ونأتي بعد ذلك إلى الآية 72 من سورة الأحزاب التي رسمت الخطوط الكبرى للميثاق المعقود بين الخالق والمخلوق ، كأنما أراد الله سبحانه توضيح معنى الاستخلاف بإضافة مفهوم الأمانة عليه .. والأمانة هي كما نعلم ، أساس كل ميثاق - أو عقد ، حسب تعبير فلاسفة السياسة في فرنسا القرن الثامن عشر. (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال ) .
توجد تلك الأمانة لدى مالكها الأول ، الذي هو الله سبحانه وتعالى ، وأراد أن يعرضها لا أن يفرضها ، فلو اراد فرضها دون انتظار استجابة لفرضها ، لكن الله عرضها ، أي تقدم بها برحمته الإلهية ، وانتظر موقفًا من السماوات والأرض والجبال ، فأبين أن يحملنها ، وأشفقن منها ، وحملها الإنسان -وهو مخير في ذلك القرار الحاسم- لكن المولى عز وجل ، عقب على القبول الإنساني ، للأمانة بأن الإنسان كان ظلومًا جهولًا.
إن الصفتين اللتين نعت بهما الله سبحانه الإنسان (الظلم والجهل) هما أصل كل نقص بشري ، وسبب مباشر لأغلب مصائبه في الأرض ، ويقتضي حمل الأمانة المعروضة عليه ، أن يسعى لإصلاح هاتين النقيصتين ، بالعمل السياسي ضمن مجتمع مسلم . فلاحظوا معي ، أن اختيار الله سبحانه للظلم والجهل ، هو الإقرار بالنقائص السياسية، أو الاجتماعية أساسًا ، دون النقائص الفردية الذاتية الخاصة بكل إنسان ، مثل الكفر ، والنفاق ، والأنانية ، واللؤم.
أراد الله أن يعدد نقيصتين ، لا يتسم بهما فرد واحد ، وإنما مجتمع بأسره ، فالظلم نقيض العدل ، وهما مفهومان سياسيان ، أي لن يستقيم معنى الظلم ، وكذلك معنى العدل ، إلا ضمن مجتمع سياسي ، والمعنى نفسه لعبارة الجهل نقيض العلم ، فهما أيضًا مفهومان سياسيان ، حيث لا يظلم ، ولا يجهل إنسان ، وهو بمفرده معزول عن الآخرين من أبناء جلدته ، وإنما يصبح معنى الظلم -نقيضه العدل- ومعنى الجهل -أو نقيضه العلم- في مجتمع متكون من خلاياه العائلية ، والقبلية ، والمهنية.
وتأتي آيات عدة لتعطينا مفاتيح ما انغلق من أسرار الأمانة ، كما عرّفها الله تبارك وتعالى:
(فإن أمِنَ بعضكم بعضًا فليؤد الذي أؤتمن أمانته ) (البقرة:283) .
(إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) (النساء:58) .
(لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم ) (الأنفال:27) .
(والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) (المؤمنون:8) .
وكذلك يتضح البعد الأخلاقي والإيماني ، لعبارة الأمانة ، فيربط سبحانه بينهما وبين رعاية العهد ، ويعلمنا بأنها موصولة بعلاقة الإنسان بالله والرسول: وأن عدم خيانة الأمانة ، بمثابة عدم خيانة الله والرسول ، وتكمل سورة النساء هذه الأبعاد الفاضلة بأمر الله: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) .
وينطبق هذا المفهوم القرآني على الأمانة التي ذكرها سبحانه في الآية 72 من سورة الأحزاب ، والتي عرضها الله على السماوات والأرض والجبال ، فأبين أن يحملنها ، وأشفقن منها ، وحملها الإنسان ، ويضيف سبحانه مبينًا ، أنه كان ظلومًا جهولًا ، في قبوله للأمانة ، والعزم على حملها.
ألسنا من خلال الآيتين (آية الخلافة وآية الأمانة) نعبر عن صميم قضية الحكم في الإسلام ، فتبدو المسألة السياسية واضحة يسيرة طيعة ، صفت وتجلت أمام أعيننا في جوهرها الأول المكنون ، أي في القرآن الكريم ، كتاب الله المرسل للمسلمين ، وجاءت السنة النبوية ، وتبعها السلوك الأمثل للخلفاء الراشدين ، ثم التحق الفقهاء والعلماء ورثة الأنبياء ، لتأكيد هذا التعريف القرآني المؤسس للفكر السياسي الإسلامي ، والقائم كما بينا على الثنائية الروحية والأخلاقية والتعاقدية: الاستخلاف ، والأمانة؟!
ونخلص إلى القول: بأن مشروعنا الحضاري الإسلامي ، هو الفريد المتميز ، بانطلاقه من هاتين القيمتين الخالدتين ، الاستخلاف والأمانة ، وهو الوحيد الذي شكل منظومته السياسية ، وأرسى قواعده الاجتماعية والثقافية ، على هاتين المثلين الأعليين . ثم إنه كما أسلفنا ، مشروع تحقق ، أي أننا لا يمكن أن نشك في إمكانية تنزيله على واقعنا الراهن ، كما نزله الرسول الأمين صلى الله عليه و سلم وخلفاؤه من بعده على واقعهم ، وكما تحقق منه الجزء الأوفر ، أثناء الدول الإسلامية عبر التاريخ ، بفضل اجتماع الكلمة ، والتمكن من أسباب القوة والمنعة .. وتعرض المسلمون كذلك لعهود من الضعف والانحلال والتشرذم ، وكان سببها الرئيس التفريط في القيمتين المذكورتين - الاستخلاف والأمانة - بل بتعبير أدق: كان سبب تلك العهود المظلمة ، تحول الاستخلاف والأمانة من منزلة الحكم ، إلى منزلة المعارضة ، وانتقالها كما سنرى من خانة السلطة إلى خانة الفكر المقموع.
لكن الاستخلاف والأمانة كقيمتين متلازمتين ، ظلتا موجودتين في التراث السياسي والثقافي الإسلامي: أحيانًا في موقع المسؤولية وقيادة الدولة ، وبالتحام الراعي مع الرعية ، وأحيانًا في موقع الريادة الفكرية ، حين تضل السبل ، بأولي الأمر ، وتشتبه المسالك
قل اللهم مالك الملك
إذا كان قيام الإسلام على التوحيد ، أي الإيمان بوحدانية الله تبارك وتعالى ، فإنه قضى بوحدانية مصدر التشريع . والوحدانية المصدرية نابعة من الوحدانية الإلهية ، فلا شرك بالله ، كشرط أول لإسلام المسلم ، ولا تعدد لمصادر القانون ، كشرط أول لبناء المجتمع الإسلامي . وبذلك يكون التوحيد الأكبر ، أي التسليم بأن الله أحد ، هو شرط إسلام الفرد في سريرته ، ويكون التوحيد الثاني ، أي الاعتقاد بأن الحكم لله وحده ، هو شرط إسلام الفرد في عشيرته وفي مجتمعه.
وتتعدد في القرآن الكريم آيات تحريم اتخاذ الأرباب من دون الله ، وتجريم عبادة الطاغوت: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله ) (آل عمران:64) . (أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نُزُلا ً) (الكهف:102) . (فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولائك هم الكافرون ) (المائدة: 44) . (قل أغير الله أبغي ربًا وهو رب كل شيء ) (الأنعام:164) .
ذلك هو معنى الانفراد بالألوهية ، الذي سنه القرآن لإعلان مساواة المؤمنين ، فلا يحق لبعضهم اتخاذ بعض أربابًا أو أولياء ، ولا يحق لبعضهم خشية بعض.
ثم جاءت آيات انفراد المولى عز وجل بالتشريع ، واختصاصه وحده بسن القانون الأعلى للحكم: (اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين ) (الأنعام: 106) .
( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ) ( الأعراف: 3) .
( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولائك هم الكافرون ) (المائدة: 44) .
وفي آية أخرى (هم الظالمون ) ، وفي آية ثالثة (هم الفاسقون ) ، وزاد القرآن بيانًا، فوضع منهجين واضحين للحكم هما:
(1) حتمية حكم الله .
( 2 ) عقلانية شريعة الله .
1 -سن الله سبحانه وتعالى حتمية القبول بحكم الله ، لكي يكون الإيمان إيمانًا كاملًا ، في قوله تعالى:
(فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا ) ( النساء: 65 ) .
ويرتبط الإيمان الحقيقي هنا ، بتحكيم الشريعة فيما شجر بين الناس ، بنفس مطهرة من الحرج .
2 -أما توافق الشريعة مع العقل ، فتنص عليه الآية الكريمة:
(ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ) ( الجاثية:18) .