لقد كان اقتران الديني بالدنيوي في أوروبا ـ ولأسباب تاريخية ليس هذا مجالها ـ نقيضًا لحرية التعبير الفكري أو المذهبي أو الذاتي، بل نقيضًا حتى لحرية التعبير العلمي، ومن ثم جاءت خطوة فك الارتباط بين الحلقتين -وبعد صراع مرير- لصالح الحرية الإنسانية في مجالاتها كافة، بما فيها البحث العلمي والتاريخي على وجه الخصوص؛ إذ لم يعد ثمة ما يصدّ الباحث عن المضي قدمًا في التحقق بأكبر قدر من الموضوعية.
وعلى العكس تمامًا، فإن اقتران الديني بالدنيوي في عالم الإسلام، كان تأسيسًا للحرية وتأكيدًا لها في سائر السياقات الفكرية والمذهبية والذاتية، ودفعة قوية في مجال حرية التفكير وإنشاء مؤسسات وتقاليد ومناهج البحث العلمي الذي يؤكد الغربيون اليوم كم أنهم في حضارتهم المتفوّقة الراهنة مدينون بصدده لعالم الإسلام وحضارته وتقاليده.
وهؤلاء الأدعياء يتوهمون، أو يتعمدون التوّهم، بأن هناك توازيًا بين التجربتين النصرانية والإسلامية، ويصرّون على استخدام عبارة"العصور الوسطى"كإطار زمني للتجربتين من أجل تأكيد وهمهم هذا، وهو أسلوب في التعميم لا يستند إلى أساس سليم. فليس المهم أن تحدث التجارب في زمن واحد، وإنما المهم هو طبيعة التجربة ومكوّناتها الأساسية، وتوجّهاتها الرئيسة. فها هنا بصدد الطبيعة والمكونات والتوجهات، نجد التجربتين تفترقان ابتداء، وعلى زاوية مائة وثمانين درجة، فتذهب إحداهما في اتجاه وتمضي الأخرى في اتجاه معاكس تمامًا، ومن ثم فإن أي مقارنة بين التجربتين تحترم العلم والمنهج، يجب أن تلحظ هذا، وإلاّ فإنه التعصّب الأعمى، أو الجهل، مما يجعل أدعياء العلمية هؤلاء يخلطون بين التجربتين، ويضعون البيض كلّه في سلة واحدة.
لقد كانت إحدى أهم نقاط الارتكاز في العقيدة والتصور الإسلاميين هو التحرّر العقلي والسلوكي والوجداني من أي شبهة قد تقود إلى القداسة والصمنية والافتتان، وإقامة الأسلاك الشائكة ضد النقد والتقويم. ولقد كان هذا أمرًا طبيعيًا؛ لأنه ينبثق عن قاعدة الإسلام الأساسية: التوحيد المطلق لله سبحانه، وضرب كل صور الشرك والعبودية لغيره. حتى إننا لنجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يبذل جهدًا صعبًا مع أصحابه الكرام (رضي الله عنهم) فيربّي فيهم هذا الحسّ بدءًا من التعامل معه كنبيّ، وأن عليهم أن يفرّقوا بشكل حاسم بينه كرسول ينقل إليهم تعاليم السماء، ويفسّرها، ويوضحها، وبينه كإنسان (بشر) فيما أكده القرآن الكريم أكثر من مرة: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ...) [الكهف: من الآية110] ، (...قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا) [الإسراء: من الآية93] .
بينما في التجربة النصرانية المحرّفة تصير القاعدة هي الشرك والتثليث، وتصبح قداسة الأشخاص وصنميات التسلسل الكهنوتي حاجزًا عاليًا صعبًا يصدّ المنتمين للنصرانية عن أي محاولة للتحاوز بالنقد والتقويم والاحتجاج؛ لأنهم ـ ابتداءً ـ انكسروا من الداخل .. اعتادوا الانحناء للرموز النصرانية وعدم مواجهتها بسبب من أنهم مُرّرت عليهم أسطورة التثليث والقداسة فتكيّفوا عقليًا وسلوكيًا ووجدانيًا وفق مطالبها الموهومة.
ولقد انعكست كل من التجربتين الإسلامية والنصرانية على التاريخ.. على معادلات الزمان والمكان، فتشكلت أولاهما وفق مبادئ ومنطلقات تختلف في جوهرها عما تشكلت به الأخرى
كيف واجهت الحضارة الإسلامية مشكلة المياه؟
عرض: طارق ديلواني 8/5/1427
-تأليف:د. خالد عزب
-صدرعن المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (الاسيسكو) .
صدر مؤخرًا عن المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (الاسيسكو) في المغرب، كتاب «كيف واجهت الحضارة الإسلامية مشكلة المياه؟» ، للدكتور خالد عزب مدير إدارة الاعلام بمكتبة الإسكندرية، وقدمه الدكتور عبد العزيز التويجري مدير عام (الاسيسكو) .
الكتاب حاول أن يلخص تعدد مجالات الإبداع في الحضارة الإسلامية، حيث ازدهرت العلوم والمعارف والآداب والفنون، وفي مقدمتها علم المياه الذي يبحث في خصائص الماء، وفي تصريفه، وفي استغلاله.
وفي استخراجه من باطن الأرض، وفي بناء السدود، وتشييد الجسور، وفي كل شأن من الشؤون المتعلقة بالمياه، وأكد"التويجري"أن العرب تفوقوا في هذا الحقل العلمي تفوقًا باهرًا، ووجّه الشكر لمؤلف الكتاب على جهوده؛ إذ سبر غوْر علم صعب المنال للكثيرين.
ويعنون (خالد عزب) الفصل الأول من كتابه «الماء في الشرع الشريف» وذكر فيه أن الرؤية الإسلامية للماء على كونه أصل الحياة، هبة من الله، وشراب المعرفة، وله أيضًا معنى تطهيريًا؛ لأنه يطهر المسلم خارجيًا (جسده) ، وداخليًا (روحه) ، وأن إمداد الآخرين بالماء، سواء كان إنسانًا أو حيوانًا، يعد زكاة في الإسلام.
ثم يتناول المؤلف علم استنباط المياه عند المسلمين، مستعرضًا مؤلفات علماء المسلمين في علم استنباط المياه، وأول كتاب عُرف في هذا العلم «علل المياه وكيفية استخراجها واستنباطها في الأرضين المجهولة» الذي ألفه ابن وحشية، من أهل المئة الثالثة الهجرية.
ويكشف الكتاب عن أن مدينة مدريد الإسبانية تدين بفضل وجودها لشبكة المياه التي مدها العرب ببراعة من خارج المدينة إلى طرقاتها، وهي ممدودة بمناسيب محسوبة بدقة، واسم مدريد نفسه يدل على ذلك (مجري ـ يط) وهما كلمتان عربية ولاحقة لاتينية دارجة تدل على التكثير أي تكثير المياه.
ويطوف بنا المؤلف في الفصل بين العديد من تجارب المدن الإسلامية في مواجهة مشكلة المياه من فاس إلى مراكش إلى الجزائر إلى بلغراد ثم سمرقند، ومستعرضًا الأساليب التقنية الخاصة لحل مشكلات المياه، سواء الأفلاج في الإمارات وعمان، أو الخيول في اليمن أو المواجل في تونس.
لكن الكتاب يفتح الباب للجدل حول قضية في غاية الأهمية، وهي قضية الأمن المائي العربي في عصر العولمة حاليًا؛ إذ تتسارع الخطا لأن تكون حروب العالم المقبلة على قطرة الماء.
ولا يمكن لنا أن ننكر أن ثمة تحديًا قادمًا يواجه أمتنا العربية هو تحدي المياه، ففي غضون الـ (20) عامًا المقبلة ستصل أزمة المياه إلى ذروتها، وستعاني الأمة -برمتها- من"الفقر المائي".
و"إسرائيل"التي استولت على 60% من احتياجاتها المائية بقوة السلاح من العرب منذ عام 1967 لم تكتف بذلك، بل إنها تحاول العبث بمقدرات العرب بتشجيع أوغندا وتركيا على إقامة السدود حتى لا تصل المياه إلى الدول العربية من خارجها!
وعلى هذا فإن الأمن المائي في هذا القرن سيكون عنصرًا أساسيًا في تحديد مسار الأمن السياسي لكثير من الدول.
وتوضح التقارير أن استهلاك المياه في العالم قد ارتفع من (1360) مليار كيلو متر مكعب عام 1950 إلى (4310) مليار كيلو متر مكعب عام 1990، وتستهلك الصناعة 23% ثم الاستخدامات المنزلية 8%، ويرى الكثيرون أن العالم مقبل على مشكلة نقص المياه في القرن الحادي والعشرين، ومن هنا أوصت المؤتمرات المعنية بإنشاء وكالات متخصصة لحماية أحواض الأنهار مثل حوض النيل وحوض الفرات، لتطرح حلولًا دبلوماسية هادئة تستأصل جذور الصراع حول المياه وتحويلها إلى عنصر جاذب لدول الحوض ..وتوحّد جهودها من أجل احترام حصصها وحمايتها من التلوث.