فهرس الكتاب

الصفحة 1690 من 1942

ونريد هنا أن نقف عند شاهد واحد من تلك الشواهد في سيرته صلى الله عليه وسلم ، وهو حادث الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة ، لنرى مدى حرصه صلى الله عليه وسلم على الأخذ بالأسباب .. ويرجع سبب اختيارنا للهجرة دون غيرها إلى أن أمر هجرته صلى الله عليه وسلم كان يتعلق به تعلقًا مباشرًا ، وقد كان صلى الله عليه وسلم موقنًا بنصر الله (إلا تنصروه فقد نصره الله ) (المائدة: 40) . كما كان واثقًا من حماية الله له، (والله يعصمك من الناس ) (المائدة: 67) . لكنه لم يركن إلى ذلك وحده ، بل بذل غاية جهده في تهيئة الأسباب ، التي رأى ضرورة تهيئتها لمثل تلك الرحلة المحفوفة بالمخاطر .. ولنستمع إلى السيدة عائشة رضي الله عنها ، تروي لنا التفاصيل .. قالت: ( كان لا يخطئ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي ببيت أبي بكر أحد طرفي النهار ، إما بكرة وإما عشية ، حتى إذا كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة ، والخروج من مكة ، من بين ظهري قومه ، أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها .. قالت: فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره ، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرج عني من عندك . فقال: يا رسول الله إنما هما ابنتاي ، وما ذاك فداك أبي وأمي ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة .. قالت: فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله . قال صلى الله عليه وسلم: الصحبة .. قالت فوالله ما شعرت قط مثل ذلك اليوم أن أحدًا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ، ثم قال: يا نبي الله ، إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا . فاستأجرا عبد الله بن أريقط - وكان مشركًا - يدلهما على الطريق فدفعا إليه راحلتيهما ، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما .. ولم يعلم -فيما بلغني- بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد حين خرج إلا علي بن أبي طالب ، وأبو بكر الصديق وآل أبي بكر . فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج ، أتى أبا بكر فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته ، ثم عمدا إلى غار ثور(جبل بأسفل مكة) فدخلاه .. وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثًا ومعه أبو بكر ، وجعلت قريش فيه ، حين فقدوه ، مائة ناقة ، لمن يرده عليهم .. وكان عبد الله بن أبي بكر يكون في قريش نهاره معهم ، يسمع ما يأتمرون به ، وما يقولون في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، ثم يأتيهما إذا أمسى ، فيخبرهما الخبر ، وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يرعى في رعيان أهل مكة ، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر فاحتلبا وذبحا ، فإذا عبد الله بن أبي بكر غدا من عندهما إلى مكة أتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم حتى يعفي عليه .. حتى إذا مضت الثلاث ، وسكن عنهما الناس ، أتاهما صاحبهما الذي استأجراه ببعيريهما وبعير له ، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما بسفرتهما). فهل بعد هذا الحرص من حرص ؟

.. هذا مع التذكير بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أغنى الناس عن مثل هذا السلوك بما أنه مؤيد من الله عز وجل ، وموعود بالنصر والتمكين .. وهذا ما يدعونا لأن نكون حريصين كحرصه صلى الله عليه وسلم على الأخذ بالأسباب ، والسير في الأرض ، لكشف السنن التي بتسخيرها يمكن أن نحقق الأهداف التي نسعى إليها.

سنة الله في الخلق ) تعريف وخصائص

لقد تناولنا فيما سبق مفهوم (سنن الله في الخلق) تناولًا عامًا مجملًا ، وبينا العلاقة ما بين دراسة هذه السنن وتسخير الكون المحيط بنا ، وقلنا: إننا من غير فهم هذه السنن ، ومعرفة شروطها ، وأحكامها ، لا نستطيع أن نسخرها على الوجه الصحيح .. وقد آن الأوان لكي نفصل الحديث في ماهية السنن ، فما الذي نعنيه بمصطلح (سنة الله في الخلق) ؟

* بالرجوع إلى معاجم اللغة نجد أن لفظ (السنة) يعني الطريقة أو القاعدة .. وكل من ابتدأ أمرًا عمل به قوم من بعده فهو الذي سنه.

السنة في الاصطلاح الشرعي: (كل ما صدر عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلقية أو خُلقية، وهي مصدر تؤخذ عنه الشرائع والعقائد متى ثبت إسنادها وصحت نسبتها) .

* وأما ( سنة الله في الخلق: فإنها تعني حكم الله في خليقته ، وهذا ما بيناه في الفصول السابقة ، من أن الله عز وجل قد سن لكل أمر في هذا الوجود حكمًا(أو قانونًا) لا يحيد عنه .. فالسنن التي فطر الله عليها أمور خلقه ، هي إذن: ( مجموعة القوانين التي سنها الله عز وجل لهذا الوجود ، وأخضع لها مخلوقاته جميعًا ، على اختلاف أنواعها وتباين أجناسها ) ، ويوضح هذا التعريف اختلاف معنى سنة الله في الخلق عن معنى السنة في اللغة ، وفي الاصطلاح الشرعي كذلك .. على الرغم من المعنى الجامع لها.

وتتصف السنن الربانية بثلاث خصائص مميزة هي: الشمولية ، والثبات ، والاطراد ، وهذه الخصائص تنطبق على جميع السنن التي بثها الله في هذا الوجود .. فما هي طبيعة هذه الخصائص؟ هذا ما سوف نفصل فيه فيما يلي:

1-الشمولية

.. عندما يعيش الإنسان في هذا الوجود بقلب سليم ، وعقل متفتح ، وبصيرة نافذة ، فإنه يجد في حياته على هذه الشاكلة سعادة غامرة ، لا يعرف حلاوتها البشر ، الذين عطلوا حواسهم عن رؤية ما في الكون من تكامل يدل على الإعجاز في الخلق ، كما يدل على قدرة الخالق !

وإن من يتأمل هذه الخلائق المبثوثة في الكون من حوله ، يجد أنها جميعًا ترتبط بمنهج موحد من السنن الربانية ، التي تقرب بعضها إلى بعض ، فتجعل منها عالمًا أنيسًا متكاملًا ، يسوده الانسجام والاستقرار والتوازن .. والأدلة على هذه الحقيقة الباهرة لا يكاد يحصرها عد ..

دليل من علم الفيزياء:

.. فمن عالم الذرة المتناهية في الصغر ، إلى عالم المجرة المتناهية في الكبر ، نجد أن السنن التي تحكم هنا، هي نفسها التي تحكم هناك ، فلا فرق ما بين صغير وكبير أمام السنن الربانية الشاملة ، التي تحكم الكون كله ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت