا الشهر الكريم، وإنمإ؛ّّلأنهم تزودوا منه بخير الزاد، فتراهم يعودون إلى تحقيق وتطبيق ما تعلموه من مفاهيم ربانية طيلة الشهور القادمة حتى يحل عليهم شهر رمضان آخر فيعيدون الكرة من جديد...
ولم يكن طلب النبي عيسى عليه السلام - الناطق باسم الحواريين - من ربه مجرد طلبًا مؤقتًا، بقدر كونه طلبه أبديًا يعم أول المؤمنين كما يعم آخرهم إلى يوم القيامة، حيث تكون قصة نزول المائدة مبعثًا للأجيال لأن يتذاكرونها فيزداد ايمانهم وحيويتهم.
6/ (قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي اُعَذِّبُهُ عَذَابًا لآ اُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ) (المائدة/115) وهذا قانون سماوي صارم لا يقبل التغيير والتبديل مطلقًا.
بعد هذه الاطلالة القرآنية على ما دار بين النبي عيسى عليه السلام وحواريه، لابد أن نقول: إن النبي عيسى عليه السلام وقصته ليس للمسيحيين فقط، كما أن النبي موسى عليه السلام وسيرته ليسا حكرًا على اليهود؛ بل وحتى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ليس للمسلمين فقط، وإنما هو رحمة للعالمين.
إن أساس الحكمة الربانية من بعثة النبي عيسى خصوصًا والديانة المسيحية عمومًا إنما يكمن في التبشير بخاتم الأنبياءوالرسل محمدصلى الله عليه وآله وسلم، وقد قال اللَّه تعالى في ذلك: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَآئِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًَا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَآءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌمُبِينٌ ) (الصف/6) . فكان دوره الأول البشارة ودوره الأخير هو البشارة أيضًا، حيث سيأتي يوم ينزل اللَّه فيه النبي عيسى عليه السلام من جديد ليبشر الناس بظهور الإمام الحجة المهدي عجل اللَّه فرجه الشريف، وهذه هي حكمةخلقة وبعثة النبي عيسى عليه السلام.
وعليه فإن الديانة المسيحية ليست إلاّ تمهيدًا للديانة الإسلامية؛ أي ان الديانة المسيحية كلما توسعت كلما تضاعفت فرص انتشار الدين الإسلامي، لذلك تجد القرآن الكريم يذكرنا بأن أقرب الناس إلى المسلمين هم. (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّالنَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارى ذلِكَ بِاَنَ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُون ) (المائدة/82) لأن فيهم قسيسين يقرأون الكتاب ويصبحون من ذوي العلاقة بالإسلام.
الحضارة الحقيقية
إن الحضارة الحقيقة هي الحضارة الإلهية، ولم يتبق من نماذج هذه الحضارة سوى حضارتين، وهي المسيحيةوالإسلامية، وقد أثبتت حقب التاريخ أن ما لم يتصل بالسماء مصيره إلى الفناء الحتمي، وقد قال غورباتشوف -آخررئيس سوفياتي- لدى انهيار الاتحاد السوفياتي: إن سبب هذا الإنهيار هو أن الإتحاد السوفياتي لم يكن يؤمن باللَّه.والمهم هو أن هذا الكيان السوفياتي قد عاد مرة أخرى إلى الإسلام والمسيحية، وقد سبق أن قلنا بأن المسيحية مقدمةلانتشار الإسلام.
من هنا أدعو إلى حوار الحضارتين المسيحية والإسلامية دون غيرهما، لأنهما هما المسيطرتان على الفكر البشري، كماأدعو إلى أن يكون جوهر هذا الحوار حول السعي نحو اقناع المسيحيين بفكرة أنهم مبشرون للإسلام؛ فالإسلامي هوالدين الناسخ لكل الديانات، لأنه الخاتم، ولأنه الأحدث، ولأنه الديانة الوحيدة التي أمنت من التحريف بفضل اللَّه ورحمته.
اقول: لما كان من الخطأ على المسلم أن يطلق تسمية الحضارة على الوجودات التاريخية غير القائمة على أفكار السماء،فإنه من الخطأ أيضًا أن يطلق على حواره معها تسمية حوار الحضارات، فهل الحضارة هي إهرامات مصر، أم قلاع بعلبك، أم بقايا آثار بابل وسومر وجدار الصين؟
كلا؛ فهذه مجموعة من نماذج البناء البشري الذي سرعان ما تهدم... وتهدم لأنه لم يقم على أساس الفكر الإلهي، وإنما قام على أساس ظلال وآثار ذلك الفكر المقتبس من الآخرين.
فأية حضارة هذه التي تعتمد عبادة البقر في الهند؟
وأية حضارة هذه القائمة على مبدأ العنصرية كما في اليونان؟
وأية حضارة هذه القائمة على أساس استغلال الضعفاء والفقراء كما حصل في الصين القديمة؟
وأية حضارة هذه ا لتي تجبر الناس على عبادة الملك من دون اللَّه كما كان شأن مصر الفرعونية؟
فإذن؛ العقل البشري لا يسمح مطلقًا بأن يسمي صفحات التاريخ المليئة بالظلم والطغيان والقتل والاستعباد والعنصريةبالحضارة والمدينة.
الفصل الثاني -في السلوك الحضاري
التعارف منطلق الحضارة الإيمانية
(يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَاُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ * قَالَتِ الاَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُم مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (الحجرات/14-13)
لا شك أن الإنسان بحاجة ماسة إلى هزة عنيفة، أو إلى هزات عنيفة متواصلة لئلا يصاب بداء الخلود إلى الأرض؛الأرض ذات الجذب الشديد، بما فيها من الرغبات الجامحة إلى إبقاء ما كان على ما كان، واستصحاب التراث،واستصعاب التغيير والتحول والتطور، والبقاء على ما هو عليه.. تبعًا إلى أن حقيقة التغيير والتطور بحاجة إلى ثمن مناسب، عادةً ما يبخل المرء في بذله..
ولعل الفرق الأساسي بين الإنسان من جهة، والحيوانات والنباتات والجمادات من جهة أخرى يكمن في أن ابن آدم ذوقابلية وقدرة على التطور، بل وذو فطرة تدفعه إلى التحول.. ولكن انجذابه إلى الأرض هو الذي يؤثر فيه ويحاول قمع تلك الفطرة النزيهة. ولكن المخلوقات الأخرى المشار إليها مجبولة على الثبات والبقاء والمراوحة في مكانها؛ فالجماد -كماهو واضح ومعروف- يبقى في مكانه ما شاء اللَّه، حتى يأتي من يحركه ويزحزحه عن مكانه الذي هو قابع فيه.
إن الإنسان السويَّ الأصيل معابٌ عليه أن يبقى على حاله، لأن رأس ماله الوحيد هو عمره وأيام حياته في الدنيا، فإذالم يحصل على الفائدة المرجوة -التي لا تتحقق أبدًا دون تغيير وتطور- والمغنم الجديد، سيكون كمن قدّم ما لديه دون قبضه شيئًا وثمنًا لذلك أبدًا.