بل إن التشريع الإسلامي لا يكتفي برفع بعض التكليفات، والترخيص في بعض العبادات والفروض، وإنما يحض وبشدة على الوقوف إلى جوار المريض، ورفع روحه المعنوية إلى أقصى درجة، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم زيارة المريض وعيادته في بيته أو في المستشفى حقًا له على المسلمين، فقال فيما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه:"حق المسلم على المسلم ست .... وذكر منها:"وإذا مرض فعده".. وجعل الجنة نصيبًا لمن عاد مريضًا، فقال فيما رواه ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه:"من عاد مريضًا نادى مناد من السماء: طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلًا"."
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تذكر الخير عند المريض، وأن ترفع من روحه المعنوية، وتطمعه في الشفاء وفي طول العمر، فقد روى ابن ماجه في سننه من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم:"إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل - أي ارفعوا من إحساسه بطول أجله وشفائه من المرض - فإن ذلك لا يرد شيئًا، وهو يطيب نفس المريض"
بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتفع بروح المريض إلى السماء عندما يخبره أن هذا المرض هو كفارة لذنوبه، وهو مدعاة لنجاته في الآخرة إن صبر، فقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه"، ويقول فيما رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه:"إن الله تعالى قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه - أي بعينيه - فصبر، عوضته منهما الجنة"، وهكذا ترتفع معنويات المريض المؤمن إلى السماء، ولا يشعر بأنه أصبح كمًا عاجزًا مهملًا في المجتمع، بل إن الجميع يهتم به ويرعاه
النظرة الإنسانية للمريض أيًا كانت ديانته
ولم تكن هذه النظرة الإسلامية الراقية للمرضى المسلمين فقط، بل كانت لأي إنسان مريض مهما كانت ديانته، وذلك انطلاقًا من الآية الكريمة: [ولقد كرمنا بني آدم] ....، فالإنسان بصفة عامة مكرم، ولذلك نهتم برعايته حين مرضه، وبعلاجه إذا اشتكى ولو لم يكن مسلمًا.. فقد زار رسول الله صلى الله عليه وسلم غلامًا يهوديًا عندما مرض، وأفرد البخاري لذلك بابًا خاصًا في صحيحه فقال: باب عيادة المشرك.
هذا البعد الإنساني العميق الذي زرعه فينا الشرع الإسلامي الحنيف جعل الأطباء المسلمين في كل عصور الحضارة الإسلامية يتعاملون مع المريض على أنه إنسان وليس على أنه"شيء لا إحساس له"، ولا على أساس أنه مصدر للرزق عن طريق أخذ الأجر منه، بل كان التعامل معه دائمًا على أنه إنسان في أزمة، ويحتاج إلى من يقف إلى جواره، وليست المساعدة طبية فقط، ولكن تتعدى ذلك إلى المساعدة النفسية والاجتماعية والاقتصادية وغير ذلك.
بهذه الروح النبيلة تعامل الأطباء المسلمون مع مرضاهم، فكانت الخدمة الطبية الراقية تقدم للمرضى في الدولة الإسلامية دون تفرقة بين غني أو فقير، ولا عربي أو غير عربي، ولا أبيض أو أسود، ولا حاكم ولا محكوم، ولا مسلم أو غير مسلم.. ففي كثير من الأحيان كان العلاج مجانيًا للجميع.. وكان المرضى ينعمون بنفس المستوى من الخدمة أيًّا كان مستواهم.
نماذج راقية في التعامل مع المرضى
لنطلع سويًا على طرف من نظام المستشفيات الإسلامية، والذي يعطي انطباعًا عن البعد الإنساني الذي نقصده، فبمجرد دخول المريض للمستشفى يُفحص أولًا بالقاعة الخارجية، فإن كان به مرض خفيف يُكتب له العلاج، ويُصرف من صيدلية المستشفى، وإن كانت حالته المرضية تستوجب دخوله المستشفى كان يقيد اسمه، ويُدخل إلى الحمام للاغتسال، وتُخلع عنه ثيابه التي دخل بها فتوضع في مخزن خاص، ثم يعطى ثيابًا جديدة خاصة للمستشفى، ويُدخل إلى القاعة المخصصة لأمثاله من المرضى، ويخصَّص له سرير مفروش بأثاث جيد، ولا يسمح بوجود مريض آخر معه في نفس السرير مراعاة لنفسيته، وليس كما يحدث الآن في كثير من مستشفياتنا حيث يوضع المريضان - وأحيانًا الثلاثة - على نفس السرير، بل إن هذا كان يحدث في أول مستشفى أوروبي - وكان في فرنسا - والذي أنشئ بعد أول مستشفى إسلامي بحوالي تسعة قرون كاملة! فقد كانوا يضعون على السرير الواحد ثلاثة أو أربعة أو خمسة مرضى! بل كان المرضى ينامون في دهاليز المستشفى، وفي أجواء صحية رديئة..
وبعد دخول المريض للمستشفى الإسلامي يُعطى الدواء الذي يعيّنه الطبيب، كما يوصف له الغذاء الموافق لصحته، وبالمقدار المفروض له.. ولم يكن يضيق أبدًا على المرضى في نوع الطعام الذي يأكلونه، بل كان يقدم لهم أطايب الطعام، فقد كان غذاء المرضى يحتوي على لحوم الأغنام والأبقار والطيور والدجاج.. كذلك لا يضيق عليهم أبدًا في كميات الطعام، بل كانت من علامات الشفاء أن يأكل المريض رغيفًا كاملًا ودجاجة كاملة في الوجبة الواحدة!
فإذا أصبح المريض في دَور النقاهة أدخل القاعة المخصصة للناقهين، حتى إذا تم شفاؤه أعطي بذلة من الثياب جديدة دون أجر، وليس هذا فقط بل كان يعطى مبلغًا من المال يكفيه إلى أن يصبح قادرا على العمل! وذلك حتى لا يضطر إلى العمل في فترة النقاهة فتحدث له انتكاسة، ولا تسل عن مدى الطمأنينة التي ينعم بها الفقير في المجتمع الإسلامي عندما يعلم أنه إذا مَرِض فسيجد مثل هذا المستوى من الرعاية المجانية دون أن يحتاج إلى إراقة ماء وجهه أو البحث عن وسلطات أو شفاعات لينال ما يستحق من الاهتمام والعلاج.. فضلًا عن مدّ يده متسولًا ليتم علاجه
الرازي يوجّه تلاميذه
ما أروع توجيه (أبي بكر الرازي) كبير أطباء المسلمين في عصره.. إذ كان يوصي تلاميذه أن يكون هدفهم الأول إبراء مرضاهم أكثر من نيل أجورهم منهم، وأن يعالجوا الفقراء بمثل الاهتمام والعناية التي يعالجون بها الأمراء والأغنياء، وأن يوهموا المرضى بالشفاء حتى لو كانوا أنفسهم لا يعتقدون بذلك: (.. فمزاج الجسم تابع لأخلاق النفس) .
ولم يكن هذا المستوى العالي من الرعاية الصحية مقصورًا على المدن والحواضر الكبرى, بل حظيت كل بقاع الدولة الإسلامية بذات الاهتمام.. وذلك من خلال المستشفيات المتنقلة التي أشرنا إليها في مقال سابق.. والتي كانت تجوب القرى والنجوع والجبال والمناطق النائية بصفة عامة، والشاهد هنا أنه كان يُنظر إلى رعايا الدولة المسلمة - في مجال الرعاية الطبية - نظرة متساوية بغضّ النظر عن بيئاتهم ومستوياتهم الاجتماعية أو الاقتصادية.
بل إن النظرة الإسلامية الرحيمة للمريض تعدّت كل طبقات المجتمع السوية لتشمل نزلاء السجون ممن أساءوا لمجتمعهم! فهؤلاء أيضًا كانوا يجدون الرعاية الطبية الكافية؛ فهم بَشَرٌ, ومن أبناء المجتمع على أي حال.. وما ينزل بهم من الحبس والعقاب إنما هو لإعادة إصلاحهم لا للقضاء عليهم بالموت البطيء الذي يتعرض له نزلاء كثير من السجون في عالم اليوم.. كتب الوزير علي بن عيسى بن الجراح إلى سنان بن ثابت رئيس أطباء بغداد:".. فكرت في أمر من في الحبوس (السجون) , وأنه لا يخلو مع كثرة عددهم وجفاء أماكنهم أن تنالهم الأمراض، فينبغي أن تفرد لهم أطباء يدخلون إليهم كل يوم, وتُحمل إليهم الأدوية والأشربة, ويطوفون في سائر الحبوس.. ويعالجون فيها المرضى"..