فهرس الكتاب

الصفحة 280 من 1942

وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (لكن جماع الخير أن يستعين بالله سبحانه في تلقي العلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه هو الذي يستحق أن يسمى علمًا، وما سواه إما أن يكون علما فلا يكون نافعًا، وإما أن لا يكون علمًا وإن سمي به، ولئن كان علمًا نافعًا فلا بد أن يكون في ميراث محمد صلى الله عليه وسلم ما يغني عنه مما هو مثله وخير منه) (4) .

وقال ابن رجب رحمه الله تعالى: (فالعلم النافع من هذه العلوم كلها ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها، والتقيد بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث... في ذلك غاية لمن عقل، وشغل لمن بالعلم النافع اشتغل) (5) .

وقال الشافعي رحمه الله تعالى:

كل العلوم سوى القرآن مشغلة ... إلا الحديث وإلا الفقه في الدين

العلم ما كان فيه قال؛ حدثنا ... وما سوى ذاك وسواس الشياطين

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:

العلم قال الله قال رسوله ... ... قال الصحابة هم أولو العرفان

وكلام أهل العلم في هذا كثير جدًا، وفيما نقلت كفاية إن شاء الله تعالى.

فالحاصل:

إن الحضارة الإسلامية لا تقاس بعمران الدنيا ولا بعلومها، فإن المسلمين لما اشتغلوا ببناء القصور الفارهات، وبتعلّم الفلسفة والمنطق والطبيعيات، وركنوا إلى الدنيا واستهانوا بالعلوم الشرعيات؛ رماهم الله بالدواهي والمصيبات، فالفهمَ الفهمَ، فإن الإسلام لم يأتِ لعمارة الدنيا إلا بالطاعات.

والله أعلم، وهو الموفق للصالحات.

تمهيد:

لم تنتشرْ هذه العلوم والتي تسمى بـ"علوم الأوائل"عند المسلمين وتظهر بصورة كبيرة إلا في وقت المأمون، الذي أمر بترجمة كتب اليونان في الفلسفة والحكمة وغيرها، فأدخل بفعله هذا على المسلمين شرًا لا يزال أثره إلى اليوم.

لذلك قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (إن الله لن يغفل عن المأمون ما أدخله على المسلمين بترجمة تلك الكتب) .

وقال: (ثم طُلبت كتبهم - أي الفلاسفة - في دولة المأمون من بلاد الروم، فعُرِّبت ودرَّسها الناس، وظهر سبب ذلك من البدع ما ظهر) (6) اهـ.

ونصوص العلماء في ذم فعل المأمون هذا كثيرة، ولكن الذي يزيد الأمر ضغثٌ على إبّارة؛ أن أولئك القوم يجعلون عصر المأمون هذا من أعظم العصور الإسلامية علمًا وفتحًا على المسلمين - إن لم يكن أعظمها على الإطلاق - بسبب هذه الترجمة.

ولك أن تقارن إن أردت الحق في ذلك بما فعله الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإنه لما فتحت فارس وجد المسلمون فيها كتبًا كثيرة، فاستشاروا عمر فيها، فأمرهم بإحراقها، وقال قولته العظيمة: (إن يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله بأهدى منه، وإن يكن ضلالًا فقد كفاناه الله) ، فأحرقت كلها أو طرحت في الماء.

فريقان منهم سالكٌ بطنَ نحلةٍ ... وآخر منهم سالكٌ نجدَ كبكبِ

وكأني بأولئك القوم؛ يحاولون أن يكّذبوا، أو على الأقل يخفوا هذه الرواية وهذا الخبر، حتى لا يسمع به الغرب والكفار خير مؤيد للإسلام بأنه دين الجهل، وأنه عدو للعلم والعلماء، ولكن...

ما ضرَّ تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحرانِ

فالإسلام هو الإسلام، لا يغيره تأويل جاهل، ولا تكلّف أحمق، وحكم الإسلام في هذه العلوم واضح جلي ذكره العلماء، وسوف أنقل فيما يأتي بعض هذه العلوم وبعض ما قيل فيها، والله المستعان.

علم الفلسفة (7) :

وهو منبع الضلالة، ومنجم الباطل، قد عشّش به الشيطان وضرب فيه قباب، حرّمه جميع المحققين من العلماء، ومَنْ تعلمه وأدمن النظر فيه لم يسلم من الإلحاد، ودين أهل هذا العلم هو الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، أبطلوا النقول، وخالفوا المعقول، وأضلوا الأمم.

قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: (الفلسفة رأس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالحجج الظاهرة، والبراهين الباهرة، ومن تلبّس به علمًا وتعليمًا قارنه الخذلان والحرقان، واستحوذ عليه الشيطان، وأي فنٍ أخزى منْ فنٍ يعمي صاحبه - أظلم قلبه - عن نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم... وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشارع، ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، والسلف الصالحين، وسائر من يقتدى به من أعلام الأئمة وسادتها، وأركان الأمة وقادتها، قد برّأ الله الجميع من معرّة ذلك وأوناسه، وطهرهم من أوضاره) (8) اهـ.

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: (فالزندقة والإلحاد عند هؤلاء جزء من مسمى الفلسفة أو شرط... فلا مبدأ عندهم ولا معاد ولا صانع ولا نبوة ولا كتب نزلت من السماء تكلم الله بها، ولا ملائكة تنزلت بالوحي من الله سبحانه، فدين اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل خير وأهون من دين هؤلاء) (9) اهـ.

وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (والفلاسفة هم الذين أفسدوا أهل الملل قبلنا مللهم وتواريخهم) (10) .

وقال: (كان هؤلاء المتفلسفة إنما راجوا على أبعد الناس عن العقل والدين، كالقرامطة والباطنية الذين ركّبوا مذهبهم من فلسفة اليونان ودين المجوس وأظهروا الرفض، وإنما ينفقون في دولة جاهلية بعيدة عن الإيمان، إما كفارًا أو منافقين، كما نفق مَنْ نفق منهم على المنافقين الملاحدة) (11) اهـ.

وقال ابن القيم رحمه الله في نونيته:

والفيلسوف وذا الرسول لديهم ... متفاوتان وما هما عدلان (12)

أما الرسول ففيلسوف عوامهم ... والفيلسوف نبي ذي البرهان

والحق عندهم ففيما قاله ... ... اتباع صاحب منطق اليونان

ومضى على هذي المقالة أمة خلف ابن سينا فاغتروا بلبان

منهم نصير الكفر في أصحابه ... الناصرين لملة الشيطان

إخوان إبليس اللعين وجنده ... لا مرحبًا لعساكر الشيطان

(1) إغاثة اللهفان: 2/602.

(2) انظر ذلك بالتفصيل في"جامع بيان العلم وفضله"، لابن عبد البر: 2/29 -50.

(3) فضل علم السلف على علم الخلف: ص59.

(4) المجموع: 10/664.

(5) السابق: ص63.

(6) المجموع: 2/84.

(7) الفلسفة القديمة تحتوي على سبعة علوم، هي على ترتيبهم: المنطق ثم الارتماطيقي - علم العدد - ثم الهندسة ثم الهيئة - علم الفلك والنجوم - ثم الموسيقى ثم الطبيعيات ثم الإلهيات، ولكل واحدٍ فروع، وانظر لتفصيل وشرح هذه العلوم؛"مقدمة ابن خلدون": ص478 وما بعدها.

(8) الفتاوى: ص70.

(9) إغاثة اللهفان: 2/595.

(10) المجموع: 5/140.

(11) المجموع: 9/176.

(12) يعني: متساويتان.

علم الكيمياء (1) :

قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (وحقيقة الكيمياء إنما هي تشبيه المخلوق، وهو باطل في العقل، والله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فهو سبحانه لم يخلق شيئًا يقدر العباد أن يصنعوا مثل ما خلق... وأهل الكيمياء من أعظم الناس غشًا ولهذا لا يظهرون للناس إذا عاملوهم إن هذا من الكيمياء... فجماهير من يطلب الكيمياء لا يصل إلى المصنوع الذي هو مغشوش باطل طبعًا، محرم شرعًا بل هم يطلبون الباطل الحرام... ولم يكن في أهل الكيمياء أحد من الأنبياء ولا من علماء الدين ولا من مشايخ المسلمين، ولا من الصحابة ولا من التابعيين لهم بإحسان وأقدم من يحكى عنه شيء في الكيمياء خالد بن يزيد بن معاوية(2) وليس هو ممن يقتدي به المسلمون في دينهم ولا يرجعون إلى رأيه... وأما جابر ابن حيان؛ صاحب المصنفات المشهورة عن الكيماوية فمجهول لا يعرف، وليس له ذكر بين أهل العلم ولا بين أهل الدين) (3) اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت