لقد ورد في الرواية الكريمة عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: (من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان آخريومه شرهما فهو ملعون، ومن لم يعرف الزيادة في نفسه كان إلى النقصان أقرب، ومن كان إلى النقصان أقرب فالموت خير له من الحياة) (9) . فالعمر يتجه إلى الانقضاء، ولا توقف - أبدًا - في هذا التوجه والمسيرة،في حين أن ابن آدم قد يصرف عمره ولا يحصل على ما ينفعه، وهو إن لم يحقق التطور والتغيير والتحول في كيانه وفيماحوله، فإن حياته ستكون إلى غبن وخسران وهباءٍ..
واستنادًا إلى هذا المنطلق وهذه الاستراتيجية السامية نلاحظ أن القرآن الكريم حينما يحدّث الإنسان كأكرم مخلوق - أوهكذا يفترض فيه-، يبعث في ضميره صاعقةً تجري في دمه كما التيار الكهربائي القوي، ليوقظه من غفلته، ولينفض عنه غبار الكسل والجمود.
وقد أخذ القرآن الكريم عيّنة مثيرة وجديرة بالتوجه لإثبات هذه الحقيقة، وهي قصة الأعراب الذين قالوا آمنا ولم يكن الإيمان قد دخل إلى قلوبهم بعد .. نظرًا لأنهم يعيشون في الصحراء ويتنقلون بين منازلها، بحثًا عن الماء والكلأ، فلايجدون فرصة لتحصيل العلم والمطالعة والتثقف.. حتى أن اللَّه سبحانه وتعالى قال عنهم في كتابه: (الاَعْرَابُ أَشَدُّكُفْرًا وَنِفَاقًا) (التوبة/97) ، ولعلهم كانوا من بني سليم الذين نزلوا المدينة فوجدوا أهل المدينة أناسًا متثقفين بثقافة الإسلام على يد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم، ويقرؤون القرآن ويتداولون الأحاديث النبوية الشريفة.. فظنوا جهلًا أن القضية قضية يسيرة؛ لا تعب ولا نصَب فيها.. ف (قَالَتِ الاَعْرَابُ ءَامَنَّا) . فقال لهم اللَّه عز وجل: (قُل لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُم مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) . إذ الإيمان أمر بحاجة لئن تستوعبه الأفئدة وتمارسه الجوارح.
ففي هذه القصّة والعيّنة القرآنية أوضح اللَّه تبارك أسمه مجموعة حقائق تمثل محور الإسلام ونظرته إلى ما ينبغي أن يكون عليها الإنسان، وأكد القرآن عبر ذلك أن للإيمان شروط ثلاثة:
1-القول وتلفظ الشهادتين، كمدخل إلى الإيمان، في حين أن الأعراب اكتفت -جهلًا- بهذا المقدار.
2-العقد بالقلب، وهذا هو أصل الإيمان وجوهره.
3-العمل، وأشار إلى ذلك قوله سبحانه: (لاَ يَلِتْكُم مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا) . فقولٌ بلا قلبٍ، وقلبٌ بلا عملٍ، لايعني شيئًا أبدًا، إذ الكل جزءٌ لا يتجزأ مهما تقلبت الأحوال واختلفت الظروف.. (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) (الزلزلةِ/8-7) ، و (وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَاسَعَى ) (النجم/39) ، وكفى بالعمل شعارًا رفعه الإسلام على مدى التاريخ.. العمل الذي يقف خلفه قلب نظيف.
وهذه هي الهزة العنيفة والصعقة التوحيدية التي نزل بها الوحي المقدس على قلب الإنسان ليحرك فيه فطرته، ويبعث فيه روح التطور والتحول إلى الأحسن.
يقول اللَّه تقدست أسماؤه: (يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَاُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوا...) فاللَّه لم يخلق الناس بجنسيات أو ضمن حدود جغرافية معينة. فالأرض كانت كلها لآدم وحواء عليهما السلام دون حدود أو تمايز أو حواجز، وكان دم الإنسان واحدًا وتركيبته واحدة. ثم إن اللَّه سبحانه قسم الناس تقسيمًا كانت الحاجةإليه ضرورية لإحراز التكامل الإنساني وبنائه، فجعلهم شعوبًا وقبائل ليتعارفوا فيما بينهم ويعترفوا بالعوامل المكمّلةلبعضهم البعض.
أقول: إن المادة الإنسانية الأولى كانت واحدة، ولكن التقسيمات جاءت على أساس ضروري وعادل لحكمة أخرى.
إن التعارف هو الاعتراف، فضلًا عن المعرفة والتعرف. فيعترف البعض بحقوق الآخرين ويسلّم بوجودهم، فلا يسخرقوم من قوم، ولا يحتقر بعض بعضًا، حتى يكون الجميع على صعيد واحد، ينظرون إلى الحياة على أنها ميدان للتكامل من جهة، وللتسابق إلى الكمال والسمو من جهة أخرى.
وهذا يعني امتناع الأغنياء عن احتقار الفقراء، وامتناع الأقوياء عن مصادرة حقوق الضعفاء..
إن الإنسان المسلم لا يعترف بحق المسلمين فحسب، بل هو مأمور وملزم بالاعتراف بحقوق كل إنسان.. والحديث الشريف المروي عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم يؤكد بهذا الصدد: (لكل كبدٍ حرّا أج) ر؛ (10) أي أن المسلم إذا صادف كافرًا مشرفًا على الهلاك عطشًا في صحراء - مثلًا - عليه أن يسقيه الماء، ليحصل على الثواب والأجر. وهكذا عمل أمير المؤمنين عليه السلام في معركة صفين، حيث أباح الماء لجيش معاوية الذين جاؤوا لقتاله، وهو الجيش نفسه الذي كان قدمنع على أصحابه الماء بادئ الأمر، رغم أن عليًاعليه السلام كان بإمكانه منع جيش معاوية من الماء كردّ المثل بالمثل. وهكذاأيضًا قام الإمام الحسين عليه السلام بسقي الذين خرجوا لحربه الماء، رغم علمه بأنهم قاتلِوه لا محالة، ورغم أنه يعلم ويعي حقيقة أن الخارج على إمام زمانه محكوم بالكفر، ولكنه سقاهم - حتى بيديه الكريمتين مباشرةً - ليؤكد لهم وللتاريخ الأصل الإسلامي الأصيل القائل بضرورة احترام حقوق الإنسان كإنسان. وقد قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في معرض عهده لمالك الأشتر النخعي حينما بعثه إلى مصر واليًا: (فإنهم(الناس ) صنفان؛ إما أخٌ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخلق ) (11) . وهذا لعمري إقرار تام وصريح ومطلق بحرمة الإنسان، وهو دعوة مباشرةللاعتراف بحقوق الإنسان في المبدأ والعيش .
إن من الواجب الصريح على كل إنسان أن يسعى جهده ليسد أبواب الظلم والبغي والاعتداء والخداع، وليفتح بابًاواحدة هي باب التنافس الشريف والمسابقة إلى الخير. فكل منّا ليس له الحق في مصادرة حق جاره أو صديقه، بل على الجميع أن يبحثوا عن طريق لاستصلاح الأرض والاستفادة من الإمكانات الواسعة والطائلة في هذه الأرض،فيحصلوا على رزقهم، دون المساس برزق الآخرين عن طريق الغزو والاعتداء والتطاول. وقد قال تبارك وتعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) . فابن آدم في غنًا مطلقٍ عن حطام الدنيا والتشاجر من أجله عبر الحروب وافتعال الأزمات التي يقع ضحيتها الفقير والضعيف.
ها هو كتاب اللَّه؛ خالق الخلق جميعًا، يخاطبهم بقوله المبارك: (يَآ أَيُّهَا النَّاسُ ) ، ويدعوهم إلى التعارف، لأن التعارف والاعتراف ينتجان المحبة والتفاهم، ولذلك كان من الأمور الهامة في الإسلام هو التعرف إلى الناس والسير في الأرض. وقد كان من الفوائد الجمة لفريضة الحج هو أن يشهد الناس منافع لهم، لأن الجميع يجب عليهم أن يقصدوا بيت اللَّه الحرام ومجمل البقاع المقدسة هناك ليتعارفوا فيما بينهم.
إننا كمسلمين وموالين لأهل البيت عليهم الصلاة والسلام ملزمون بالتعايش السلمي فيما بيننا، وملزمون بأن ندعوالآخرين إلى ذلك، فنعترف ببعضنا، ونتنافس تنافسًا شريفًا وكريمًا قائمًا على أساس التقوى، وليس على أساس العدوان. فإذا كانت دعوتنا إلى الناس هي التعايش والتنافس، فيكون من الأحرى بنا أن ندعو أنفسنا قبل ذلك بهذه الدعوة.