فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 1942

الحضارة الإسلامية بين أصالة الماضي وآمال المستقبل

الباب الرابع

كيف نبني حضارتنا الإسلامية؟

الباب الخامس

قيم التقدم في المجتمع الإسلامي

الباب السادس

حقيقة الحضارة الإسلامية

جمع وإعداد

الباحث في القرآن والسنة

علي بن نايف الشحود

الباب الرابع

كيف نبني حضارتنا الإسلامية؟

المرجع الديني

آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي

-عز وجل - المحور الأساسي في الحياة الإسلامية هو: العمل الصالح النابع عن الإيمان الحق .

-عز وجل - ينبغي أن يكون التنافس في المجتمع الإسلامي حول الإيمان والعمل الصالح (أي حول محور التقوى)

للتنافس والإستباق إلى الخيرات، والمسارعة إلى الجنة، دور حاسمٌ وأساسي في دفع المجتمع إلى الامام وفي المحافظة على خطه العام. ويضع الإسلام، باعتباره الرسالة التي اُنزلت بعلم الله المحيط بكل شيء، يضع مناهجه الحياتية على أساسين:

الأول: الشعور الذاتي الفطري.

الثاني: الأنظمة الاجتماعية.

وتتوافق الأنظمة الاجتماعية في الإسلام مع ذلك الشعور النابع من أعماق الفطرة البشرية. فالإسلام، من جهة، يبعث فيك الاحساس بالتنافس والشعور بالاستباق، وبالتالي يريدك أن تنظر إلى الآخرين وتتخذ من عملهم مقياسًا لحجم عملك، ومن جهة ثانية يدفعك إلى ذات القيم التي تدفعك إليها فطرتك وقلبك وعقلك.

وهكذا فإن النصوص التي تؤكّد على ضرورة العمل، ليست بعيدة عن تلك التي تؤكد على التنافس والمسارعة إلى الخيرات، فالنصوص التي تدعونا إلى التنافس، من أجل أن يكون أحدنا أقرب إلى الله من الآخرين، إنّما تبلور فينا تلك الفطرة القائمة فعلًا.

والشعور بالتنافس جزء من النزعة الإجتماعية في المجتمع، وهي تشبه الروح في الإنسان، والإسلام حين ينمّي هذه النزعة ويطهّرها، فإنّما يضرب على الوتر الحساس.

يقول تعالى:

?إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ? البقرة،62

محور التقوى

يوحي هذا النص إِن التنافس يجب أن يكون حول الايمان والعمل الصالح أي حول محور التقوى، وأن ما عدا ذلك من القيم والاسماء والانتماءات لا تعني شيئًا بل إنّها سوف تتلاشى.

وفي آية أخرى يؤكد القرآن الحكيم لنا على أن ما نعمله سنجده عند الله سبحانه، يقول تعالى:

?وَمَا تُقَدِّمُوا لاَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ? البقرة،110

هذه الآية تثير فينا حوافز هائلة نحو العمل، لأن الإنسان إذا اكتشف أن عمله سيبقى ولن يضيع فانه سيندفع إلى العمل الصالح بشكل كبير، لأنه يرى أن عمره يذهب، أما عمله فيبقى، فلماذا لا يستفيد من عمره الزائل من أجل عمله الباقي؟

إن كل عمل تعمله في طريق الخير فهو لك، حتى لو كان في مظهره من أجل الآخرين، لأنّك حينما تعمل للآخرين، فان هذا العمل سيتضاعف وتعود اليك نتائجه من حيث تشعر أو لا تشعر.

وفي آية أخرى يقول الله سبحانه وتعالى:

?وَقَدِّمُواْ لأنْفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ مُلاَقُوهُ وَبَشّرِ المؤمِنِينَ? البقرة،223

ونقرأ في آية ثالثة قول الله عز وجل:

?يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفُ بِالْعِبَادِ? آل عمران،30

ونقرأ في سورة النساء ما يدل على: أن المحور الأساسي في الحياة هو العمل الصالح النابع عن الايمان الحق:

?لَيْسَ بِاَمَانِيِّكُمْ وَلآ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ اُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَاُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا? النساء،123-124

العمل والجزاء

ويقول سبحانه:

?فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ? الزَّلزَلَةِ،7-8

إذن، فإن أعمال الخير وأعمال الشر تبقى ولا تزول، وهي محور جزاء الإنسان في الدنيا والآخرة.

ومن أجل أن يدفعك الإسلام إلى أن تجتهد في سبيل عمل الخير، ولا تدع عمل خير الا وتقوم به، ولا تبقي من عمرك لحظة الا وتعمرها بعمل الخير، فان القرآن يبين أنّه في يوم القيامة سيُنصب ميزان توضع في كفة منه أعمال الإنسان الخيرة وفي الكفة الأخرى أعماله الشريرة، وآنئذ يشعر الإنسان بقيمة حبة الخردل من عمله، هذه الأعمال الصغيرة التي قد نستهين بها اليوم، إلاّ أننا نشعر بقيمتها غدًا، واذا كنا الآن عقلاء واستشعرنا أنفسنا وتحسسنا بذلك الموقف، فإننا نستطيع أن نعمل اليوم، لكي ننتفع به في الآخرة، أما بعد فوات الأوان فإننا لا نستطيع أن نعمل، فنندم، والندم لا ينفع شيئًا وأعوذ بالله من ذلك اليوم. لذلك جاء في الحديث: (ودع فخرك إلى الميزان) .

ففي ذلك اليوم إذا رجحت كفة الحسنات على كفة السيئات، يحق لك أن تفتخر، أما اليوم وقبل أن تعرف مصيرك فلا تستطيع أن تقول شيئًا.

يقول تعالى:

?وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَاهِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ? القَارِعَةِ،8-11

إن الهاوية التي هي نار حامية، هي مصير من خَفَّت موازينه في مجال عمل الخير، فهل الأفضل أن يعمل الإنسان الخير أو لا يعمل؟ أن يجتهد أو لا يجتهد؟

إن القرآن الحكيم ورسالات الله تبلور للإنسان هذا الإحساس الذي تعيشه أنت بينك وبين الله، فحتى لو كنت على قمة جبل فإن هذا الإحساس يزيدك إندفاعًا نحو العمل. لذلك نرى المؤمنين المتقين الذين أيقنوا بأن الآخرة حق، يتعبون أنفسهم ويجهدون، بل يكادون يهلكونها بالعمل في سبيل الله.

وهذا الإحساس الديني هو الإحساس الذي لم يفهمه كثير من علماء الاجتماع، لذلك أخطأوا في فهمهم للدوافع الذاتية عند الإنسان.

الفطرة والتنافس

وحينما يقترب الإنسان إلى الله سبحانه بفطرته الأولية النقية، فانه يفعل ذلك حبا في الله، واحساسا بضرورة الاتصال بينبوع المحبة والعظمة والجمال.

وإن الأدعية المأثورة عن النبي وأهل بيته (عليهم الصلاة والسلام) ، مثل دعاء البهاء لأسحار شهر رمضان المبارك الذي يقول:

(اللهم اني أسألك من بهائك بأبهاه، وكل بهائك بهي . اللهم اني أسألك ببهائك كله. اللهم اني أسألك من جمالك بأجمله، وكل جمالك جميل، اللهم اني أسألك بجمالك كله..)

إن هذه الأدعية تثير في أعماق وجدان الإنسان ذلك الأحساس الديني النقي النظيف المفعم حيوية وروحًا وصفاءً ونقاءً. ولو لم يمتلك الإنسان هذا الاحساس، فإن آلاف الأدعية والنصوص والتوجيهات لا تنفعه شيئًا.

إنّ هذا الاحساس الديني العميق في فطرة الإنسان بالعمل وبضرورة خلاص الذات من أهوال يوم القيامة ومن النار، يستفيد منه الإسلام اجتماعيًا أيضًا، فيجعله متوافقًا مع الشعور الإجتماعي، هذا هو الفرق الكبير بين المجتمع الإسلامي الذي يعيش حالة التنافس والمسارعة إلى الخيرات، والمجتمع الجاهلي الذي يعيش حالة الإنفصام والتقاعس.

التنافس الزائف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت