فهرس الكتاب

الصفحة 1691 من 1942

وليس هذا الكلام خيالًا ، ولا شطحات فيما وراء المعقول ، كما يحلو لبعض الناس أن يصفوا كل حقيقة كونية تثبت وجود خالق لهذا الوجود ، فالعلم نفسه يصوغ الحقائق صياغة علمية دقيقة ، بالمعادلات والأرقام التي لا يسع أي عاقل إلا الوقوف عندها خاشعًا لله ، لما تدل عليه من عظمة في الخلق وإتقان في الصنعة .. فمن المعلوم أن التفاعلات أو الظواهر التي تسود الكون أربع ، هي: الكهربائية ، والمغناطيسية ، والنووية ، والجاذبية .. وقد ظل العلماء زمنًا طويلًا يظنون أن هذه الظواهر متميزة بعضها عن بعض ، وأنه لا علاقة بينها البتة .. وظل الأمر كذلك حتى عهد قريب ، حين أثبتت النظريات الجديدة ، والتجارب التي تمت بناء عليها ، أن هذه الظواهر التي تبدو متباينة ، يمكن توحيدها أو إرجاعها إلى ظاهرة واحدة ، وقد بدأت مسيرة التوحيد هذه مع الإنجليزي اسحق نيوتن ( 1642 - 1727م ) ، الذي وحد بين ظاهرتي الجاذبية الأرضية ، والجاذبية بين الأجرام السماوية ، وصاغ قانون الجاذبية العام ، ثم تابعت عملية التوحيد مسيرتها مع الاسكوتلاندي جيمس ماكسويل ( 1831 - 1879م ) الذي وحد بين ظاهرتي الكهرباء والمغناطيس ، في ظاهرة واحدة ، هي الحقل الكهرومغناطيسي ، وصاغ لها المعادلات الشهيرة التي مازالت تحمل اسمه .. وفي بداية القرن الحالي جرى تعميم نظرية ماكسويل في نظرية الإلكتروديناميك الكوانتية ( 1927م ) ، ومؤخرًا في سبعينيات هذا القرن نجح العلماء ومنهم الفيزيائي الباكستاني ( عبد السلام ) في التوحيد ما بين التفاعلات الكهرومغناطيسية ، والتفاعلات النووية الضعيفة ، في نظرية واحدة أطلق عليها اسم ( كهروضعيفة ) وعلى أثر اكتشاف هذه النظرية ازداد أمل العلماء في إمكانية جمع ظاهرة التفاعلات النووية القوية إلى الشكلين المذكورين اللذين تم توحيدهما ، وأطلق اسم ( نظرية التوحيد الكبير ) على النظرية المرشحة للقيام بذلك ، ويفترض في هذه النظرية أن تعبر عن نوع من التناظر في البنية الهندسية للمادة في أعمق أعماقها .. وعندما يكون هذا التناظر قائمًا فهو يحتم وجود ظاهرة واحدة ، أو حقل كهرنووي واحد ، يجمع التفاعلات الثلاثة في تفاعل واحد .. ) ويبدو واضحًا من خلال هذه الوقائع التي انتهى العلماء إليها حتى الآن أن العالم المادي يشكل معًا وحدة متكاملة ، ويخضع لمنهج واحد ، وتحكمه سنن شاملة يكمل بعضها بعضًا .

دليل من علم الأجنة:

لقد كان دليلنا السابق من عالم المادة ، التي نصفها عادة بالجمود .. ونختار الآن مثالًا آخر من عالم الحياة، عالم المخلوقات الحية ، التي تتصف بالنشاط ، والحركة ، والتكاثر ، والنمو ، والتبدل المستمر .

ونورد مثالنا من علم الأجنة ، الذي أصبحنا نعرف عنه الكثير من المعلومات والحقائق اليقينية .. ويكفينا دليلًا من علم الأجنة أن نتتبع مراحل تخلقها ونموها لنرى النظام الذي تسير وفقه ، سواء أكانت هذه الأجنة أجنة بشر ، أو أجنة حيوانات مثل السمك والضفدع والطير والفيل .

إن تكوين هذه الأجنة على اختلافها يبدأ من التقاء نطفة الذكر ببيضة الأنثى ، ومن خلال عرس اللقاء هذا تتشكل خلية واحدة ، هي العروس الملقحة التي لا تلبث أن تبدأ بالانقسام والتكاثر ، على خليتين ، ثم أربع ، ثم ثمان ، ثم ست عشرة .. وفي مرحلة لاحقة يبدأ تخصيص كل مجموعة من الخلايا المتكاثرة ، لتشكيل عضو من أعضاء المخلوق الجديد إلى أن يكتمل نموه ، ويبلغ غاية خلقه ، ويخرج إلى الحياة مخلوقًا كاملًا سويًا .. ومما لا ريب فيه أن هذا الأسلوب الموحد في تخلق الأجنة المختلفة يوحي أنها جميعًا تخضع لمنهج واحد من السنن الشاملة .. كما يدل هذا الأمر على أن سنن الحياة لا تسود عالم الإنسان وحده ، بل تسود عالم المخلوقات الحية كلها .

دليل من علم الخلية:

.. وإذا ما انتقلنا بعد ذلك إلى الخلية ، فإننا نجد المخلوقات الحية كلها دون استثناء ، تتكون من وحدات أساسية تدعى كل منها ( خلية ) وهذه الوحدات متشابهة في التركيب ، سواء أكانت الخلية بشرية أو حيوانية أو نباتية .. فكل خلية تتركب من مادة صبغية وراثية تتجمع في النواة ، وتحمل صفات المخلوق ، وتنقلها بالتزاوج والتكاثر من جيل إلى جيل في النوع نفسه.

وتحيط بالنواة مادة هيولية تتم فيها النشاطات الحيوية المختلفة .. ويحيط بالمادة الهيولية هذه غلاف ، أو غشاء يحدد الخلية ، ويعطيها شكلها الذي يميزها عن غيرها من الخلايا.

وهذا الأسلوب في تكوين الخلايا يسود أنواع المخلوقات الحية كلها ، حتى المجهرية منها كالطفيليات والجراثيم .. مما يدل دلالة واضحة على أن تكوين المخلوقات الحية ينتظم وفق سنن شاملة محكمة كذلك .

دليل من علم (الأحياء) :

.. ولعلنا نتبين طرفًا من التكامل في الخلق ، حين ننظر نظرة شاملة إلى عالم المخلوقات الحية ، التي تعيش فوق هذه الأرض ، إذ تظهر لنا النظرة المدققة إلى حياة النبات من جهة ، وحياة الإنسان والحيوان من جهة أخرى أن هذه المخلوقات جميعًا تتعاون في حياتها ضمن حلقة واحدة متكاملة:

فوظيفة النبات هي ( الإرجاع والتركيب ) ، إذ يأخذ التراب والهواء والماء فيركب منها الثمار ، ليقدمها يافعة للإنسان والحيوان ، لكي يبنيا منها أجسامهما .. إلى جانب ما يقوم به النبات من علم بالغ الأهمية في تنقية جو الأرض من غاز ثاني أكسيد الكربون ، الذي ينتج عن تنفس الإنسان والحيوان فينزع منه الأكسجين ويعيده إلى جو الأرض ، خلال عملية التمثيل الضوئي ، لكي يقوم الإنسان والحيوان باستخدام هذه الأكسجين من جديد .

وأما وظيفة الإنسان والحيوان فهي ( الأكسدة والتقويض ) أي هي نقيض وظيفة النبات ، إذ يأخذ الإنسان والحيوان غذاءهما من عالم النبات فيهضمانه ليبنيا منه خلاياهما وأعضاءهما ، وليستمدا منه الطاقة اللازمة للحركة والنمو والتكاثر .. ثم يطرحان ما لا يهضمانه إلى التراب والهواء ، ليبدأ دور النبات من جديد .

وبهذا تكتمل دورة الحياة ، وتتعاون هذه المخلوقات معًا ضمن حلقة متكاملة من السنن .

دلائل من علم النفس وعلم الاجتماع:

.. وندرك من خلال الأمثلة التي سبقت أن العالم المادي ( الحي وغير الحي ) محكوم بمجموعة من السنن التي توجه مساره ، وتحدد وجهة تطوره .. فماذا عن النفس البشرية والحياة الاجتماعية .. هل يخضعان كذلك لسنن مخصوصة ؟

والجواب الذي نقطع به دون تردد هو: أجل .. فإن سنن الله عز وجل لا تحكم العالم المادي وحده ، بل هي تحكم ما في هذا الوجود من خلائق ، سواء أكانت مادية كالذرة ، والكهرباء ، والحرارة ، أم كانت معنوية كالعواطف الإنسانية ، والسلوك الاجتماعي .. وهذا ما تأكده آيات كثيرة من القرآن الكريم ، من مثل قوله تعالى: (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا وإليه يرجعون ) (آل عمران: 83) .. فالكل خاضع لله .. خاضع لسننه التي فطر الخلق عليها ..

وكما أن الماء يطفئ النار ..

وكما أن المعدن يتمدد بالحرارة ويتقلص بالبرودة ..

وكما أن رمي الحجر في الفضاء يجعله يسقط إلى الأرض ..

وكما أن التقاء النطفة بالبيضة يولد الجنين ..

وهذه كلها سنن مادية مشاهدة مدركة .. فكذلك السنن التي تحكم النفس البشرية والحياة الاجتماعية ، فهي سنن تقوم على مقدمات ونتائج ، وترتبط نتائجها بمقدماتها ارتباطًا وثيقًا مقدرًا من الله عز وجل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت