ويقدم لنا الواقع المشاهد أدلة عديدة تثبت هذه الحقيقة .. فنحن نشاهد مثلًا أن الحسد (وهو انفعال نفسي محض) يؤدي إلى نتائج مدركة تظهر بوضوح من خلال سلوك الحسود وتصرفاته ، كما تظهر فيما يعانيه الحسود من ضيق وتبرم بالحياة ، وقلق يقض مضجعه ، وينغص عليه عيشته.
ويجمع علماء النفس من خلال ما حصلوه من معلومات وخبرات عن طبيعة النفس البشرية ، بأن هذه النفس محكومة بسنن صارمة ، تقرر حالها ، من حيث الصحة والمرض ، والسعادة والشقاء ، كما يجمعون على أن الوضع النفسي للفرد يتوقف بصورة مؤكدة على عوامل عديدة ، كالثقافة والظروف البيئية والاجتماعية والسياسية .. وعوامل أخرى بات كثير منها معروفًا اليوم للباحثين في ميدان علم النفس ، بحيث أصبح هؤلاء الباحثون قادرين على علاج كثير من الاضطرابات النفسية والسلوكية بناء على هذه المعرفة . ويثبت القرآن الكريم هذه الحقيقة دون لبس ، ويبين بوضوح تام ، أن حال الإنسان من حيث السعادة والشقاء مثلًا مرهونة بنظرته إلى الحياة ، وبموقفه من هذه الحياة .. ففي سورة الشمس ، يخبرنا الله عز وجل بأن صلاح الإنسان مرهون بتزكيته نفسه ، وأن شقاءه بالمقابل ، مرهون بتدسية هذه النفس .. قال تعالى: (ونفس وما سواها ، فألهمها فجورها وتقواها ، قد أفلح من زكاها ، وقد خاب من دساها ) (الشمس: 7-10) .
فهذه سنة نفسية تصدق على أي إنسان ، فأيما إنسان صدق العزم ، وأخلص النية ، وزكا نفسه ، فنأى بها عن المحرمات ، وعن الخبائث ، فإن الفلاح سيكون من نصيبه ، وأيما إنسان دنس نفسه بالحرام ، ورضي بالخبائث فإن الخسارة نازلة به لا محالة.
ولقد قدم لنا القرآن الكريم السنة التي تحكم سعادة الإنسان وشقاءه بصورة معادلة رياضية لا تقبل الجدل ، وذلك في قوله سبحانه: ( فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا ) (طه:123-124) فالسعادة والشقاء - كما يقرر الحق تبارك وتعالى - رهن بالتزام شرع الله ، أو النأي عنه ورفضه ، وهذه سنة ربانية تحكم حياة البشر ، وستظل تحكمها إلى يوم القيامة.
ولو تتبعنا الآيات القرآنية ، لوجدناها تعرض لنا الدليل تلو الدليل على أن النفس البشرية خاضعة لسنن صارمة ، لا تقبل التبديل ولا التحويل.
فإذا ما انتقلنا بعد ذلك من نطاق النفس البشرية ، إلى نطاق المجتمع ، فإننا سنجده أيضًا محكومًا بسنن ربانية صارمة شأنه شأن النفس .. ولا عجب في هذا فإن المجتمع في الحقيقة ليس إلا مجموعة من الأفراد .. وأن حال المجتمع يعكس سلوك هؤلاء الأفراد أنفسهم ، ومن ثم فإن مصير المجتمع بأسره مرهون بسلوك أفراده .. نجد مصداق هذا في قوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) (الرعد: 11 ) ، وقوله تعالى: (ذلك بأن الله لم يك مغيرًا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ( الأنفال: 53 ) ، وقوله كذلك: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) (الأنفال: 25 ) ، وفي هذا دليل على أن سلوك الناس ، الذين يشكلون مجتمعًا ما ، يعد بمثابة مقدمة لنفاذ السنة المرتبطة بهذا السلوك .. وبمعنى آخر فإن انتقال المجتمع من حال إلى حال لا يحصل عشوائيًا . بل يحصل وفق سنن ربانية تحكم مساره وتضبط وجهته.
وقد حدثنا القرآن الكريم عن حياة مجتمعات مختلفة ، منها من عاش حياة رغيدة آمنة ، ومنها من ذاق لباس الخوف والجوع ، ومنها من باد وهلك بعذاب أليم ، وتأتي هذه اللمحات القرآنية لتلفت انتباهنا إلى وجود سنن ربانية تحكم حياة المجتمعات البشرية قاطبة ، وتقرر مصيرها .. وقد كان البيان القرآني واضحًا ، حين قرر أن رقي المجتمعات أو انحطاطها مرهونان بالتزام شريعة الله ، أو النأي عنها ، ففي باب الرقي وبسط النعمة ، نجد قوله تعالى: ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) (الأعراف:96 ) .
وفي باب الانحطاط يخبرنا القرآن الكريم مثلًا عما آلت إليه حال النصارى ، عندما انحرفوا عن خط التوحيد ، فكان جزاؤهم أن انتشرت بينهم نار العداوة والبغضاء: (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظًا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ) (المائدة: 14) ، فلما انحرفوا عن خط التوحيد أشد من ذلك حقت عليهم سنة ربانية أخرى ، وكان الهلاك مصيرهم: (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ) (الأنعام: 44) .
* وهذه كلها سنن ربانية ماضية في الناس إلى يوم القيامة.
وإلى جانب القرآن الكريم نجد عددًا غير قليل من الأحاديث النبوية ، التي بينت الكثير من السنن النفسية والاجتماعية .. ولنستمع مثلًا لهذا الحديث النبوي الجامع الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم: (.. لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع ، التي لم تكن في أسلافهم ، ولم يمنعوا زكاة أموالهم ، إلا منعوا القطر من السماء ، ولولا البهائم لم يمطروا ، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله ، إلا سلط عليهم عدو من غيرهم ، فيأخذ بعض ما في أيديهم ، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم ) فهذه كلها سنن اجتماعية لا تتخلف نتائجها عن أسبابها ، فهي كالمعادلة الرياضية ، التي ترتبط فيها النتيجة بالمقدمة ارتباطًا محكمًا لا يقبل التبديل .
اعتراض:
يبدي بعض الباحثين تحفظهم تجاه شمولية السنن ، لأنهم يظنون أن المادة وحدها تخضع لسنن صارمة ، يمكن أن تصاغ صياغة رياضية دقيقة ، بينما لا تخضع النفس البشرية ولا الحياة الاجتماعية ، لمثل هذه الصرامة ، ويظنون فوق هذا أن التغيرات النفسية والاجتماعية تتم في حياة البشر بطريقة سحرية خارقة غامضة الأسباب !
وقد عمق هذا الظن ما حدث من فارق كبير بين تقدم العلوم الرياضية والمادية من جهة ، وبين تقدم العلوم الاجتماعية والنفسية من جهة أخرى .. فقد قطعت العلوم المادية عمومًا شوطًا بعيد المدى ، وقدمت إنجازات علمية هائلة ، وأثبتت جدارتها ومصداقيتها في معظم الأحوال .. وأما علوم النفس والاجتماع فمازالت عند البدايات الأولى ، لأنها لم تعط الأهمية ذاتها ، ولهذا ظل معظمها عاجزًا عن تفسير سلوك الإنسان تفسيرًا صحيحًا دقيقًا ، وظلت هذه العلوم جاهلة بمعظم السنن ، التي تتحكم بسلوك الفرد والمجتمع ، مما جعل هذه العلوم متخلفة بمراحل واسعة عن علوم المادة ، لكن هذا لا يعني أن النفس والمجتمع لا يخضعان للسنن كما تخضع المادة ، بل معناه أن الإنسان نفسه مازال مقصرًا في كشف سنن النفس والمجتمع ..
والظاهر أن الالتباس في مسألة السنن النفسية والاجتماعية ، وعدم اعتبارها صارمة كالسنن المادية الأخرى ، يرجع إلى أن المادة يمكن أن تخضع للتجربة المباشرة في المختبر بسهولة ويسر ، بحيث يمكن استنباط النتائج النهائية منها خلال زمن قصير ، بينما يتعذر ذلك من التجارب النفسية والاجتماعية ، لأن إخضاع النفس والمجتمع للتجربة ليس بالسهولة نفسه ، كما أن التجربة النفسية والاجتماعية تتطلب فترة رصد طويلة ، وربما استغرقت أجيالًا عديدة.
هذا إلى جانب ما قد تمر به الظاهرة الاجتماعية من صعوبات أو نكبات خلال مسيرتها الطويلة ، مما يؤدي إلى انحرافها وتغيير معطياتها ، ومن ثم يلتبس على من يدرسها أمر الصرامة في السنن التي تخضع لها.