وما كان لهذا الفيض الإنساني أن يستمر على مر عصور الحضارة الإسلامية لولا ينابيع العطاء المتدفقة من قلوب أبناء الأمة المسلمة والموازية لدعم الدولة نفسها.. وأقصد هنا نظام الأوقاف الخيرية, وما كان يقوم به من دور في حسن رعاية المرضى وإكرامهم.. فقد كانت مستشفيات راقية بأكملها تعتمد على ريع وقف يرصده أحد المسلمين - بمن فيهم الحاكم نفسه - لتغطية كل احتياجات المستشفى بمرضاه وأطبائه ومفروشاته وأغذيته ونباتاته الطبية وأدويته... إلى حد الإنفاق على طلاب الطب المتدربين في هذا المستشفى!.. ولعل من أشهر الأمثلة على ذلك المستشفى المنصوري الكبير الذي أسسه في القاهرة الملك المنصور سيف الدين قلاوون (عام 683 هـ) وأوقف عليه ما يغطي نفقاته سنويًا...وقد أشرنا في مقال سابق إلى عظمة هذا المستشفى في زمانه وما كان يقدمه من خدمات.
صور غير مسبوقة في التعامل مع نفسية المرضى
وعلى ذكر الأوقاف الخيرية وأثرها في تغطية الجانب الإنساني في الطب عند المسلمين لابد أن نشير هنا إلى بعض الصور المبتكرة وغير المسبوقة في التعامل الإنساني مع نفسية المريض.. فقد كان ريع بعض الأوقاف يُخصص لتوظيف اثنين يمرّان بالمستشفيات يوميًا, فيتحدثان بجانب المرضى حديثًا خافتًا يسمعه المريض دون أن يراهما.. يوحيان إليه من خلال حديثهما بتحسُّن حاله! فيما كان يُعرف"بوقف خداع المريض".. وذلك لترتفع معنوياته، وبالتالي يتماثل للشفاء بصورة أسرع!!
ولم يكن ذلك البعد الإنساني الراقي في التعامل مع المرضى سلوكًا فرديًا يمارسه بعض الأطباء, ولا كان مجرد حب شعبي للخير والرحمة ينبع من قلوب العامة.. بل كان سلوكًا عامًا تتبناه سياسات الدولة, وينتهجه أفراد الأمة حكامًا ومحكومين؛ فكثيرًا ما كان الخليفة أو الأمير يتفقد بنفسه المرضى ويشرف على حسن معاملتهم.. ويُذكر هنا أن المنصور الموحدي (ملك دولة الموحدين بالمغرب) كانت له زيارة أسبوعية للمستشفى (المنصوري) بمراكش بعد صلاة الجمعة من كل أسبوع؛ يطمئن فيها بنفسه على أحوال المرضى.
ومن الجوانب الإنسانية في تعامل الطب الإسلامي مع المرضى ما اشتملت عليه شريعة الإسلام من آداب تحفظ كرامة المريض وتصون حياءه, وتضمن سير مراحل الفحص والعلاج دون انتهاك لخصوصياته؛ فلا يجوز - مثلًا - كشف عورة المريض إلا لضرورة, وبالقدر المطلوب فقط في الفحص أو الجراحة وما إلى ذلك... كما لا يجوز أن يشهد فحص المريض أو المريضة شخص غير ذي صفة - وخاصة إذا كان من جنس مختلف - إلى جانب عدم جواز خلوة الطبيب بمريضة من النساء إلا مع وجود ذي مَحْرم لها, أو وجود امرأة أخرى كالممرضة مثلًا.. كذلك راعت المستشفيات في الحضارة الإسلامية الفصل في أقسامها الداخلية بين الرجال والنساء..
كذلك من الجوانب الإنسانية في تعامل الطب الإسلامي مع المرضى أن راعى الشرع حقوق المريض في العلاج بأن سمح للطبيب الرجل أن يعالج المرأة، والعكس كذلك، وذلك إن لم يوجد البديل الكفء من نفس الجنس والذي يستطيع أن يقوم بالمهمة على الوجه الأكمل، وذلك حتى لا يفوت على المريض - رجلًا كان أو امرأة - فرصة العلاج الصحيح، بل إن الشرع أجاز كذلك أن يبحث المريض المسلم عن العلاج عند الأطباء غير المسلمين إن تعذر وجود من يستطيع علاجه من المسلمين، وذلك حفاظًا على صحة المريض وحياته..
كل هذه وغيرها ضوابط وآداب إسلامية تنقل مبدأ سماويًا كقوله تعالى: [ولقد كرمنا بني آدم] ... من حيز النظريات المجردة إلى التطبيق الواقعي؛ لترتقي حياة الإنسان عن أنماط أخرى للحياة عند سائر الكائنات.. وسبحان الذي أنزل شرعًا بهذا التكامل!
حقوق الحيوان في الحضارة الإسلامية ...
بقلم الدكتور راغب السرجانى ... تاريخ الإضافة: 15/09/06
مقدمة
تفرَّد الإسلام - كما رأينا في المقال السابق - بنظرة بالغة الرُّقي للحيوان وحقوقه.. وتربَّى المسلمون منذ عهد النبوة على أن الإحسان للحيوان ورحمته والرفق به.. عبادة تُكفِّر الخطايا وترفع الدرجات, كما أن الإضرار بالحيوان وتعذيبه وتحميله فوق طاقته.. جريمة توجب غضب الله وعقاب الآخرة.
وفي هذه السطور نستعرض بعض الجوانب المشرقة من تاريخنا الإسلامي فيما يخصُّ تعامل المسلمين مع الحيوان؛ لنرى كيف كان الرفق والأناة ديدنهم دائمًا، مقتدين في ذلك بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومقتفين أثره ..
وأول ما يلفت الانتباه في هذا الصدد أن كتب الفقه الإسلامي تزخر بالأحكام المتعلقة بالحفاظ على حقوق الحيوان وهي أحكام كثيرة قد لا يتسع المجال لتتبعها جميعًا.. ومن ثّمَّ نكتفي ببعض الأمثلة..
من ذلك مثلًا ما قرره الفقهاء من وجوب القيام على سقي الدابة وإطعامها، وإذا قصر مالك الحيوان في ذلك أجبره القضاء عليه، فإن لم يقم للدابة بما يجب عليه من حسن تغذيتها وسقيها، باعها القاضي ولم يتركها تحت يد صاحبها تقاسي.
يقول القاضي أبو يعلى (شيخ الحنابلة.. من قضاة القرن الرابع الهجري) في كتابه (الأحكام السلطانية) :"وإذا كان من أرباب المواشي من يستعملها فيما لا يطيق الدوام عليه أنكره المحتسب (وهو المُعَيَّن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالشرطي في زماننا) عليه ومنعه منه، فإن ادعى المالك احتمال البهيمة لما يستعملها فيه جاز للمحتسب أن ينظر فيه؛ لأنه - وإن افتقر إلى اجتهاد - عرفي يرجع فيه إلى عرف الناس وعاداتهم ، وليس باجتهاد شرعي والمحتسب لا يمنع من اجتهاد العرف إن امتنع من اجتهاد الشرع."
وفي الفتاوى البزازية (لابن البزاز فقيه الحنفية في القرن التاسع) (6/370) ما نصه:"المختار أن النملة إذا ابتدأت بالأذى لا بأس بقتلها وإلا يكره، وإلقاؤها في الماء يكره مطلقًا"، لأنه تعذيب لا مبرر له،"وقتل القملة لا يكره، وإحراقها وإحراق العقرب بالنار يكره"
فانظر كيف اهتم العلماء ـ رحمهم الله ـ بإيراد هذه التفاصيل الدقيقة الهامة في مصنفاتهم، مما يعكس مدى اهتمامهم بتعليم الناس الرفق بالحيوان ، ومراعاة حقوقه كل الرعاية ، وأن ذلك من الأمور التي يحاسب عليها الأمير ..
إنها روح خلقها الله عز وجل.. تسبح بحمده:"وإن من شيءٍ إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم". فيجب على المسلم مراعاة التعامل معها، والاهتمام بها في الحدود التي لا تضره..
وقال الصنعاني (من علماء اليمن ق 12 هـ) في سبل السلام (1/232) بعد حديث المرأة التي دخلت النار في هرة حبستها: (والحديث دليل على تحريم قتل الهرة.. لأنه لا عذاب إلا على فعل محرّم) .
ومثل هذه الأحكام في كتب الفقه الإسلامي لا حصر لها.
هذا وقد بلغ المسلمون في الرفق بالحيوان حدًا لا يكاد يُتصور، حتى إن عدي بن حاتم رضي الله عنه كان يفت الخبز للنمل ويقول: (إنهن جارات ولهن حق!!) كما رواه النووي في تهذيب الأسماء.
وكان الإمام أبو إسحاق الشيرازي (من أئمة الشافعية في القرن الخامس الهجري) يمشي في طريق يرافقه فيه بعض أصحابه، فعرض لهما كلب فزجره رفيق الإمام، فنهاه الإمام وقال: أما علمت أن الطريق بيني وبينه مشترك .
خلفاء المسلمين يوصون بالرفق بالحيوان